د.عبدالله باحجاج يكتب: مجتمعنا العماني.. وعصر الضرائب

عن الكاتب

د.عبدالله  باحجاج
د.عبدالله باحجاج

كاتب، وباحث، وصحفي عُماني

د.عبدالله باحجاج يكتب: مجتمعنا العماني.. وعصر الضرائب
د.عبدالله باحجاج يكتب: مجتمعنا العماني.. وعصر الضرائب

د/عبدالله عبدالرزاق باحجاج

د/عبدالله عبدالرزاق باحجاج

كاتب عماني

كاتب عماني

كيف للحكومة أن تفرض رسوم وضرائب جديدة على مجتمع أهم خصائصه الآتي: الآلاف من ابنائه باحثين عن عمل، توقف تطور معيشته – أي المجتمع – منذ قرابة ثلاثة سنوات أو أكثر، متقاعدون مرتباتهم ضعيفة جدا، وأكثر من نصف العاملين من العمانيين في القطاع الخاص لا يتجاوز مرتباتهم عن (500) ريال؟

وهنا، ينبغي أن نطرح على الحكومة التساؤلات التالية:

ما هي المقاربة التي تعتمدها في فرض الرسوم والضرائب على المجتمع لتمويل موازنة الدولة؟

وهل تراعي الحكومي مثل تلكم الخصائص أم غير معتد بها؟

وما هي التداعيات الاجتماعية الناجمة عن التحرر من تبعية اقتصادنا المفرطة على النفط بالصورة المتصاعدة منذ منتصف 2014؟

وهل تتناغم سرعة التحولات الاقتصادية مع صناعة المجتمع المتجذرة منذ عام 1970؟

لنا في تحرير أسعار الوقود، وربطها بمكانزمات السوق العالمية، حتى وصل أعلى سعر لمشتقات النفط قرابة (200) بيسة للتر – تسعيرة فبراير الحالي – مؤشرا على تجاهل تلكم الخصائص الاجتماعية، ومؤشرا على ماهية الفكر الذي يؤسس للاقتصاد العماني نقلته الكبرى –توصيف معالي يوسف بن علوي – من اقتصاد ريعي الى اقتصاد قائم على الجبايات.

وتلكم التساؤلات ، وما نبديه من علامات استفهام كبيرة ، وطرحنا لقضية اسعار الوقود – نموذجا – ينبغي أن يتوقف عندها صناع القرار والمحللين وكل المعنيين بالتحول الاقتصادي الجديد في البلاد، وذلك تحليلا، واستشرافا، ونقدا، مستخدمين كل وسائل كشف النتائج وانكشافات التداعيات المسبقة ، لرسم خارطة أو على الاقل تقديم رؤية بانعكاسات تحولاتها الاجتماعية لدواعي تصويب سياساتها المالية والضريبية الراهنة، وكبح توجهاتها الضريبية الجديدة التي تتخذها، ليس بسبب ضغوطات الازمة النفطية، وإنما لتلاقي قناعاتها مع قناعات صندوق النقد الدولي في ضرورة توليد ايرادات لخزينة الدولة عن طريق الرسوم والضرائب، حيث تستعد الحكومة تطبيق ضريبة القيمة المضافة في بداية عام 2018م مع بقية الدول الخليجية ، هل تعلم هذه الحكومات ماذا يعني ذلك؟

يعني انتقالها من النظام الريعي الذي كانت تطبقه منذ بداية السبعينيات الى نظام مختلف شكلا ومضمونا يسمى بنظام “الجبايات”. فالنظام الأول يعتمد على ريع النفط الذي يتم تحصيله، وتوزيع ريعه على التنمية والمجتمع، ويكون دائما مرتبطا بالعوامل الخارجية، بينما النظام الآخر، يعتمد على تمويل موازنة الدولة من جيوب الافراد، أي من خلال الرسوم والضرائب، ويعتمد على الداخل.

