إعداد: د. محمد بن حمد العريمي
المرسِل: حماد بن محمد بن سالم البسط
المرسَل إليه: السيد طالب بن أحمد بن سعيد
تاريخ الوثيقة: 20 شوال 1238هـ الموافق 29 يونيو 1823م
مصدر الوثيقة: وثائق بيت الصفاة (مكتبة الشيخ محسن بن زهران العبري)
نص الوثيقة:
“سلام يستغرق التحيات بعضه ويتضمن الباقيات الصالحات لفظُه. سُرّت سرائره وجلّت بشائره. حضرة المحمود بفعله المشهود عدله. سيّد من عُرِف بالسيادة ومولى الموالي القادة. عالي الشرف والأنساب، المُشار إلى اسمه أعلى الكتاب، كتب الله له السعادة أبدًا، وأمدّه بالخير سرمدًا أمين.
وبعد، فحال العبد اللائذ بجنابكم، القارع لبابكم فهو من الحالات في أجملها، ومن النعم في أكملها، وذلك بفضل الله ثم وجودكم، واتصاله بكرمكم وجُودِكم. ولا زال سائلًا عن ذاتكم الشريفة، راجيًا الإشارة من أخلاقكم اللطيفة، إذ قد أشرتُ لكم سابقًا بالمراد مصرّحًا لكم بما في الفؤاد على أن المراد في هذا المقيض النزول بِحِماكم والاستمطار لغمام سَماكُم، إذ قد عرفنا عنكم إعطاء السائل سؤله، وعلمنا منكم بلوغ الآمل مأموله، فأنعموا علينا بالإشارة، وأمدّونا بالبشارة، فقد عوّدتمونا كرامًا، واستغرتمونا نعما، ولنا منكم يسير التعريف غاية التشريف، وعليكم وعلى من أقام لديكم جزيل السلام وجليل التحية والإكرام..."
أهمية الوثيقة:
تكشف الرسائل العُمانية القديمة، إلى جانب قيمتها التاريخية وما تحمله من أخبار وأحداث، عن جوانب مهمة من الحياة الأدبية والثقافية، وعن مستوى الكتابة وأساليب التخاطب بين أفراد المجتمع وشخصياته البارزة، وبعض هذه الرسائل لا يلفت الانتباه إلى مضمونها فحسب، بل إلى لغتها أيضًا؛ بما تزخر به من سجع وتشبيه واستعارة ومحسنات بديعية، تجعل الرسالة أقرب إلى قطعة أدبية صيغت بعناية.
ومن النماذج اللافتة على ذلك رسالة بعث بها حماد بن محمد البسط إلى السيد طالب بن أحمد بن سعيد البوسعيدي، مؤرخة في 20 شوال 1238هـ، الموافق 29 يونيو 1823م، ومحفوظة ضمن وثائق بيت الصفاة بمكتبة الشيخ محسن بن زهران العبري.
وتكتسب الوثيقة أهمية إضافية من شخصية المرسَل إليه؛ فالسيد طالب هو ابن الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي، مؤسس دولة البوسعيد، وبذلك تنتمي الرسالة إلى مرحلة مبكرة من التاريخ البوسعيدي، بعد وفاة الإمام أحمد بن سعيد بنحو أربعة عقود.

افتتاحية تتجاوز السلام إلى الأدب
يبدأ حمّاد البسط رسالته بعبارات لا تكتفي بأداء وظيفة التحية المعتادة، وإنما تحوّل السلام نفسه إلى صورة أدبية، فيقول: “سلام يستغرق التحيات بعضه، ويتضمن الباقيات الصالحات لفظه، سُرّت سرائره وجلّت بشائره”.
ومنذ هذه الكلمات الأولى تظهر عناية الكاتب بالإيقاع اللفظي، والموازنة بين العبارات، والجمع بين الكلمات المتقاربة في الجرس؛ مثل: “سرّت سرائره” و“جلّت بشائره“، وهو أسلوب يمنح المقدمة نغمة واضحة ويهيئ القارئ لما يأتي بعدها من عبارات مسجوعة.
ثم ينتقل إلى مخاطبة السيد طالب بعبارات الثناء والتبجيل: “حضرة المحمود بفعله، المشهود عدله، سيّد من عُرف بالسيادة، ومولى الموالي القادة، عالي الشرف والأنساب، المشار إلى اسمه أعلى الكتاب، كتب الله له السعادة أبدًا، وأمدّه بالخير سرمدًا”.
وهنا تتتابع الثنائيات اللفظية: “المحمود بفعله – المشهود عدله”، و“السعادة أبدًا – الخير سرمدًا“، فضلًا عن التقارب بين “السيادة” و“القادة“، في بناء لغوي يقوم على السجع والموازنة.
