الملفاتفيلم “إيدا” ..الصورة تقول كل شيء
حلل محمد جبار فيلم «إيدا» الفائز بأوسكار أفضل فيلم أجنبي، مركزًا على الضوء والظل وثبات الكاميرا وتقليل الحوار في التعبير عن صراع الشخصيات.
محمد جبار
في الحفل السابع والثمانين ، خطف الفيلم البولندي “إيدا” جائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي رغم أن مخرجه وضع نفسه في زاوية ضيقة في تنفيذه للفيلم متخلياً عن التقنيات الحديثة في السينما ، والأساليب ،واللمسات الإخراجية التي أستحدثها صُنّاع السينما خلال عمرها منذ بدايتها في القرن الثامن عشر وحتى الآن ، كاللون ،حركة الكاميرا، المؤثرات الخاصة ، وغيرها ، فهل كان السبب في ذلك هو جرأة المخرج في معالجته لموضوع متجدد بأسلوب وأدوات كلاسيكية صارمة ؟ أم لأن الصورة “الثرثارة” بهرت أعضاء أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة الستة آلاف الذين يختارون فيلمهم المفضل بشكل منفصل وبإقتراع سري للغاية ؟.
التأثير والتأثر
تقع أحدث الفيلم في عام 1962 أي بعد 15 عاماً من الحرب العالمية الثانية ، تلك الحرب الدامية التي راح ضحيتها مايقارب 85 مليون إنسان ،فالفيلم يدين الحرب وما القته من ظلال كالتطرف والتطهير الطائفي والعرقي وفناء ألآخر لكن بشكل غير مباشر ، فتكتشف “آنّا” الراهبة التي تربت في الدير أنها يهودية ، وان إسمها الحقيقي هو “ايدا ” وتم تصفية عائلتها ، وإستلاب ممتلكاتها بسبب إنتمائها الديني ، تعرف هذا بعد أن تزور خالتها “واندا” ( أدت دورها ببراعة الممثلة “اجاثا كوليشا”) التي تعيش حالة ضياع وإنغماس في الملذات والمجون لتقرران البحث عن رفاة أبوي الشابة وإبن “واندا” الصغير الذي تم تصفيته ودفنه معهما لأنه كان “مختوناً” بينما نجت “ايدا” لأنها فتاة صغيرة ولايمكن الإستنتاج أنها يهودية ، تربت “ايدا” في الدير وترهبنت وعاشت حياة مستقرة حتى ظهور الخالة التي تحاول أن تؤثر بها لتعيش حياتها كما إعتادت هي وتترك الرهبنة ، بينما تصر الفتاة على البقاء على وضعها السابق “فهي تُصرّ على إرتداء غطاء رأسها حتى عندما تنام ” رغم أن واليديها قُتِلا بسبب الدين ، وتبقى على مسيحيتها مع أن من قتلهما من الطائفة المسيحية ، وهذا بالتأكيد يسبب ضغوطات نفسية عليها ، لكنها رغم كل هذا تبقى متمسكة بما تربت عليه ، فتمارس الطقوس المسيحية، بينما تبتعد خالتها “واندا” عن الدين الى درجة الإلحاد بسبب ماحصل من جرائم تحت غطاء الدين ، فقد أدى التطرف الديني الى قتل طفلها “الذي تحضن جمجمته وتلفها بالشال في أحد المشاهد المؤثرة ” ، ويستمر هذا الصراع بين قناعاتهما لتشعر الخالة التي تعمل قاضية بلا جدوى حياتها فتقرر إنهاءها بالانتحار فهي تعاقب نفسها على كل ما اقترفته من تصرفات خاطئة “في آخر حكم لها ” فلقاؤها بإبنة اختها أدى الى نشوب صراع داخلي حسمته بالإنتحار، بينما تتحول “إيدا” الى حياة المجون التي كانت تعيشها خالتها فتقلدها في طريق شربها للكحول وتدخينها وإرتدائها لملابسها التي تظهر جزء من جسمها ، وحتى في ممارستها الجنس مع عازف تتعرف عليه في الطريق ، لكنها بعد صراع بين ماتربت عليه ، وبين إطلاق العنان للغرائز الكامنة التي إستفاقت بسبب ظهور الخالة ، والتغييرات التي طرأت على حياتها تقرر في النهاية العودة الى حياة الرهبنة التي حققت لها الإستقرار الروحي والطمأنينة .