وهنا يبدو لنا مشهدنا الوطني متعارضا تماما – شكلا وجوهرا -من منظورين بنيويين أساسيين، وهما: اقتصاد يبنى على الرسوم والضرائب – نظام الجبايات – ومجتمع تم صناعته على ريع العوائد النفطية أي النظام الريعي. والخطورة في هذا التعارض البنيوي، أن النظام الريعي قد صنع مجتمعا ريعيا، ثقافة، وأفعالا، فالثروة الريعية تأتي من خارج العلميات الانتاجية للاقتصاد الوطني أي بأقل جهد، لأنها هبة من الله عز وجل، وتصرف على المواطنين بنفس الآلية دون أن يكونوا مطالبين بجهد ولو ذهني.

وقد نجم عن ذلك خمولا اجتماعيا رغم القدرات والامكانيات الفردية، وكذلك بيروقراطية متضخمة، على عكس نظام الجبابات الذي يحتم إدارته بمهنية فاعلة ونزيهة، ومجتمع أفراده يملكون ثقافة الحق والواج ، كجناحين للمواطنة، ومؤهلين تعليميا وفنيا لوظائف ذات مردود مالي مرتفع … واقتصاد وطني، تكمن قوته في العلميات الانتاجية .. ومؤسسات ديموقراطية ومدنية تعلي من شأن المشاركة الشعبية في صناعة القرارات.

إذا، كيف يمكن أن يتلاقى النظامين في بيئتنا الراهنة التي أشرنا في مقدمة المقال الى أهم خصائصها؟ خاصة وأن عملية الانتقال بدأت وكأنها تسير دون وعي رفيع بالانعكاسات الاجتماعية للتحول بين النظامين، قلنا عنها في مقال سابق، أنها نقلة ،، بالريموت ،، أي دون أن يكون هناك مرحلة انتقالية لتهيئة المجتمع لعصر الضرائب.

بل العكس، فقد لاحظنا ما يتعارض مع التهيئة تماما، فبدلا من تحسين معيشة المواطنين قبل تدشين حقبة الضرائب لدواعي التوازن، وديمومة الاستقرار، وجدنا تقاعسا وتباطؤا كبيرين في التهيئة رغم التوجيهات السامية، فمثلا التوجيه بتوحيد منافع صناديق التقاعد، وانشاء صندوق الزواج، والجمعيات التعاونية … الخ حتى انفجرت الأزمة النفطية، وادخلتنا في توترات مرتفعة تحت ضغوطات ومخاوف صندوق النقد الدولي، فبدلا من رفع مستويات المعيشة أو على الاقل الحفاظ عليها، تم المساس بها من خلال مجموعة سياسات مالية وضريبية.

والذي يدعو للقلق، عدم وجود رؤية للحكومة حول انعكاسات سياساتها المالية والضريبية على المجتمع، بدليل تسعيرة الوقود، فكل ما لديها خطط جاهزة للتنفيذ، وعندما تصطدم نتائج سياساتها مع المجتمع، وترتفع وتيرة احتقاناتها، تتراجع أو تتوقف عن المسير، فعل وردة الفعل، هما الحاكمان الآن في علاقة المجتمع بالسلطة التنفيذية، ولنا في حالة الاستياء الاجتماعية العامة ضد تسعيرة فبراير الحالي وتفاعل مجلس الشورى، واقتراحه تثبيت الاسعار – نموذجا-.

لن نتوقع التعايش السلمي مع نظام الجبايات في ظل وجود بيئات وثقافة النظام الريعي، فالمجتمع لن يتحمل كثيرا عصر الضرائب، ودعونا نفترض تداعيات استشرافية محتملة إذا ما استمرينا في سياسات الضرائب والرسوم كنهج مستدام لصناعة ايرادات مالية جديدة، فأين تكمن أبرز التداعيات؟ نحمل هنا هاجس الحفاظ على منظومة الولاء والانتماء العمانية التي تم تأسيسها من خلال عدة أدوات من بينها الأدوات التنموية والخدماتية المجانية، أي من خلال دور الدولة الريعي، فتعاظم المساس بهذا الدور، لا سيما جوهر المنظومة، فديمومة المنظومة مرهون بوجود دور فعال للدولة في قضايا العمل والتعليم والصحة وتحسين معيشة المواطنين … إلخ.

