الملفاتالمعرفة والترجمة والعرب -2-
تتبع المقال جذور الترجمة العربية واتساعها في العصر العباسي، ثم عرض في 2015 أرقاما من تقارير ودراسات عن محدودية الكتب المترجمة عربيا مقارنة ببلدان أخرى.
محمد الحمزة – السعودية
الترجمة في التاريخ العربي..
عرف العرب الترجمة منذ أقدم عصورهم، وقد كان لها دوراً هاماً في تواصلهم بين الشعوب والأمم، وكان العرب يأخذون المصطلح ويقلبونه ويفككونه ويعيدون تركيبة بحيث لا يتنافى مع الذوق العربي أو يخالف قواعد اللغة، وقد أشار الدكتور عبد السلام كفافي في كتابه “في الأدب المقارن” إلى أن العرب كانوا يرتحلون للتجارة صيفا وشتاء ويتأثرون بجيرانهم في مختلف نواحي الحياة، فقد عرفوا بلاد الفرس، وانتقلت إليهم ألوان من ثقافتهم، وانتقلت بعض الألفاظ الفارسية إلى اللغة العربية، وظهرت في شعر كبار الشعراء، وكان الأعشى من أشهر من استخدموا في شعرهم كلمات فارسية، كذلك عرف البعض جيرانهم البيزنطيين، واحتك العرب منذ جاهليتهم بالشعوب الثلاثة المحيطة بهم، وهي الروم في الشمال والفرس في الشرق والأحباش في الجنوب، ومن الصعب قيام مثل هذه الصلات الأدبية والاقتصادية دون وجود ترجمة، وإن كانت في مراحلها البدائية.
وبلغت حركة الترجمة في التاريخ العربي مرحلة متطورة في عصر الخليفة هارون الرشيد وابنه المأمون، الذي يُروى أنه كان يمنح بعض المترجمين مثل (حنين بن إسحق) ما يساوي وزن كتبه إلى العربية ذهبا، ومن المعروف أن المأمون أسس دار الحكمة في بغداد بهدف تنشيط عمل الترجمة، ومن المعروف أن حنين بن إسحق ترجم وألف الكثير من الكتب وفي علوم متعددة، وتابع ابنه إسحق بن حنين بن إسحق هذا العمل، كان حنين بن اسحق يتقن اللغة العربية والسريانية وقد عاش فترة في اليونان بهدف دراسة اللغة اليونانية، وكان يُترجم الجملة بجملة تطابقها في اللغة العربية، ولا يترجم كل مفردة على حدة، ومن بين الكتب التي ترجمها كتاب “الأخلاق” وكتاب “الطبيعة” لأرسطو، وكان العرب في العصر العباسي يهتمون بدقة الترجمة ولهذا ظهرت عدة ترجمات لنص واحد، فعلى سبيل المثال ترجم أبو بشر (متى بن يونس) كتاب “الشعر” لأرسطو ثم ترجمه مرة ثانية يحيى بن عدي، فتكرار الترجمة يدل على الحرص على دقتها، وهناك مؤلفات كثيرة ترجمت عن اليونانية إلى العربية وضاع أصلها اليوناني فيما بعد، فأعيدت إلى اللغة اليونانية عن طريق اللغة العربية، أي أنها فيما لو لم تترجم إلى اللغة العربية لضاعت نهائيا. يقول خورخي لويس بورخيس: ربما ما يقوم به المترجم أكثر إتقانا وتحضرا مما يقوم به المؤلف؛ حيث يأتي المترجم في مرحلة متقدمة بعد عمل المؤلف، فالترجمة هي عملية حضارية أكثر تقدما.
الواقع الحالي للترجمة عند العرب..
