أثير- د. محمد بن حمد العريمي
في الثالث والعشرين من نوفمبر من عام 1980م، انطلقت من مسقط سفينة خشبية عُمانية تحمل اسم ”صحار“، متجهة نحو الصين في رحلة بحرية استثنائية، لم تكن مجرد مغامرة لعبور المحيطات، وإنما محاولة لإحياء فصل مهم من تاريخ الملاحة العُمانية، واستعادة الطرق البحرية التي سلكها البحارة والتجار العُمانيون قبل قرون، حين كانت سفنهم تصل إلى موانئ الهند وجنوب شرق آسيا والصين، محملة بالبضائع والسلع، وحاملة معها ملامح التواصل الحضاري والثقافي بين الشعوب.
وبعد رحلة استمرت نحو ثمانية أشهر، قطعت خلالها السفينة قرابة ستة آلاف ميل بحري، وصلت ”صحار“ إلى ميناء كانتون الصيني في الحادي عشر من يوليو من عام 1981م، وسط احتفالات رسمية وشعبية، لتسجل واحدة من أبرز الرحلات البحرية في تاريخ عُمان الحديث، وتؤكد قدرة السفن التقليدية على اجتياز المسافات الطويلة بالاعتماد على الرياح والخبرات الملاحية المتوارثة.
وتستعرض ”أثير; في هذا التقرير قصة السفينة "صحار“، منذ التفكير في المشروع وبنائها بمدينة صور، مرورًا بطاقمها ومسار رحلتها والتحديات التي واجهتها، وصولًا إلى استقبالها في الصين وعودة بحارتها العُمانيين، مستندة إلى الوثائق والصور التاريخية والتغطيات الصحفية التي رافقت الرحلة، وما أورده الرحالة تيم سيفرن في كتابه ”رحلة السندباد“، وإلى تقارير سابقة كانت ”أثير“ قد نشرتها.
من رحلات السندباد إلى مشروع بحري تاريخي
ارتبطت عُمان منذ قرون بعلاقات تجارية وبحرية واسعة مع الصين، وأسهم موقعها الجغرافي المطل على بحر العرب والمحيط الهندي في جعل موانئها مراكز مهمة للتجارة والاتصال بين الشرق والغرب، وفي مقدمتها ميناء صحار الذي اكتسب شهرة واسعة خلال العصور الإسلامية.
وقد استلهم الرحالة والكاتب الأيرلندي تيم سيفرن (Tim Severin) فكرة مشروعه من رحلات السندباد البحري، وما ارتبط بها من وصف للسفن والأسفار البحرية الطويلة في المحيط الهندي، فسعى إلى إعادة بناء سفينة شراعية وفق الأساليب التقليدية القديمة، والإبحار بها من عُمان إلى الصين، لاختبار الإمكانات العملية لتلك السفن، ومدى قدرتها على اجتياز المسافات التي قطعها البحارة الأوائل.
ولقي المشروع دعمًا من حكومة سلطنة عُمان، ممثلة في وزارة التراث القومي والثقافة آنذاك، في إطار الاهتمام بإبراز التراث البحري العُماني والتعريف بإسهامات العُمانيين في حركة التجارة والملاحة العالمية.
ولم تكن الرحلة محاولة لإثبات أن سفينة بعينها سلكت الطريق نفسه في الماضي، بقدر ما كانت تجربة عملية لإظهار أن تقنيات بناء السفن التقليدية ووسائل الملاحة القديمة كانت قادرة على تحقيق مثل هذه الرحلات الطويلة.
صور.. المدينة التي وُلدت فيها السفينة
وقع الاختيار على مدينة صور لتكون موقعًا لبناء السفينة ”صحار“، لما عُرفت به من خبرات عريقة في صناعة السفن الخشبية والملاحة البحرية، ولوجود عدد من النواخذة والبحارة والصنّاع الذين حافظوا على معارفهم التقليدية المتوارثة.
واستغرق بناء السفينة نحو سبعة أشهر، وبلغ طولها 87 قدمًا، أي ما يقارب 26.5 متر، واستخدمت في بنائها ألواح خشبية جُمعت وربطت بالحبال المصنوعة من ألياف قشور جوز الهند، بدلًا من الاعتماد على المسامير المعدنية في تثبيت ألواح هيكلها، في محاكاة لأساليب صناعة السفن القديمة
وبلغ الطول الإجمالي للحبال المستخدمة في ربط ألواح السفينة نحو 400 ميل، أي ما يقارب 640 كيلومترًا، وهو ما يعكس حجم العمل اليدوي والدقة المطلوبة في تنفيذ المشروع.
واستفاد تيم سيفرن خلال إقامته في صور من خبرات عدد من النواخذة والربابنة العُمانيين، الذين قدموا له معلومات عن طرق الملاحة في المحيط الهندي، وأطلعوه على خرائط ووثائق بحرية احتفظوا بها، ومن بينهم النوخذا صالح بن خميس الغيلاني، الذي توثق إحدى الصور التاريخية لقاءه مع سيفرن في نقاش حول الملاحة البحرية.