“العبد اللائذ بجنابكم.. القارع لبابكم”
بعد المقدمة ينتقل المرسل إلى الحديث عن نفسه، لكنه يفعل ذلك بالأسلوب الأدبي نفسه، فيقول: “فحال العبد اللائذ بجنابكم، القارع لبابكم، فهو من الحالات في أجملها، ومن النعم في أكملها، وذلك بفضل الله ثم وجودكم، واتصاله بكرمكم وجودكم”.
ويظهر في هذا الجزء عدد من الصيغ التي كانت تستخدم للتعبير عن التواضع أمام المرسَل إليه، إلا أن حمّاد البسط يصوغها في قالب بلاغي متتابع؛ فهو “اللائذ بجنابكم” و“القارع لبابكم“، ثم يجعل حاله “في أجملها”، والنعم “في أكملها”.
ويواصل رسالته قائلًا: “ولا زال سائلًا عن ذاتكم الشريفة، راجيًا الإشارة من أخلاقكم اللطيفة”.
ويتكرر هنا أيضًا حرص الكاتب على توافق أواخر الجمل: “الشريفة – اللطيفة”، في نسق يمتد إلى معظم الرسالة.
“النزول بحماكم والاستمطار لغمام سماكم”
لعل أكثر عبارات الوثيقة لفتًا للانتباه تلك التي يوضح فيها حمّاد البسط غرضه من المكاتبة، إذ يقول: “إذ قد أشرتُ لكم سابقًا بالمراد، مصرّحًا لكم بما في الفؤاد، على أن المراد في هذا المقيض النزول بحماكم، والاستمطار لغمام سماكم”.
تتجاوز العبارة هنا معناها المباشر إلى التصوير؛ فالمُرسل يرغب في “النزول بحماكم”، ثم يشبّه فضل المرسَل إليه وكرمه بالمطر المرتجى من الغمام، فيطلب “الاستمطار لغمام سماكم”.
وهذه الصورة البلاغية تحمل دلالة واضحة على طبيعة الطلب؛ فالكاتب لا يقدمه بصيغة مباشرة جافة، وإنما يحيطه بلغة تقوم على الاستعارة والتلميح. فـ“الغمام” يصبح رمزًا للعطاء، و“الاستمطار” طلبًا لذلك الفضل، بينما يتحول “الحِمى” إلى صورة للحماية والرعاية.
كما تكشف العبارة عن جانب اجتماعي مهم في المراسلات؛ إذ يبدو أن حمّاد البسط كان قد خاطب السيد طالب في الأمر من قبل، وهو ما يظهر في قوله: “إذ قد أشرت لكم سابقًا بالمراد”.
طلبٌ يكسوه الثناء
يمضي المرسل في بناء طلبه على ما عرفه من كرم السيد طالب، فيقول: “إذ قد عرفنا عنكم إعطاء السائل سؤله، وعلمنا منكم بلوغ الآمل مأموله، فأنعموا علينا بالإشارة، وأمدّونا بالبشارة”.
وفي هذه الأسطر تبلغ الموازنة اللفظية درجة واضحة: “السائل سؤله” في مقابل “الآمل مأموله”، ثم “الإشارة” في مقابل “البشارة”.
ولا يكتفي الكاتب بطلب الاستجابة، وإنما يجعلها امتدادًا لما عرفه من المرسَل إليه، فيقول: “فقد عوّدتمونا كرمًا، واستغمرتمونا نعمًا، ولنا منكم يسير التعريف غاية التشريف”.
وتختتم الرسالة بالسلام والتحية لمن يوجدون في مجلس السيد طالب: “وعليكم وعلى من أقام لديكم جزيل السلام وجليل التحية والإكرام”.
رسالة قصيرة.. ومحسنات لغوية متتابعة
عند قراءة الوثيقة كاملة، يبدو واضحًا أن حمّاد البسط لم يكن يكتب رسالة عابرة، وإنما حرص على صياغة طلبه في قالب أدبي متماسك، ومن أبرز سمات أسلوبه السجع الذي يكاد ينتظم أجزاء الرسالة كلها، ومن أمثلته: “الشريفة/اللطيفة”، و“الإشارة/البشارة“، و“سؤله/مأموله“.
ويظهر كذلك التوازن بين الجمل في قوله: “من الحالات في أجملها، ومن النعم في أكملها”، و“إعطاء السائل سؤله، وبلوغ الآمل مأموله“. أما الاستعارة والتصوير فتظهر بصورة أوضح في “الاستمطار لغمام سماكم”، حيث صُوّر الكرم بالمطر والمرسَل إليه بالسماء ذات الغمام.
كما يستخدم الكاتب الجناس والاشتقاق اللفظي في مواضع متعددة؛ من قبيل “سُرّت سرائره”، و“السائل سؤله“، و“الآمل مأموله“، وهي تراكيب تكشف عن ميل واضح إلى انتقاء الألفاظ المتقاربة صوتًا واشتقاقًا.
