سُلطانُ حَكَمَ العَالم .. سيرة مُغيبة

عرضٌ لكتاب «سُلطانُ حكم العَالم» بترجمة عبدالقادر عبداللي، يرصد نشأة السلطان سليمان القانوني وإدارة السلطنة وشخصيات عصره في صيغة تقترب من السرد الروائي.

سُلطانُ حَكَمَ العَالم .. سيرة مُغيبة
Atheer - أثير

 

بيروت – سجا العبدلي

 

على الرغم من كل الحكايا التي تناولت بالبحث والدراسة والرواية شخصية حفرت اسمها في تاريخ العالم في القرن السادس عشر . إلا أن الروايات وإن اختلفت عن السلطان سليمان القانوني فهي تجمع على أنه سُلطان شغل الدنيا في حياته وبعد وفاته وحتى يومنا هذا. ولعلّ المسلسل التركي ” حريم السلطان” والذي تناول فتره حكمة في أربعة أجزاء ساهم في إعادة إلقاء الضوء على شخصية حكمت العالم انذاك.

 

في هذا الكتاب ” سُلطانُ حكم العَالم – القانوني- رحلة شيقة في تاريخ الدولة العثمانية ” غطى المؤلف نصف فترة حكم السلطان سليمان القانوني من كل جوانبها تقريباً في محاولة منه لجعل القارئ يفهم شخصية السلطان وعصره والطريقة التي أدار بها دفة الحكم. وفيه أجاب على عدة أسئلة مثل : كيف جلس السلطان سليم الجبار على العرش؟ وكيف كانت الخاتون حفصه؟ وكيف تم اختيار السلطانة حٌرم؟ وكيف حظيت بالحب؟ وكيف رُفَّع إبراهيم باشا من عبد إلى الموقع الرفيع الذي وصل إليه، ولماذا أعدم؟ وما الذي يكمن وراء حقد الأوروبيين على العثمانيين، ولماذا هم معجبون بهذا الشعب ؟ وكيف كان خير الدين بربروس قرصاناً وبحاراً ورجل دولة؟ وما هو تأثير موقع شيخ الإسلام في إدارة السلطنة العثمانية؟ وما هو الديوان السلطاني؟ وممن يتألف؟ وما الفرق بين الحكم المطلق العثماني والحكم المطلق الأوروبي؟

 

خمسة عشر عاماً من البحث والتوثيق “المؤلف الرحالة “

 

يؤكد طلحة أُغورلوإِلْ أن هذا العمل قد اعتمد على حصيلة أكثر من خمسة عشر عاماً من الرحلات والصور الأمر الذي منحه خصوصية وتفرداً ميزته عن الكثير من الإصدارات التي بحثت في هذا الشأن وقد ذهب المؤلف إلى حيث ذهب السلطان سليمان ما عدا بغداد وتبريز وجزيرة كورفو. يقول : ” لقد مرّ هذا العمل بمرحلة غريبة من البحث والكتابة. في أثناء البحث في معلومات هذا الكتاب، ذهبت في رحلات عبر تركيا ومختلف دول العالم، والتقطتُ صوراً من مناطق جغرافية مختلفة، والتقيت بمختلف أنواع الناس، وحاولت الاطلاع على أفكارهم، أي حاولتُ معرفة نظرة البلجيكيين إلى الملك العظيم شارلكان الذي ولد في بلدهم، ومعرفة وصف كارل الخامس في الكتب الألمانية، وتقييم الإسبان لكلاوس الأول؟ ولماذا يمتدح كارل كثيراً في المصادر، وتنعقد الأقلام عند الكتابة عن السلطان سليمان؟

 

حقائق غائبة

 

بدأ طلحة أُغورلوإِلْ في هذا الكتاب الذي قدم ترجمته عبدالقادر عبداللي في الحديث عن السلطان سليم الجبار والد السلطان سليمان ووالدته السلطانة عائشة حفصة، ومن خلاله جعل القارئ يفهم اكثر ما أثّر بالسلطان سليمان في طفولته، وكيف نشأ؟ وبرتوكول ذهاب الأمير مع والدته الى السنجق، ومن ثم أوضح الوجه الحقيقي للحرم. ولحظة ولادة السلطان سليمان الأثنين 27 ابريل 1495 وكيف اهتدى السلطان سليم لتسميته بهذا الاسم بعد أن كان يقرأ القرآن الكريم اثناء ولادة ابنه وتحديداً صورة النمل والتي جاء فيها : ” إنه من سليمانَ وإنه بسم الله الرحمن الرحيم”.