بيت النوخذا راشد بن سليم المخيني.. شاهد على الاستعدادات
من الجوانب اللافتة في قصة بناء السفينة اختيار منزل عُماني تقليدي في حي الرشة بمدينة صور ليكون مقرًا لإقامة فريق البناء.
وكان المنزل يعود إلى ورثة النوخذا راشد بن سليم بن ثابت المخيني، أحد النواخذة المعروفين الذين امتلكوا سفنًا خشبية عابرة للمحيطات، وقد استأجرته وزارة التراث القومي والثقافة في عام 1979م لمدة عام كامل لإقامة فريق المشروع، ومن بينهم العمال الذين استُقدموا من ساحل المليبار بالهند للمشاركة في بناء السفينة.
ويصف تيم سيفرن المنزل في كتابه ”رحلة السندباد“ بأنه بناء تقليدي واسع يضم غرفًا متعددة تتوزع حول فناء داخلي، وقد أتاحت مساحاته استخدامه للسكن والتخزين وإعداد الطعام، فضلًا عن موقعه المطل على خور صور.
وهكذا أصبح ذلك المنزل جزءًا من ذاكرة الرحلة، وشاهدًا على مرحلة الإعداد لمشروع جمع بين الخبرة العُمانية في صناعة السفن والتجربة البحثية الحديثة في استكشاف تاريخ الملاحة.

تدشين السفينة وفق التقاليد البحرية العُمانية
بعد اكتمال أعمال البناء، جرى تدشين السفينة وفق أحد التقاليد البحرية المعروفة في مدينة صور، وهو ما يُعرف محليًا باسم ”التكوير“، حيث شارك عدد كبير من أبناء المدينة في سحب السفينة وإنزالها إلى مياه الخور.
وشهدت المناسبة حضور عدد من المسؤولين والأهالي والضيوف، في مشهد جسّد العلاقة الوثيقة بين المجتمع الصوري وصناعة السفن التي شكّلت أحد أهم مصادر رزقه ونشاطه الاقتصادي عبر أجيال متعاقبة. وبعد تدشينها، انتقلت السفينة إلى قاعدة سلطان بن أحمد البحرية في مسقط، استعدادًا لانطلاق رحلتها الطويلة نحو الصين.

عشرون بحارًا في رحلة إلى المجهول
في صباح الأحد 23 نوفمبر 1980م، شهدت قاعدة سلطان بن أحمد البحرية بمسقط احتفالًا رسميًا بمناسبة انطلاق السفينة ”صحار“، تحت رعاية السيد فيصل بن علي، وزير التراث القومي والثقافة آنذاك، وبحضور عدد من أفراد الأسرة الحاكمة والمسؤولين والمواطنين.

وكان على متن السفينة، وفقًا للتغطيات الصحفية العُمانية المرفقة، طاقم يضم عشرين بحارًا بقيادة تيم سيفرن، من بينهم ثمانية عُمانيين يمثلون عددًا من المؤسسات العسكرية والأمنية، إلى جانب بحارة مدنيين.
وضم الطاقم العُماني كلًا من: الملازم خميس بن حميد بن علي العريمي، من قوات السلطان البحرية، والعريف مسلم بن أحمد الشيادي، من قوات السلطان البحرية، وعيد بن عبدالله بن صالح العلوي، من شرطة عُمان السلطانية، وخميس بن سعيد المخيني، من خفر السواحل، والبحار المدني جمعة بن مطر بن مبارك، والبحار المدني عبدالله بن مبارك بن سالم، والبحار. المدني جميل بن مرهون بن غابش، والبحار المدني صالح بن يوسف بن صالح.
ولم تكن مشاركة هؤلاء البحارة مجرد حضور رمزي، بل اضطلعوا بأدوار عملية في تشغيل السفينة والتعامل مع أشرعتها وحبالها وصيانتها، والاستفادة من خبراتهم في الملاحة البحرية التقليدية.


