دور وسائل الإعلام في إنجاح انتخابات الشورى

عرض ناصر أبو عون في 2015 تصورًا لدور الإعلام في انتخابات مجلس الشورى، قائمًا على سياسة تحريرية واضحة وقواعد مهنية وتقارير احترافية، ثم تحليل النتائج بأدوات البحث العلمي.

دور وسائل الإعلام في إنجاح انتخابات الشورى
Atheer - أثير

ناصر أبو عون
باحث بمركز الدراسات والبحوث
Nasser_oon@yahoo.com


 

لا شك أنّ التجارب الانتخابية، والخطط الاقتصادية، والمفاوضات السياسية، والعلاقات الدولية تتأثر بالوسائط الناقلة للحدث، ومن ثَمَّ يعتبر غالبية الاختصاصيين الإعلاميين أن (وسائل الإعلام، وتكنولوجيا الاتصال) تشكل (قاطرة التنمية السياسية، والاقتصادية) إذا ما تمَّ توظيفها على نحو قانوني صحيح، وربط هذا التوظيف بمقدّرات المجتمع، وتراثه، وتقاليده. أمّا إذا تُركت هذه (الآلة الجبارة) تعمل دون (قواعد مهنية)، و(أصول قانونية)، و(فلسفة مجتمعية)، و(رؤية سياسية) فسوف تنحرف بالبوصلة، ويصل بها الأمر في النهاية إلى الانقلاب على سلطة المجتمع، وتتحول من (وسيلة تنموية)، و(داعم لحركة التقدم)، و(مساند لحركة التحوّل الديمقراطي) إلى (آلة حربية)، تأكل الأخضر، واليابس. هذا إذا ما كانت تعمل في (بيئة فوضوية) خارج سلطة القانون.

 

ولأن سلطنة عمان (دولة مؤسسات) تأسست على (أصول قانونية)، يتعايش بها مجتمع (مواطنون، ومقيمون) يؤمن بـ(سلطة القانون)، وشعب انطلق في بناء دولته من (التقاليد الاجتماعية المتوارثة)، وتضفيرها في (قواعد بناء الدولة الحديثة) كان من الضرورة بمكان أن تلعب (وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والإلكترونية) دورا إيجابيا في المضي قدمًا على تطوير (التجربة الشورية) انطلاقًا من القواعد التي أرسى دعائمها السلطان قابوس المفدّى والذي أكد في أكثر من موضع من خطابه السامي على التمسك بتطبيق الهدف الأسمى من إنشاء الأجهزة الإعلامية [في الداخل والخارج لابد من كلمة صادقة، من خبر صحيح، من صورة مشرفة تنقل ما يدور على أرض عُماننا الحبيبة وتعكس الأعمال الجسام والآمال الكبار لشعبنا. هذه الكلمة الصادقة وذلك الخبر الصحيح يدخلان إلى بيتنا وبيوت غيرنا بدون إثارة ولا تهويل، بدون ضجة ولا إزعاج نحن نريد أن نعرف أنفسنا ويعرفنا العالم، كما نحن تماما، ويهمنا كثيرا أن يعرف المواطن العماني بالذات ملامح مسيرته الظافرة التي حققها بعزمه إرادته، وتعاونه مع حكومته، فهو أولا وأخيرا جهاز إعلامي حي تؤيده الإنجازات العظيمة التي يراها بأم عينيه على ساحة وطنه الغالي.] [خطاب صاحب الجلالة إلى الشعب عبر تليفزيون سلطنة عمان 26/11/1975، ص89]

 

وانطلاقا من هذه الرؤية يستوجب قيام الوسائل الإعلامية بوضع (خطة استراتيجية مكتوبة) قابلة للتنفيذ في (تغطية انتخابات مجلس الشورى 2015) بهدف تقديم خدمة صحفية احترافية تساهم في (تنمية الوعي المجتمعي)، وتدعم التجربة الشورية في سبيل إرساء وتعميق وتجذير التجربة في وجدان (المواطنين)، وبشهادة (المتابعين)، و(المراقبين) للتجربة من الخارج. وهذا يستلزم رؤية إعلامية مؤسسية على صعيد القطاعات التالية:

أولا – إقرار سياسة تحريرية واضحة في تغطية الانتخابات

 

ومن أهم الخطوط العريضة التي يتوجب على الإعلاميين المشاركين في تغطية الانتخابات التعرّف عليها والاتكاء عليها كقواعد عامة في إنجاز التغطية وفق قواعد احترافية:

 