صورة شاعرية
إعتمد المخرج البولندي ، والذي ساهم أيضا في كتابة سيناريو الفيلم “باوفيل بافليكوفسكي” على الصورة ودلالاتها والإشارات داخل الكادر بشكل أساسي فقلل من الحوار الى أقصى درجة ممكنة ، وترك للمُشاهد وقتاً كافياً لقراءة الصورة ، فوظف الضوء والظل بشكل كبير في التعبير عن مكنونات أبطاله وصراعاتهم الداخلية ، فيما عبّر هو عن إنطباعاته وآرائه من خلال زوايا التصوير والكتل البشرية في داخل الكادر ، وحسب حالتها ، فالشخصية الغير مستقرة شغلت حافات الصورة ، وعوّض بالكتل الضوئية في الجهة المقابلة لموازنة التكوين في الصورة بينما توسطت الشخصيات المستقرة مركز الشاشة حسب حالتها التي كانت تتغير مع تطور الأحداث ، كما حاول التمرد على الصورة النمطية فظهرت شخصياته في حافة أسفل الكادر بينما هيمن السقف على تلك اللقطات لرفد الصورة بفكرة هيمنة القدرات العليا “الخالق” على المكان والشخصيات ، وهذه من الرموز والتعبيرات المستخدمة في السينما الكلاسيكية ، و يبدو أن المخرج حاول التذكير بها بالعودة الى الاصول ، كما وظف الأشكال لإظهار خلجات الأبطال كالسلم اللولبي ، والممرات الضيقة المظلمة ، فيما لم يستخدم الموسيقى التصويرية سوى في المشهد الأخير الذي تغلّب فيه إيمان “ايدا”على غرائزها ونزواتها ، وهذا المشهد ومشهد قبله ومشهد كان في الجزء الأول من الفيلم (عندما تخرج إيدا من الدير لتشاهد الشوارع ) هذه المشاهد الثلاث فقط تحركت فيها الكاميرا بينما كانت ثابتة في كل المشاهد الباقية من الفيلم ، وكان الممثلون هم الذين يتحركون فيه ، فكانوا يدخلون ويخرجون من كادر الصورة ، ربما إختار المخرج هذا الأمر ليذكرنا ببدايات السينما وبأنه قادر على صناعة فيلم مؤثر رغم أنه مفعم بالماضي حيث لا الوان ولا بهرجة ولاحركة كاميرا رشيقة ، ولا حتى موسيقى تصويرية ،فالموسيقى كانت من داخل المشهد وليس من خارجه،وفعلاً أدخلنا الفيلم في تلك الفترة الزمنية وذكرنا بأيقونات السينما الخالدة مثل فيلم المواطن كين للمخرج “أورسن ويلز” الذي يُعدّ الآن مرجعاً لدارسي السينما، كما برع مديري التصوير”ريزارد لينكزوسكي ” و”لوكاس زال” اللذين إستعان بهما المخرج في تكثيف الصورة وتوظيف الضوء بدلالات رمزية عالية ففي احد المشاهد ، والذي تودع فيه الخالة “واندا ” للشابة” ايدا” حيث تقف السيارة التي كانت تقلهما في مفترق طرق ، وتترجلان منها لتقف الخالة في حافة يمين الشاشة خارج حدود الطريق المؤدي الى الدير، ويظهر في عمق الشاشة من جهة اليمين التي تشغلها الخالة (فوقها تماماً) أشجار قليلة يابسة تساقطت أوراقها بينما تملأ “ايدا” مركز الشاشة ، وهي تقف على الطريق المؤدي الى الدير ، وفي عمق الشاشة (فوقها ) أشجار مورقة كثيرة فيما يهيمن الدير على عمق أعلى الشاشة ، هذا المشهد المدروس بدقة متناهية أعطى فكرة تامة عن وضع الشخصيتين النفسي ، وموقفهما من الدين الذي يمثله الدير، وقد سُقت هذا المشهد كنموذج من كم كبير من المشاهد المعبرة في الفيلم فالصورة كانت تتكلم (فالمصور شاعر أيضا لكن أدواته تختلف عن الشاعرالذي يستخدم اللغة) فكل كادر وكل لقطة ومشهد في الفيلم يحتاج الى تحليل ، أضاف الى جماليتها التصوير بالأسود والأبيض فهناك سحر خاص للتصوير بهذه الطريقة ففيه عذرية للصورة ، وعودة الى منابعها الأصلية التي بدأت بالأسود والأبيض .
وقبل أن يفوز بجائزة الأوسكار فاز الفيلم أيضاً بخمس جوائز في مهرجان السينما الاوربية الذي اختارته أكاديمية الفيلم اﻷوروبي، في حفل توزيع جوائزها عام 2014 وهي جائزة أفضل فيلم، أفضل مخرج ، أفضل سيناريو وأفضل تصوير فضلاً عن جائزة اختيار الجمهور ، وبهذه المناسبة قال مخرج الفيلم “أنا سعيد، خمس جوائز، شيء عظيم لم أكن أتوقعُه، كان فيلما شجاعا وصعبا إلى حد ما وباللونين الأبيض والأسود وبكاميرات ثابتة لا تتحرك، وبممثلين غير معروفين خارج بولندا ، شيء عظيم أن يحقق الفيلم هذا الإنجاز” ،ومن كلماته تلك نستطيع أن نستنتج إنه إختار أن يدخل تحدياً صعباً بصناعته لهذا الفيلم على هذا النحو بحيث تصل الى حدّ المجازفة ، ونجح في ذلك بتتويجه بجائزة الأوسكار فيما بعد ،وهي تُعدّ الجائزة الأهم على الإطلاق.