ستة آلاف ميل على طرق التجارة القديمة
سلكت السفينة ”صحار“ طريقًا بحريًا مستوحى من مسارات التجارة القديمة التي ربطت عُمان بشبه القارة الهندية وجنوب شرق آسيا والصين، وبدأت رحلتها من مسقط، ثم اتجهت نحو المياهالهندية، مرورًا بسواحل المليبار وجزر لاكاديف وسريلانكا، قبل عبور أجزاء من المحيط الهندي باتجاه سومطرة ومضيق ملقا وسنغافورة، ومنها إلى بحر الصين الجنوبي وصولًا إلى كانتون.

واعتمدت السفينة على الأشرعة وقوة الرياح في دفعها، وعلى المعارف الملاحية التقليدية في تحديد اتجاهاتها، في تجربة أعادت إلى الأذهان الظروف التي واجهها البحارة والتجار في القرون الماضية.
وتشير التغطية التي نشرتها مجلة أرامكو وورلد في عام 1981م إلى أن الرحلة أظهرت إمكان استخدام سفينة مبنية بالطريقة التقليدية لعبور نحو 9600 كيلومتر بين مسقط والصين. كما وثقت جوانب من الصعوبات التي واجهها الطاقم.

تحديات كادت تعرقل الوصول
لم يكن الطريق إلى الصين سهلًا، فقد واجهت السفينة سلسلة من الصعوبات التي اختبرت قدرة طاقمها على الصمود والتصرف في الظروف الطارئة، ومن أبرز تلك التحديات تحطم إحدى القطع الخشبية الأساسية التي تحمل الشراع على الصاري؛ ما اضطر البحارة إلى إجراءإصلاحات مؤقتة، قبل صناعة قطعة بديلة باستخدام جذع شجرة في سومطرة.

كما عانت السفينة من فترات طويلة من ضعف الرياح والتيارات البحرية غير الملائمة، وهو ما تسبب في تأخر تقدمها، إلى جانب نقص المياه والمؤن الغذائية، واضطر أفراد الطاقم إلى جمع مياه الأمطار وتخزينها، ثم توزيعها بكميات محددة للمحافظة على ما لديهم من احتياطيات.
ومن المواقف اللافتة أن السفينة كانت تحمل نحو ألف كيلوجرام من التمور العُمانية ضمن مؤونتها الغذائية، لكن طول الرحلة وتراجع المخزون دفعا البحارة إلى البحث عن مصادر إضافية للطعام، وعندما أحاطت بالسفينة أسراب من أسماك القرش بعد مغادرتها سريلانكا، تمكن الطاقم من اصطياد 16 سمكة في يوم واحد، تراوحت أطوالها بين ثلاثة وأربعة أقدام، ثم قام البحارة بتجفيفها وتقطيعها للاستفادة منها غذائيًا.
ولم تتوقف التحديات عند ذلك، فقد تعرضت السفينة في بحر الصين الجنوبي لرياح عاتية وأمطار وعواصف شديدة، تسببت في تلف أربعة أشرعة، وظلت تواجه الظروف المضطربة نحو أربعة أيام قبل أن تتحسن الأحوال الجوية.

كانتون تستقبل السفينة العُمانية
كان يوم السبت 11 يوليو 1981م محطة بارزة في تاريخ الرحلة، إذ شهد ميناء كانتون احتفالًا رسميًا بالسفينة ”صحار“ وطاقمها، بحضور سمو السيد فيصل بن علي، وزير التراث القومي والثقافة، وعدد من المسؤولين الصينيين.

ووفقًا لما نشرته جريدة ”عُمان“ في عددها الصادر يوم 12 يوليو 1981م، تقدمت السفينة عند دخولها الميناء قطع من السفن الصينية، بينما علت أصوات الموسيقى والطبول وعبارات الترحيب.

وعند رسو السفينة، تقدم المسؤولون العُمانيون والصينيون لاستقبال أفراد الطاقم، وأُطلقت الألعاب النارية وعُزفت الموسيقى، ثم تبودلت التحيات والكلمات التي احتفت بنجاح الرحلة وبالعلاقات التاريخية بين الشعبين.

وشهد ميدان لؤلؤة كانتون جانبًا من الاحتفالات التي عكست اهتمام الجانب الصيني بهذا الحدث البحري
. وكان وصول السفينة بعد سنوات قليلة من إقامة العلاقات الدبلوماسية الحديثة بين سلطنة عُمان وجمهورية الصين الشعبية في 25 مايو 1978م، وهو ما منح الرحلة بعدًا ثقافيًا ودبلوماسيًا إضافيًا، وجعلها مناسبة لاستحضار التاريخ البحري المشترك في مرحلة جديدة من العلاقات الثنائية.
هدية السلطان قابوس إلى مسلمي الصين
من الوقائع ذات الدلالة الثقافية والدينية التي رافقت الرحلة حمل السفينة هدية من السلطان قابوس بن سعيد إلى المسلمين في مدينة كانتون، وكانت الهدية مصحفًا شريفًا، تشرف ضابط البحرية السلطانية العُمانية خميس بن حميد العريمي باستلامه من السلطان قابوس، ليُسلَّم إلى مسلمي الصين عند وصول السفينة.