1 – تغطية جميع فعاليات، وأحداث الانتخابات بشكل دقيق وصحيح وشامل بما يعطيها معناها الحقيقي.
2 – طرح كافة الآراء دون الاقتصار على طرح الأفكار والآراء التي يراها القائمون على وسائل الاتصال.
3 – أن تكون وسائل الإعلام وسيطا رئيسًا في التوعية الانتخابية وفاعلا بين الحكومة والمواطنين، والمرشحين
4 – تنمية وعي المواطنين، وإدراكهم السياسي وحثهم على المشاركة في انتخابات الشورى والارتقاء بمجتمعهم.
5 – طرح قضايا تساهم في دعم قضايا التنمية الشاملة، والتأكيد على الهوية الثقافية للسلطنة وحماية القيم العمانية.
6 – مناقشة موضوعات تدعم الشعور بالانتماء الوطني وتربط بين الماضي والحاضر، وتحافظ على الأصالة.
7 – معالجة موضوعات صحفية تستهدف التعبير عن حاجات المواطنين وآمالهم، والإسهام في دعم السلام والتفاهم الدولي وتعزيز حقوق الإنسان.
8 – الالتزام في تغطية الانتخابات بمعايير السلوك المهني ومواثيق أخلاقيات المهنة الصحفية.
 ثانيا – إقرار قواعد مهنية واقعية في تغطية الانتخابات
هناك العديد من قواعد المهنة الإعلامية يتوجب على القائمين بالتغطية الصحفية لأحداث ووقائع الانتخابات التسلح بها وتطبيق بنودها أثناء قيامه بعملية التغطية الإخبارية ومن أهمها:





 

1- أن يتجنّب الصحفي الاعتماد على التغطية الإخبارية المتحيزة سواء أكانت مباشرة أم تفسيرية.

2- توجيه الاهتمام للتركيز على جميع الأِشكال الإخبارية وإعطاء مساحة أكبر للتقارير، والصور، والقصص الإخبارية.

3-  الموازنة بين الموضوعات الإخبارية حتى لا يطغى السياسي على الموضوعات الأخرى وتعطى مساحة أكبر للموضوعات التنويرية الاجتماعية والثقافية.

4- زيادة الاعتماد على وكالة (الأنباء العمانية)، والمصادر العمانية الرسمية في تغطية الحدث الانتخابي.

5- رفض نشر مواد إخبارية (مجهولة المصدر) سواء أكان مصدراً للصحيفة أم مصدراً للصحفي.

6- منح اهتمام أكبر للتغطية الإخبارية التمهيدية، والمتابعة أسوة بالتغطية الإخبارية التقريرية.

7- زيادة المساحة المخصصة للتغطية الإخبارية التفسيرية المحايدة لما لها من أهمية وتقلل من الاعتماد على التغطية المباشرة.

8- تجاهل نشر الصور المعالجة، والتي لا تلامس أو الواقع أو تخالف القواعد الأخلاقية، والأعراف والقيم العمانية.

9- اعتماد أسلوب الصحافة المصورة ذات الخبر القصير جدا والجاد في الوقت نفسه والمقال الخفيف الذي لا يأخذ من القارئ وقتاً طويلا لجذب القراء وتركيز الاهتمام على القضايا التي تشكل أولوية للشباب وللأسرة المعاصرة.

10-  تنويع الموضوعات الصحفية بغية الوصول إلى جميع الشباب بشرائحه العمرية كافة ونخاطب الجميع بما نحمل من أفكار وقيم جديدة ونفتح أمامهم بابا لتلقي الخبر والمعلومة الصحيحة التي تخاطب العقول ولا تدغدغ المشاعر بل تنشط الذاكرة وتحثها على المقارنة واستخلاص العبر والنتائج.

11- تركيز الاهتمام بالمضمون الخفيف والاهتمام بخصوصية قضايا الشباب والمرأة والأسرة العُمانية والثقافة الاقتصادية والحياة الاجتماعية والمضامين السياسية الجادة، ورسائل التوعية.

12- منح الاهتمام الكافي للمضامين الأسرية بوجه عام والمرأة الريفية وقضاياها بوجه خاص ودورها في صناعة القرار على المستوى المحلي وما يمكن أن يكون لها من تأثير وتوجيه للفرد والمجتمع.

13- التركيز في المضامين الصحفية بما يعكس النظرة للمرأة وأدوارها كأنثى وزوجة مع عدم إهمال مشاركتها في المجال العام أو مشكلاته كامرأة عاملة، وكشريك في الإنتاج، أو في اتخاذ القرار السياسي، ومختلف جوانب الخلق والإبداع الفكري والفني، ومن ثَمَّ يعكس الرأي العام النسائي والأسري.