اللغة العربية تحتل حاليّاً المرتبة السادسة من حيث عدد الناطقين بها على مستوى العالم بعد الصينية والإنجليزية والهندية والإسبانية والروسية، إلا أن الإحصاءات والدراسات تشير إلى تواضع حجم الترجمة في عالمنا العربي بالمقارنة مع البلدان الأخرى، حيث جاء في تقرير التنمية الانسانية العربية الصادر عن منظمة الامم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم –اليونيسكو– أن متوسط عدد الكتب المترجمة في العالم العربي هو 4.4 كتاب لكل مليون مواطن سنوياً، في حين يحظى كل مليون مواطن في المجر (هنجاريا) بنحو ٥۱۹ كتاباً سنوياً، كما يبلغ نصيب كل مليون أسباني في العام ۹۲۰ كتاباً، ومن جانب آخر أفاد التقرير بأن العرب الذين يتجاوز عددهم ۲۷۰ مليون نسمة لا يترجمون سنوياً سوى ٤۷٥ كتاباً وهو خُمس ما يترجم في اليونان، في حين تترجم اسبانيا التي لا يتجاوز تعداد سكانها ۳۸ مليون نسمة أكثر من ۱۰ آلاف عنوان سنوياً، وفي اليابان يترجم حوالي 30 مليون صفحة سنوياً، ويقال أنّ الحصيلة الكلية لما ترجم إلى العربية منذ عصر المأمون (قبل عام813م) إلى العصر الحالي هو 10 آلاف كتاب، وعدد الكتب التي تُرجمت إلى العربية منذ ثلاثة عقود (1970-2000) وصل إلى 6881 كتابا فقط، وهذا ما يعادل ما نقل إلى اللغة الليتوانية التي يبلغ عدد الناطقين بها قرابة أربعة ملايين إنسان فقط.
وهذا الضعف في الترجمة إلى العربية ضعيفة مقارنةً بالترجمة إلى لغات أخرى هو بسببنا نحن، حيث لم نعطها اهتماماً كبيراً بخلاف الشعوب والمجتمعات الأخرى، فالاتحاد الأوربي -مثلا- يدفع مئات الملايين من اليوروات فقط للترجمة، حيث يترجم أكثر من 80 ألف صفحة من قوانينه إلى عشر لغات مختلفة، وذلك ليحمي ديمقراطية أعماله ولكي لا يشعر المواطنون الجدد بأنهم ” غُرب ” بسبب تجاهل لغاتهم, ويعمل في الاتحاد الأوربي نحو 4000 مترجم فوري ومترجم تحريري.
يقول ديفيد ماك وهو سفير أمريكي سابق في عدد من الدول العربية : “من المثير للسخرية أن العالم العربي اليوم لا ينشر سوى بضعة أعمال جادة مترجمة من لغات أخرى، ولا تزال الوثائق التاريخية العربية والغربية على السواء تحفظ الدور الذي لعبه المترجمون العرب خلال الحضارة العباسية في بغداد، إذ أسهمت الأعمال التي ترجموها عن الحضارة الإغريقية والفارسية والهندية وغيرها إلى اللغة العربية بدور جوهري في تطور الحضارة الإسلامية التي ظلت لقرون أغنى حضارات العالم بكنوزها الثقافية التي أرست الأرضية الصلبة للازدهار الاقتصادي والانجازات العلمية في تلك الحضارة، ولم تقتصر فوائد تلك الكنوز الثقافية على العرب وحدهم، بل استفاد منها الأوروبيون للخروج من عصور الظلام في تاريخهم عندما راحوا يجمعون المؤلفات العربية من مختلف الحواضر في الحضارة الإسلامية من بغداد إلى الأندلس لإغناء رأس مالهم الفكري وإحياء الحضارة الأوروبية مما كان له الأثر في انطلاق عصر النهضة الأوروبية، وكان سبيلهم إلى ذلك ترجمة المؤلفات العربية إلى مختلف اللغات الأوروبية، وبهذه الطريقة – أي الترجمة – تتمكن حضارات العالم من إثراء بعضها البعض في مسيرة تطور البشرية”.