الملفاتالشيخ خلفان العيسري: رحيل في قمّة العطاء
كتب عبدالرزّاق الربيعي في مايو 2015 عن رحيل الشيخ خلفان بن محمد العيسري، مستعرضًا عمله في النفط واهتمامه بالتدريب واللغات وخدمة المجتمع، وما بثّه من أمل خلال مرضه.
عبدالرزّاق الربيعي
رغم إننا تابعنا رحلة صراع المهندس، والمدرب، والداعية خلفان بن محمد بن خلفان العيسري الذي رحل إلى جوار ربّه أمس، أولا بأوّل من خلال الأخبار التي ينقلها محبّوه ،والتغريدات التي ظلّ ينشرها بحسابه بـ”تويتر” إلى وقت قريب ،إلّا أن خبر رحيله شكّل صدمة لكلّ من عرف العيسري خريج الهندسة الميكانيكية المولود في بوروندي عام ١٩٦٢ إذ عاش طفولته هناك، وتعلم القران الكريم، ودرس في مدارس اجنبية حتى رجوعه إلى عمان في عام ١٩٧٣م والتحاهق بالمدارس النظامية ، وعمله في مجال النفط حوالى 20 سنة، وخلال ذلك تقلد عدة مناصب ،من بينها عضو مجلس الدولة ،ونائب رئيس لجنة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في غرفة التجارة ،وعضو مجلس الادارة في عدة مؤسسات تعليمية وخدمية ،وعضو هيئة الرقابة الشرعية في بنك عمان الوطني ،وعضو جمعيات خيرية، ولم يتوقّف نهمه المعرفي عند حدود تخصّصه ،فدرس مختلف العلوم التي تتّصل بثقافة المجتمع، والمؤسسات ،وعلم النفس وتعلم البرمجة اللغوية العصبية،والقى محاضرات في هذا الجانب وإدارة الذات والقيادة الفعالة، ،وتعلّم العديد من اللغات حتى أتقن 6 لغات والمّ بـ 27لغة ، من خلال تجواله بين دول عديدة ،وتوسّعت اهتماماته في مجال خدمة المجتمع، وبدأ نجمه يسطع خارج الحدود ليصبح بفضل اتقانه تلك اللغات اسما لامعا في عالم التدريب ، كان من الممكن أن يتبوّأ مكانة دوليّة مرموقة بين المدرّبين المعروفين على مستوى دولي ، لكنّ المرض لم يمهله طويلا، إذ داهمه ،وهو في عزّ عطائه ، ورغم شراسة مرضه إلّا إنّه ظل يواصل أنشطته ، ويبثّ روح الأمل في نفوس الشباب ، وكانت التغريدات التي كتبها ،وهو على فراش المرض ، عاكسا الدروس التي تعلّمها منه ، خير دليل على قوّته الروحيّة ، واعتره فرصة لمراجعة الذات ،ومحاسبة النفس ، فالمرض بالنسبة له “امتحان لعضوية نادي الصابرين المؤمنين المحتسبين وبشر الصابرين” كما كتب في إحدى تغريداته ،وفي تغريدة أخرى يقول ” علمني المرض بأن أحسن رفيق يصاحبني في المرض ويواسيني في ساعات الوحدة والألم هو ذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب وأجمل نداء يا الله ” ،و” علمني المرض قد يصاب المريض بكآبة وقد يقنط ولكن تهون إذا علم بأن غيره ابتلي بأكبر مما هو فيه وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه وكل شيء بقدر”
وقد احتل مكانة في قلوب محبّيه ، وتجلّت هذه المكانة من خلال متابعة محبّيه له ،فرأى وقد في تغريدة له، “مكانتي في قلوب الناس ظهرت جليا خلال محنتي الكل غمرني بدعوة صادقة ومتابعة مستمرة ولا أملك لكم غير الدعاء بدوام العافية”
ورغم كلّ المنجز الذي قدّمه للناس ، في عمره الذي لم يتجاوز الخمسة عقود ،بكلّ تواضع يكتب “كأني لم أقدم رصيدا يذكر فيما مضى من عمري وأملي أن أضاعف جهدي في خدمة المجتمع والوطن”
لقد ظلّ متشبّثا بالحياة ، متحدّيا المرض ، حتى آخر رمق ، وما ولادة حفيد له بعد ساعات من رحيله إلا له دلالة على انبثاق الحياة من الموت ضمن دورة متتالية ، كما قال تعالى ” يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ وَكَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ ” فالرجل الذي خدم المجتمع ، وعمل لتكون حياتنا أجمل من خلال محاضراته، وكتاباته ، فكان بمثابة سفير للثقافة العربية، والإسلامية، والعمانية على وجه الخصوص، وقد هبه الله هذا الحفيد ضمن دلالة تؤكّد إن الأمم الكبرى والحضارات الراسخة “ولّادة” لا تتوقّف عن امدادنا بالنابغين أمثال الشيخ خلفان العيسري .