الاتفاق النووي وفن العزلة ..بين أمتين

ناقش عبدالحميد بن حميد الجامعي في 15 يوليو 2015 الاتفاق النووي بوصفه لحظة تاريخية لإيران، وقارن بين عزلتها وأزمات الأمة العربية، داعيًا إلى الحوار والحذر الموضوعي.

الاتفاق النووي وفن العزلة ..بين أمتين
Atheer - أثير

أثير – عبدالحميد بن حميد الجامعي

 

يا لها من مشاعر مضطربة تجتاح الفكر والصدر على السواء، أهي ساعة بكاء للأمة العربية ولقسم منها ام ساعة تهنئة ومباركة للأمة الاسلامية والعالم…

 

لا شك أننا في عمان نقدر خروج الجارة ايران من طوق الضيق الذي كانت تعيشه الى براح العالمية والحياة الطبيعية والسوية، وقد أثبتت ان الصلابة والتمسك بالمبادئ العادلة او الوجه الواحد، وعدم تمكن الاهوية في سياسة الامة هي البوصلة الحقيقية التي يمكن للصديق والعدو ان يراهن عليها في حواره معها، اما سياسة الأمزجة وتقلب الأدمغة والميولات السياسية المترجرجة فهي تثبت يوما بعد يوم عدم جدواها، وأن مؤداها بالأمم وجوارها الى الهلاك… بعيدا عن الآثار الموجبة التي قد تنتظر الامة الإيرانية من توقيع هذا الاتفاق، اقتصادية كانت من النفط أو السياحة أو الصناعة، أو عسكرية ، أو حتى اجتماعية وثقافية، الى الدرس الذي نأمل ان الامة العربية قد استفادته من هذا التوقيع؛…

 

لقد كان للاهوية والظنون سلطة فعلية في توجيه مواقف الدول العربية عموما وجامعتها العجوز او جامعة ” محلك سر” العربية في أهون توصيف لو شئنا تجاوز مواقفها السلبية التي سارعت من دمار الحضارة العربية ودولها عماما، وقد كان للبعبع الإيراني الذي اختلقوه دور رئيس في رسم مواقف سياسية وعسكرية حساسة، نعيش اثرها دماء وأشلاء ودورا مهدمة وتراثا محطما…

 

حينما كانت الامة العربية مشغولة للاسف بمعالجة بعبعها الإيراني وهلوستها جراء ذلك، بداية ببعث طائفة المصطلحات المريضة البائدة من قبورها لتتصدر قاموسها العصري الإعلامي والدبلوماسي، في صورة مبتذلة تحاول بها تجييش الرأي العام العربي -وقد نجحت للاسف الى حد كبير- لتمرير قراراتها المفرطة في الأمتين العربية والإسلامية، فدمرت كل مقوماتها العلمية والثقافية والسياحية والاجتماعية والجغرافية والتراثية، حتى باتت حواضرها من فلسطين فالعراق فلبنان فسوريا فاليمن فمصر فليبيا فتونس أثرا -من حيث الحضارة والسياحة-بعد عين، وغاب عنها كل مقوم أمني وسياحي واقتصادي وتراثي تحت نير قرارات الامة العربية الهوائية ونيرانها الطائشة، حينما كانت الامة العربية تعيش ضمن ذاك الوهم، بدعوى جاهلة متخلفة على موجتين؛ طائفية ( شيعة وسنة)، وعرقية ( فرس وعرب)، فخربت ودمرت ديارها وأرضها وعاثت فسادا بأمنها، كانت الامة الفارسية ممثلة في ايران تعمل جاهدة على اخراج نفسها من العزلة المضروبة عليها من قبل دول الهيمنة العالمية، رغم صرخات الطفلة الشرعية المدللة لأمريكا في فلسطين المحتلة ( اسرائيل) المعارضة، ورغم الاهوية العربية المؤيدة لكل عزلة (للعدو) الإيراني المزعوم والمختلق من الظنون اكثر منه من الواقع المعاش، بل إن الواقع يكذب تلكم الهلوسات، فالاعتداء بين الأمتين في القرنين الأخيرين كان من أمة العرب ودولها على ايران، في كل المواقف والحروب…رغم ذلك كله استطاعت الامة الإيرانية بصبر جبار وسياسة وحنكة عالية ودهاء منقطع ان تكسر القيد عن أمتها، وبعملية حوار حقيقية شاقة ستدرس يوما ما في الجامعات وكليات السياسة، كيف استطاعت هذه العملية ان تحل ملفا شائكا في منطقة ساخنة ( احتلال -مقاومة-حروب -دمار-اصطفاف – تحزب- طائفية) من خلال الحوار بين أطراف لا جامع لها بل عداء محض، في صورة انتصار للإنسانية والعقل على الحرب والدمار، رغم المعارضات ورغم التحديات التي قد تواجه هذا الاتفاق مستقبلا من قبل برلمانات تلك الدول، ومجالس شيوخها، وتصويت شعوبها، والذين يخضعون كثيرا للإعلام الخاضع بدوره في كثير منه للوبي الصهيوني العالمي وحلفاءه…،

 

مباركتي لإيران واصدقاءها على هذا الاتفاق الكبير في لحظة تاريخية خلت الساحة فيها من الامة العربية وحواضرها الغارقة في ظلام الحروب والدمار، وقد فتح لها الحظ ذراعيه، فجميع المقومات تقول لإيران “اهلًا وسهلا”، كانت سياحية او تجارية او صناعية او ثقافية او حتى اجتماعية، فقد غاب المنافس من العرب في جميع ذلك، في مفارقة وثنائية عجيبة، حضارة تخرج شعبها ودولتها من عزلة خانقة بعد كفاح مرير، وحضارة تدخل شعبها وأمتها في عزلة حقيقية عبر الحروب والكيد ببعضها وتدمير مقوماتها بدعوات جاهلية مريضة، وفرقٌ -فوق ذلك- بين العزلتين، فالأولى مختلقة من الخارج، والثانية مفتعلة من الداخل برائحة الدماء والأشلاء والعبث في التراث والحضارة، وهي ما تحتاج لأضعاف الجهد والوقت، ما قد تتعدى الجيل والجيلين لفك كربتها وكسر قيدها عن الاولى…فالسعادة اذن والهناء للأولى من الأمتين، والبؤس والشقاء للأخيرة منهما، مع وجوب العمل على الحذر من الجانب الإيراني لا شك بالنظر الى التاريخ والى بعض الخصوصيات العقدية او المبادئ المؤثرة، ولكنه حذر مبرر قائم على وسائل موضوعية علمية، وليس أهوية وأقبية فكرية معزولة ومعقدة، يبدأ بالحوار ثم الحوار ثم حسن الجوار وليس بالسلاح والعسكر والحرب بالوكالة المبني على ظنون في اغلبه، وتخوفات جاهلة، رغم وجوب ذلكم الحذر فإنا نؤكد أنه لا عزاء للأمة العربية -التي خربت بيتها بيدها- ان لم يكن لها في هذا الاتفاق عبرة ودرس يوجب عليها وقف جنونها، وطرد ظنونها، ولملمة جراحها، وحفظ ما بقي من مقوماتها الحضارية، وما بقي من ماء وجهها، امام الامم الاخرى، وأمام العالم، …

 

١٥ يوليو ٢٠١٥

شارك هذا الخبر