وتكتسب هذه المبادرة دلالتها في سياق الروابط القديمة بين عُمان والصين، التي لم تقتصر على تبادل السلع والبضائع، وإنما شملت التواصل بين المجتمعات وانتقال المعارف والمؤثرات الثقافية والدينية عبر الموانئ البحرية.
عودة البحارة العُمانيين إلى الوطن
بعد نجاح الرحلة، عاد البحارة العُمانيون إلى أرض الوطن صباح الأحد 19 يوليو 1981م، حيث وصلوا إلى مطار السيب، واختُتم بذلك فصل مهم من تجربتهم البحرية.
وقد وثقت جريدة ”عُمان“ في عددها الصادر يوم 20 يوليو 1981م صورة جماعية للبحارة العائدين، في واحدة من الصور التاريخية التي حفظت أسماء المشاركين في هذه المغامرة.
وعبّر تيم سيفرن في كتابه ”رحلة السندباد“ عن مشاعره عند وداع البحارة العُمانيين، مشيرًا إلى ما جمع أفراد الطاقم من تعاون وتجارب مشتركة خلال رحلتهم الطويلة عبر الهند وسريلانكا وسومطرة والصين. وكانت العودة بالنسبة إلى البحارة نهاية أشهر من المشقة والابتعاد عن أسرهم، لكنها مثّلت في الوقت نفسه بداية حضور أسمائهم ضمن واحدة من أشهر التجارب البحرية المرتبطة بتاريخ عُمان الحديث.

السفينة ”صحار“.. من مغامرة بحرية إلى رمز للتراث العُماني
لم تنتهِ قصة السفينة ”صحار“ بوصولها إلى الصين، فقد أصبحت الرحلة موضوعًا للدراسات والكتب والأفلام الوثائقية والندوات التي تناولت تاريخ الملاحة العُمانية، وأساليب بناء السفن التقليدية، وصلات عُمان التجارية والحضارية بشرق آسيا.
وقد أصدر تيم سيفرن كتابه The Sindbad Voyage عام 1982م، مستعرضًا فيه تفاصيل المشروع وما شهده من أحداث ومغامرات، قبل أن تصدر له ترجمات وطبعات لاحقة، من بينها طبعة عربية أصدرتها وزارة التراث والثقافة عام 2017م.

وعادت السفينة إلى عُمان، وأصبحت مع مرور السنوات معلمًا تراثيًا بالقرب من فندق قصر البستان بمسقط، يذكّر الأجيال بتاريخ الملاحة العُمانية ورحلة إعادة إحياء الطريق البحري إلى الصين.

وبعد مرور نحو خمسة وأربعين عامًا على رحلة ”صحار“، تظل هذه التجربة واحدة من أبرز المحطات التي استُحضرت من خلالها أمجاد الملاحة العُمانية في العصر الحديث، فقد جمعت بين البحث التاريخي والخبرة البحرية والتعاون الثقافي، وأعادت تقديم صورة السفينة العُمانية بوصفها وسيلة للتجارة والتواصل بين الحضارات.
وهكذا لم تكن ”صحار“ مجرد سفينة خشبية وصلت إلى الصين عام 1981م، بل كانت جسرًا رمزيًا بين الماضي والحاضر، أعاد إحياء ذاكرة طريق بحري عريق، وأكد أن العلاقات العُمانية الصينية تمتد بجذورها إلى زمن كانت فيه الأشرعة تحمل البضائع والرسائل والثقافات بين ضفتي المحيط الهندي وبحر الصين.

المراجع
- البرطمانية، مريم بنت سعيد. طريق الحرير البحري بين عمان والصين وأدواره
الحضارية، رسالة دكتوراه غير منشورة، جامعة السلطان قابوس، سبتمبر 2023.
- سيفرن، توم. رحلة السندباد، ط3، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، 2017.
- العريمي، محمد بن حمد. قبل 44 عامًا: الرحلة العُمانية التاريخية إلى ميناء كانتون
وهدية السلطان قابوس لمسلمي الصين، أثير 31 يوليو 2025.
- العريمي، محمد بن حمد. بالصور: البيت العُماني الذي كان شاهدًا على رحلة
(السندباد)، أثير ، 15 ديسمبر 2018.
- عدّة أعداد من جريدة عمان خلال شهري نوفمبر 1980، يوليو 1981.