ما الذي أراده حمّاد البسط؟
على الرغم من وضوح رغبة المرسل في النزول في حمى السيد طالب وطلب عنايته، فإن النص المتاح لا يفصّل بصورة قاطعة طبيعة الحاجة التي دفعته إلى ذلك، فالكاتب نفسه اختار التلميح بدل التصريح، مكتفيًا بالإشارة إلى أنه سبق أن أوضح مراده، ثم أعاد طلب “النزول بحماكم” و“الاستمطار لغمام سماكم“.
ولهذا فإن أهمية الرسالة لا تقتصر على محاولة تحديد الطلب الذي حملته، بل تتجاوز ذلك إلى الطريقة التي صيغ بها هذا الطلب، وإلى ما تكشفه الوثيقة عن ثقافة المكاتبات وأدبياتها قبل أكثر من قرنين.
فالرسالة تقدم مثالًا على أن المكاتبات الخاصة يمكن أن تكون مصدرًا لدراسة تاريخ اللغة والأدب والمجتمع إلى جانب التاريخ السياسي؛ إذ تكشف طريقة المخاطبة، ومراتب الاحترام، وشبكات الرعاية والاتصال، فضلًا عن مستوى الثقافة اللغوية لدى أصحابها.
من بيت الصفاة إلى ذاكرة التاريخ
مرّ على كتابة هذه الرسالة أكثر من مئتي عام، ومع ذلك بقيت الورقة تحمل أثر كاتبها وحبره ولغته، وتتيح اليوم نافذة صغيرة على عالم المراسلات في سلطنة عُمان خلال الربع الأول من القرن التاسع عشر.
وتأتي أهمية حفظها ضمن وثائق بيت الصفاة في مكتبة الشيخ محسن بن زهران العبري بالحمراء من كون مثل هذه الوثائق الخاصة تكمل الصورة التي تقدمها المصادر التاريخية التقليدية؛ فبينما تسجل كتب التاريخ الأحداث الكبرى، تحفظ الرسائل تفاصيل العلاقات بين الناس، وطرائق خطابهم، وطلباتهم، ومفرداتهم، وأساليبهم في التعبير.
وهكذا لم تصلنا من يوم 20 شوال 1238هـ، الموافق 29 يونيو 1823م، مجرد رسالة طلب بعث بها حماد بن محمد البسط إلى السيد طالب بن أحمد بن سعيد، بل وصلت إلينا قطعة أدبية صغيرة، اختلط فيها الطلب بالثناء، والتاريخ بالأدب، حتى أصبح “النزول بالحِمى” و“الاستمطار للغمام” شاهدين لغويين على أسلوب من أساليب المكاتبات العُمانية قبل أكثر من قرنين.
الشخصيات الواردة في الوثيقة:
السيد طالب بن أحمد بن سعيد البوسعيدي: هو أحد أبناء الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي (مؤسس الدولة البوسعيدية)، وشقيق السيد هلال لأمهما التي تنحدر من الهند، وعاش حتى أدرك أيام حكم ابن أخيه السيد سعيد بن سلطان، وكان كفيف البصر ولم يُنجب.
عينه والده الإمام أحمد بن سعيد واليًا على مدينة صور نظرًا لأهميتها التجارية وازدهار حركة الملاحة ونقل البن عبر أساطيرها البحرية. كما ولاه السيد سعيد بن سلطان على ولاية نخل ثم استقال منها، وتولى بعدها إمارة مدينة الرستاق. عُرف بكونه واليًا مهيبًا ومتصلبًا وحازمًا في ضبط أمن البلاد وقمع الجرائم، ووُصف أحيانًا بالشدة والصرامة المفرطة في إدارته.
حمّاد بن محمد البسط النخلي: من ولاية نخل، عاش بعض حياته في مسقط، من شيوخ المحقّق الخليليّ، عُرِفَ بسرعة البديهة، وتمكُّنِه من علوم اللّغة العربيّة، وكان يحفظ القاموس المحيط كاملا، ويستشهد بألفاظه ارتجالا، نسخت له “شرح الدرّة البهيّة في نظم الأجروميّة” في 20 صفر 1244هـ على يد الشيخ سلطان بن محمد بن صلت بن مالك البطّاشي.
كان من جلساء السيد سالم بن سلطان بن أحمد في مجلسه بمسقط، كما كانت له علاقات ودية مع علماء عصره وأدبائه داخل عمان وخارجها كالشيخ ناصر بن أبي نبهان، والشيخ ناصر بن محمد الخروصي، وعلي بن ناصر النبهاني، وغيرهم. ومن معاصريه: السيد مهنا بن خلفان بن محمد، والشيخ سلطان بن محمد بن صلت، وخميس بن سالم الهاشمي، وسيف بن سعيد المعولي، وأبو الأحول سالم الدرمكي، وحميد بن محمد بن رزيق، وغيرهم.
لحماد البسط جوابات فقهية في مجموع رقم 1636 في مكتبة السيد محمد بن أحمد بالسيب.
المراجع:
- مجموعة مؤلفين، الموسوعة العمانية، حرف الحاء، سلطنة عمان، 2013، ص 1135.






