الملفاتحكيم ذهب بلا ضجيج وعاد بهدوء
قدّم عبدالرزاق الربيعي في 2015 تأملًا في لهفة العمانيين والعرب المقيمين وترقبهم، ورأى في عودة جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم بهدوء دلالة على الحكمة والاتزان.
عبدالرزّاق الربيعي
للقلوب الملهوفة، عند اللقاء، بعد فراق طويل، صخب لا يعرفه سوى من اكتوى بنار الوجد، هذه النار اكتوى بها الحجر قبل البشر في عُمان منذ مغادرة جلالته أرض الوطن بعد رحلة العلاج التي دامت شهورا، وكان الجميع قبل نزول الطائر أرض مسقط يضع عدّة سيناريوهات يرسم، خلالها، شكل اللهفة.
لكنّ تفكيري لم يوصلني إلّا إلى سيناريو واحد استنبطته من خلال معرفتي بتضاريس الشخصيّة العمانيّة، وقراءتي لشخصيّة جلالته.
فقبل تلك اللحظة السعيدة دار نقاش بيني وبين صديق عماني حول عودة جلالته، فقلت أتّفق مع الإعلامي الذي قال لي ذات يوم “سيأتي يوم نفتح أعيننا ونجد جلالته بيننا”، انسجاما مع طبيعة شخصيّة جلالته، ولم أجد أنسب من تغريدة نشرتها الشيماء الرئيسية بموقع التواصل الاجتماعي “تويتر” هي “حكيم، ذهب بلا ضجيج، وعاد بهدوء يعكس حجم الاتزان الذي رسمه لعمان. واجبنا الآن مواصلة البناء بلا صخب كما أراد”، لقد لخّصت هذه التغريدة الكثير من الكلام، الذي قيل بعد عودة صاحب الجلالة السلطان قابوس -حفظه الله ورعاه – إلى عمان، وقد قرأنا الكثير من القصائد، والمقالات، والعبارات التي عبّرت عن المشاعر الجيّاشة للعمانيين والعرب المقيمين على أرض عمان ،وترقّب الجميع لخبر عودته سالما معافى، بما يفتح مساحة لتخيّل مشهد الشارع العماني لحظة علمه بأن أقدام جلالته وطأت أرض عمان، وكان المشهد، كما ترسمه المخيّلة ،فوق التصوّر، ومن يريد أن يتخيّله عليه أن يعرف النقلة العلميّة، والاقتصاديّة، والاجتماعيّة التي أحدثها ، منذ بزوغ فجر النهضة عام 1970 م، هذه النقلة قابلها شعور بالامتنان من العمانيين، وكل من يقيم بعمان، أو يزورها، لذا كان خبر سفر جلالته المباغت للعلاج أحدث صدمة في الشارع العماني، وكان الكلّ يتوقّع لجلالته عودة سريعة، لكنّ رحلة العلاج طالت ،وكلّما تطول تزداد اللهفة، وتحتدم في النفوس الأشواق، وكأنّه صار جزءا من الجغرافية العمانيّة، فسفره هو اقتطاع جزء من هذه الجغرافيا، لذا كان الجميع يترقّب عودة جلالته ليكتمل مشهد الجغرافيا العمانيّة الجديدة، التي ترسم حدودها الروح، وتجلياته داخلها باعتباره صار جزءا من مكوناتها.
إنّ عودة جلالته لأرض عمان بهذا الهدوء تحمل الكثير من الدلالات التي تؤكّد هدوء رجل حكيم لا يحب الصخب ،ويطلق العنان ما استطاع لصخب القلوب في عرس عودته سالما معافى.