طرابيشي أو لا طرابيشي … هكذا!

في مقال نُشر عام 2015، اتخذ منهل الرئيسي من زيارة جورج طرابيشي إلى السلطنة مثالًا لنقد انقسام التلقي الثقافي، والدعوة إلى تقييم المنجز بدل الميول الفكرية.

طرابيشي أو لا طرابيشي … هكذا!
Atheer - أثير

منهل الرئيسي

 

لم تكن زيارة “جورج طرابيشي” للسلطنة التي قام بها بدعوة من “السبلة ” قبل أربعة أعوام عادية. وبالأحرى كانت زيارة استثنائية ومختلفة. واستثنائيتها لا تخرج ُعن وضوح تلك المقالات التي آزرت ْ”طرابيشي” بدفاعية استثنائية لا تقلُّ عن تلك الهجومية الاستثنائية في صميم المقالات المُضادَّة.

 

بمختصر الكلام، كان يرجع ُوجه التفاعل ِمع “طرابيشي” إلى وضعيَّتين ِمختلفتين تمام الاختلاف: إمَّا أن تصبح طرابيشيًّا، أو لا طرابيشيَّا، ما بلوَرَ الوضع إلى انعكاسه ِبهذه الصورة التَّفاعُليَّة: إمَّا أن تصبح إسلاميًّا أصوليًّا، وإمَّا أن تصبح حداثويًّا. فالمُدافع ُعن طرابيشي، والمُضاد “لطرابيشي” سيَّان من وجهة ِالتَّعصُّب ِالواضحة في سياق ِالرد والأخذ، رغم اختلاف ِوجهة النظر النقدية لجماعة طرابيشي عن تلك المُدافعة عن التراثيات الإسلامية.

 

المقال لا يتَّجه منحناه لترجيح كفَّة ٍعن أخرى، أو موقف ٍعن آخر. المقال كلَّه ُيتمحور ُحول مشكلة تظهر خطوطها الواضحة كما تتجلَّى من صُلب ِقضية ربَّما لم تسترع ِاهتمام مثقفيّ البلد بما تستحقُّ له من الاستيضاح الوافي. فالمشكلة ليست في تلك القضايا الخلافية التي أثارها “طرابيشي” في أعماله النقدية حول التراثيات الإسلامية بقدر ِما هي – وهذا هو صُلب الإشكالية – في طبيعة ِتلقي المثقف البلد للمعطى الفكري، ووضع هذا المعطى المنجز النقدي “لطرابيشي” عبر تقسيم تعاطيه إلى خانتين ِأو جماعتين ِكيفما يُفضِّل القارئ تسميتها: جماعة ترفع قبعة التجبيل لطرابيشي، وأخرى ترفع إصبع السَّخط ِوالشَّجب.

 

لا يعني ذلك، أنَّ كاتب المقال يستهجن ُصيرورة هذه القسمة الثنائية، والتي قد يراها البعض أنَّها تفضي إلى حوار خلاق بين وجهتيّ نظر مختلفتين. لكن، ما يظهر على السطح، ليست الجدلية الحوارية الخلاقة بين طيفين ِأو جماعتين؛ بل الواضح على السطح – وهذا هو الوجه المأساوي – قوقعتان من التَّعصُّب الأسود ِالقاتم بين قوقعة ٍمُبجِّلة تصل إلى تكريس “طرابيشي” قديساً، وقوقعة مجحفة تعكس ُحجم الانغلاقية الشَّديدة، ممَّا يُلغي ذلك أيَّة محاولة ٍلتجسير تلك الهوة الخلافية بين الآراء المختلفة في جو من الانفتاح الرَّحب.

 

وربَّما يكون مناسباً الآن – بعد الاستطراد السَّابق – أن أفتح سعة التأمل حول ما يُمكن التعبير عنه بكلمة “الخروج”، أو بمعنى أوضح دون إجهاد القرَّاء، سأقول: لابد – حتَّى يرى متابعو المطارحات الثقافية معنى جدواها – من تكسير ِتلك المواقف الانحيازية التي تنظر إلى “الميول الفكرية” دون “الأعمال المنجزة”؛ أي ضرورة “الخروج” من قوقعة: “فلان ذو توجُّه كذا، لا تُحبَّذ ُفكرة القراءة له”، وضرورةُ الحاجة كذلك إلى “الخروج” من القوقعة الأخرى المُضادة: “فلان ذو توجُّه مختلف عن السَّائد، فريد، ينبغي تدعيم فكرة القراءة له”.

 

ولم يكن مثال “جورج طرابيشي” إلا إشارة توضيحية، أتمنَّاها تنبيهية، إلى المثقف، عمانيًّا كان أو غيره، لخطورة ِحَمْلِ “المنجزات المقروءة أو غيرها” كبطائن ِلميول ٍتحزُّبيَّة. هكذا، فهي دعوة لتكسير، وتحطيم، وتفتيت لأيَّة محاولات لبَلْوَرَة ِالمقروء أيديولوجيًّا، فهي دعوة خالصة جدًّا.

شارك هذا الخبر