سلسلة كيمياء الصلاة لأحمد العمري

عرضت المادة في ديسمبر 2015 رؤية سلسلة «كيمياء الصلاة» لأحمد خيري العمري عبر أجزائها الخمسة، من سؤال غاية الصلاة إلى معاني هيئاتها والتحيات، مع تأمل في أثر القراءة المتجددة.

سلسلة كيمياء الصلاة لأحمد العمري
Atheer - أثير

كتاب الأثنين .. لزينب المقرشي

 

يسعى أحمد خيري العمري في محاولة جادة تتجسد فيما يُعرف بسلسلة كيمياء الصلاة إلى تجديد تصوراتنا حول الصلاة وبناء مواقف وأفكار ومعتقدات جديدة نحوها باعتبارها عماداً للدين أولاً وللسلوك والمجتمع والحضارة ثانياً.
يقول العمري في مقدمة المهمة غير المستحيلة وهو الجزء الأول من هذه السلسلة: ” كان من المؤلم جداً أن الناس لا يصلون، ولكنه كان من المؤلم أكثر أنهم إذا صلّوا ربما لا يتغيرون! “. ويقول في ذات المقدمة أيضاً: ” لكل فعلٍ رد فعل، مساوٍ في القوة ومعاكس في الاتجاه. قانون الفيزياء هذا، عندما يتمثل في فعل هو (الألم) فإنه سيعبر عن نفسه في محاولة دفع الألم أو تهدئته. أعلم أن لذلك أشكالاً مختلفة، لكن الأمر كان معي أني صرت أحاول رفع الألم عبر محاولتي جعل الناس يُصلّون “. ذلك كُلّه، يوجز رُؤية الكاتب وتصوره لما يناقشه من قضية في كتابه؛ وما ذكرتها إلا لأن تلك القضية تحكي قصص الأجزاء الخمسة. ولا تستقيم غاية كل جزء ولا موضوعه دون الإشارة لموضوع ما سبقه من أجزاء أو ما تلاه. هي منظومة متكاملة، تروي رحلة واحدة؛ فكيف لمرحلة منها أن تستقلّ دون الأخرى؟
في فيزياء المعاني، هو يستكمل ما كان قد انطلق في تحقيقه في هذه السلسلة ابتداءً من المهمة غير المستحيلة حيث كان يبني أسس علاقة المُصلّي مع صلاته ومع المُصلّى له ويجيب في الوقت ذاته عن السؤال القائل: لماذا نُصلي؟، ووصولاً إلى ملكوت الواقع وفي هذا الجزء كان كُلّ جهد الكاتب مُنصبًّا في سلسلة الأحداث الموصلة للصلاة وكيف تكون محفزات للنهضة وسبيلاً لها. تلك الأحداث ما هي إلا نداء الحياة الأذان، وأوقات الصلاة الخمسة والتي تُعلّم أن الوقت عنصر أساسي في المعادلة الكونية، وثم الوضوء الذي لكونه يتعلق بأعضاء معينة، كان لكل منها حكاية وأمر يرمز له، والقبلة حيث بيت الله الحرّام المحملة أرضه بقصص ومعان وعبر ودروس وكيف جسدت تلك الأرض تكامل أبي الأنبياء وخير الأنام صلاة الله وسلامه عليهما، ومع النية روح العبادة، والتكبير إشارة الانطلاق، ودعاء الاستفتاح الذي لكل كلمة منه مدلولاتها ومعانيها.


 

ما إن تدخل أجواء الجزء الثالث: عالم جديد ممكن فأنت هُنا تقف وقفة طويلة مع أم الكتاب سورة الفاتحة والتي فصّل العُمري في تفاصيلها المعنوية والفكرية في هذا الجزء دون التطرق لغيرها إيفاءً لحقها.
بعدها نصل لـ فيزياء المعاني، هنا العمري حاول أن يتناول قضية معاني هيئات الصلاة، وكيف أن كثيراً من التيارات الفكرية والطائفية الحالية بنت أفكارها على أساس أن العبادة رُوحها ما يُضمره المتعبّد في القلب وأخذت الصلاة مثالاً بقولهم أنها لا تقوم بدون قلبٍ يبث فيها الروحانية، إذاً هي في إطارها الحركي الميكانيكي لا جدوى ولا عائد يُنتظر. فنجد أن العمرّي في مقدمة هذا الجزء، أوضح كُلّ الإيضاح بقوله: ” و(المهم ما في القلب) ليس قولاً خاطئاً بالمطلق؛ إنما (ما في القلب) لا يمكن أن يكون أصلاً إذا لم يكن ضمن القلب القالب. والهيئات، هي ذلك القلب والقالب الذي يحفظ المعنى الذي يجب أن يكون في قلب قالب يحميه من التسرب، يحميه من الاختفاء، يحميه من أن يتسامى ويتوارى عن الوجود. ويتمادى أصحاب نظرية (المهم هو ما في القلب) قليلاً فيقولون: إن المهم هو أن يكون القلب متجهاً إلى الله حتى لو لم يكن ذلك ضمن هيئة تُحيط به، والمهم هو أن يسجد القلب ولو لم يسجد الجسد، والمهم هو أن تكون مع الله بقلبك، حتى لو كانت كل أطرافك في مكان آخر تماماً. والكلام جميل وهو سهل، ويمكن المضي فيه إلى ما لا نهاية لكنه كأي شعار، أزمته الحقيقية عند التطبيق، عند الفعل… إلغاء القالب كما يوحي هؤلاء، سيؤدي حتماً إلى قتل المعنى، حتى لو كانت عملية إلغاء القالب مدججة بالدفاع عن المعنى وتعزيزه. هذه الهيئات أو القوالب، لها هندسة خاصة تعبر عن المعنى وتحتويه وتتحد معه. شكل هذه الهيئات، أمر لا ينفصل أبداً عن المعنى الذي تعبر عنه. معرفة هذا والإبحار فيه سيقوي المعنى ويكرسه. وعندما يكرس المعنى، ويزداد قوة ورسوخاً، فإن الصلاة نفسها ستؤدي دورها…” أن قضية الجزء هي علاقة القالب بالمعنى في الصلاة.
تُختتم السلسلة بـ: سدرة المنتهى، الكتاب الذي يضع نقطة نهاية السطر على السلسلة. الختام الذي يُحكى فيه قصّة التحيات من الألف إلى الياء، وما المعاني التي تتضمنها الثلاثية المتلازمة: السلام، الرحمة، البركات.


 

قرأت السلسلة للمرة الأولى منذ أعوام ثلاثة، في وقت كانت القراءة بالنسبة لي مجرد مساحة بعيدة عن الواقع اليومي. رُبما السبب حداثة تجربتي في العالم، ورُبما هو الجهل العميق بحيوية العلاقة بين القراءة ومن نحن عليه ولكن كل شيء بات مختلفًا الآن. أقرأ السلسلة مرة تلو الأخرى وتفكيري وبصيرتي يتغيران، فنحن ننضج ومعها تنضج تجاربنا في معاشرة ما نقرأ وكيف ينطبع ذلك علينا ولكن في غمرة كل ذلك تبقى الحقيقة الوحيدة الثابتة أن عبقرية سلسلة العمري تكمن في سلالة الكتابة، والرمزية التي تختبأ المعاني عنده خلفها وهو ما يجعلها مثالًا ذهبيًا للقلم الأدبي العربي المعاصر.

شارك هذا الخبر