 

صيغة هذا الكتاب المليء بالأحداث التاريخية جاء بطريقة قربته من السرد الروائي، والرسومات التي عزز بها المؤلف هذا الكتاب أضافت لمحات ساعدت على تصور وتخيّل أحداث ذاك الزمان.

 

عرج الكتاب على ذكر أخ السلطان بالرضاعة العالم يحيى أفندي الذي اعتنق التصوف منذ صغره. وايضاً من أسماهم ” أقطاب العصر الآخرون” مثل : خير الدين أوحد أوغلو، علي جمالي زنبيللي، ابن كمال، سعدالله سعدي أفندي، محي الدين أفندي تشفي زادة، عبدالقادر أفندي، أبو السعود أفندي، والحملات التي قادها السلطان ” سليم الجبار” وبعدها وفاته والتغيرات التي طرأت على السلطنة العثمانية من بعده بدءاً من التمردات الخارجية وصولاً إلى تمردات داخلية لأشخاص ذو نفوذ في الدولة. لينتقل بنا الكاتب إلى مرحلة الفتوحات والانتصارات التي حققها السلطان سليمان والتي ساهمت في تعزيز اسمه كواحد من أقوى السلاطين الذين حكموا الدولة العثمانية. هذا ولم يغفل الكتاب الحديث عن إبراهيم باشا الشخصية التي ارتبط اسمها بالسلطان والذي كان أذكى صدر أعظم جاء إلى الإدارة العثمانية وأكثرهم حنكة سياسية. وقد حاز تقدير الجميع منذ صغره فهو الذي يتكلم بعده لغات تجاوزت الستة ويبرع في عزفه على آله الكمان، بالإضافة إلى دهائه السياسي ومعلوماته المخابراتية الواسعة ومعرفته بالتاريخ.
يحكي لنا الكتاب تفاصيل ربما قٌدمت بطريقة مغايرة، يفاجئك بشخصيات الصقت بها صفات لا تمت لها بصلة. ومن أهمها السلطانة “حٌرم” زوجة السلطان وأم أولاده الخمسة. وزواجها بالسلطان الذي تم بناءاً على رضا السلطانة الأم بعكس ما تردد في بعض المصادر والمراجع التاريخية. ورسائل الحب التي أرسلتها لزوجها وهو في حملاته . ومنها :


 

” يا شبيه يوسف وحلو العينين، أيها اللطيف سلطان دلالي، ليكن وجهي ممسحة على باب الله مقابل أن أحظى برؤية وجهكم المبارك بأقصى سرعة! يا إلهي، لو كانت البحار حبراً، والأشجار أقلاماً فهل تكفي لوصف هذا الفراق؟ يا سلطاني و نور عيني! ليس ثمة ليل لا يحترق فيه العالم بنار تنهداتي. ليس ثمة سحر لا يبكي برغبة رؤية وجهك الوردي، ولا يتمزق فيه العالم بتوسلاتي. “

 

وفي ختام هذا الكتاب يؤكد “طلحة أُغورلوإِلْ أن الحُرم ليس مكاناً للمتعة كما يٌشاع. وأن نظام الدولة العثمانية لا يعتمد على رغبات الأشخاص بل على تضحياتهم. وأن الدولة والمجتمع والإنسان هي من أهم الركائز. يقول : ” وصلتنا بعض الأمور من زاوية البعض العمياء. اولئك أعداء وجهلة في آن واحد. كانوا بعيدين إلى أقصى الحدود عن شرح إنساننا ومدينتنا وعقيدتنا وثقافتنا وآدابنا. هاجمونا وكتبوا عنا، ورسموا بجهل وسوء نية على مدى سنوات. صوروا لنا لوحات خيالية عن المساوئ التي في عقولهم وليس عن العثمانيين. ومنعوا عنا أرشيفنا الذي يلعب دور الجسر بين ماضينا وحاضرنا، وغطوا على الكتابات والرموز التي تذكرنا فيه، وغربونا عن العثمانيين إلى درجة عدم قراءة أي سطر عنهم، وصرنا نستعين بالمصادر الأجنبية المليئة بالجهل. “

شارك هذا الخبر