14- عند الاعتماد على الوكالات يرجى دمج الأخبار وإعادة صياغة المادة التحريرية الواردة من الوكالات لتجنب التشابه بين الصحف المحلية

15- تحقيق انسجام وتوافق بين القيم الإخبارية وبين الخطوط العريضة للسياسة التحريرية من مبادئ ومحددات وعدم تبني القيم السلبية والإثارة.

16- اعتماد المؤسسات الإعلامية السياسة التحريرية المعلنة والمكتوبة الصادرة عن وزارة الإعلام والمسؤولة عن رسم السياسة الإعلامية على مستوى الوطن والتركيز على هذه السياسة من مبادئ وأسس ومحددات أساسية.

 

ثالثا – إقرار مبادئ احترافية لكتابة تقارير تغطية الانتخابات

 

بعد قيام الإعلامي بتغطية الخبر يتوجب عليه قبل البدء في الكتابة الصحفية التمهيدية قبيل النشر التعرّف على تطبيقات الصحافة الاستقصائية، وطبقا لنصائح العديد من الاختصاصيين في هذا المجال ومنهم (مارك لي هانتر) وهو أحد خبراء الصحافة الاستقصائية في العالم فإنه على الصحفي الذي يرغب في كتابة (تحقيق صحفي او استطلاع او تقرير) عن الانتخابات أن يلتزم بالمبادئ الآتية:

(1) أن يبدأ تحقيقه الصحفي بفرضية، تمامًا كما يفعل الباحث عندما يبدأ بحثه العلمي، فيبدأ بتجميع معلومات مبدئية ثم يتأكد من صحتها، ومن ثم يبدأ في كتابة الفرضية فقط في ثلاثة أسطر مركزة ومحددة؛ ليبني على تلك الفرضية بحثه فيما بعد.

(2) أن يختر قضية حيوية ويقرر البحث فيها، ويعرفْ عمَّا تبحث، ويبدأ بتفنيد الفروض، ويضع حولها مجموعة من الأسئلة، محددا ماذا حدث؟ ومن تسبب فيما حدث؟، ثم يبدأ في الإجابة عن أبسط تلك الأسئلة وأسهلها وأسرعها، ويترك الأسئلة الصعبة للنهاية.

(3) عند جمع المعلومات يجب أن يتأكد الإعلامي أنه يجمع المعلومات التي تعضد فرضيته أو تنفيها، ليحدد موضوع تحقيقه بشكل أدق، فقد تصبح فكرة التحقيق نفي الفرضية وليس التدليل والتأكيد على صحتها.

(4) أن يختر الصحفي المصادر التي يسهل الوصول إليها وسؤالها أولاً، ويحضِّر نفسه قبل محادثة المصادر، و ألا يكون سؤاله: ماذا حدث؟ بل يجب أن يكون: هل هذا بالتحديد ما حدث؟ أي أنه يجب أن تكون لديك بالفعل بعض التفاصيل التي تود التحقق منها من المصادر، فلا تجعلهم مصدرك الأول لمعرفة ماذا حدث.)

(5) عندما يبدأ الصحفي في الكتابة بعد تجميع معلوماته عليه أن يحافظ على زخم القصة الإخبارية وحيويتها ليحتفظ بالقارئ للنهاية، ولا يجعله يتوه كثيرا في التفاصيل.

(6) الأداة المهمة التي ستساعد الصحفي في الخروج من مشكلات الكتابة، خاصة في التفاصيل هي القص، (تخلص من التفاصيل التي حاولت مرارًا تدقيقها ولم تفلح؛ فحذفها سيقوي من تحقيقك ولن يضعفه).

 

وأخيرا وبعد انتهاء الانتخابات وظهور النتائج يتوجب على الصحفيين والباحثين الإعلاميين التوجه نحو تفسير نتائج الانتخابات وإجراء دراسات تحليلية وتفسيرية تحلل (التغطية الصحفية) للانتخابات مستخدمةً آليات البحث العلمي والمنهج المقارن وبالتالي الانتقال الي التغطية التي تفسر الحدث” لكونها تجمع بين أهم ما تقدمه مدرسة الخبر وتضيف إليها بعضًا من أهم ما تقدمه (مدرسة الرأي) أو (مدرسة المقال) لا سيما جوانب الشرح، والتفسير، والتعليق، والتحليل ممثلة في قيام اتجاهات جديدة أفرزتها حاجة القراء.

 

شارك هذا الخبر