وفي عدة مقالات سابقة تعرضنا لجزئية المنظومة الولائية والانتمائية المقدسة، والتي فيها فتحنا مستقبل علاقة الدولة بالمجتمع، وبمن يصنع من؟ وقلنا إنه لما كانت الدولة هي القائدة في المرحلة الاولى، رأينا كيف كانت صناعتها الاجتماعية؟ ولما لجأت الى تبني الخصخصة عبر تحويل ملكية مرافق ومشاريع اقتصادية من الدولة الى القطاع الخاص المحلي والأجنبي، انكشفت لنا صناعة اجتماعية جديدة انتجتها قيادة الشركات الخاصة والعامة، وقد عبرت عنها أفضل تعبير دلالي أحداث عام 2011م، فكيف بعصر الضرائب؟

من هنا ، يمكن القول ، أنه ليس في مصلحة بلادنا القضاء على نمطية الاقتصاد الريعي كما يريده صندوق النقد الدولي، وبهذه السرعة العالية، فلا تزال ذهنية ومعيشة المواطن الريعية غالبة عليها مسألتين هامتين، وهما: صناعة الثروة النفطية وتاريخ وواقع استخدامها، كما أن الحكومة في جل تصرفاتها وواقعها لم تغادر المرحلة الريعية ، كما لم تكن صريحة مع المواطن في أبعاد وخلفيات توجهاتها الاقتصادية الجديدة، فلا تزال تنقصها الشفافية، فهي تتحدث عن مواجهة الأزمة النفطية ، وهى تعلم أنها قد تجاوزتها بسعر النفط إلى ما فوق (55) دولارا ، والواضح أنها تدشن نظام الجبابات فوف النظام الريعي دون التهيئة الضرورية بما فيها ادخال اصلاحات جديدة شاملة على مسيرتنا الحديثة؟

وهنا المشكلة، فما الحل؟ لن نختلف على ضرورة انعتاق اقتصادنا الوطني من التبعية المفرطة للنفط، فلا يمكن أن نحافظ على ديمومة استقرارنا الداخلي وسيادة قرارنا الخارجي بالاعتماد المطلق على النفط القابل للنضوب، وأسعاره غير المستقرة، لكن ليس بالكيفية الراهنة، وانما بالتدرج مع مراعاة البعد الاجتماعي، وفق خصائصه سالفة الذكر من جهة، وتطورات الارتقاء باقتصاد الدولة من ناحيتين متزامنتين من جهة ثانية.

وهما، المضي بوتيرة متسارعة في برنامج التنويع الاقتصادي، والقيام بإصلاح بنيوي في الثقافة الريعية عبر فرض رسوم وضرائب لإعادة تصويب الاستهلاك الاجتماعي، ولدواعي ضمانة ايرادات جديدة ومستدامة بصورة لا تؤثر على التوازنات الاجتماعية، بحمولتها الوطنية سالفة الذكر، وهذا يستدعي جلسات عصف ذهنية تشارك فيها الحكومة ومجلس عمان عبر جناحييه الدولة والشورى، حتى تحضا التوجهات الجديدة بقوة الاجماع الوطني.

وإلا فان الرسوم والضرائب في مساراتها المخطط لها الأن، ولنا في ضريبة القيمة المضافة المقبلة، أنموذجا، حتى لو تم استثناء (100) سلعة وخدمة منها، ستؤثر سلبا على القدرة الشرائية للعمانيين التي هي كما هو معلوم محرك اساسي للاستهلاك والنمو، ومؤشرات تداعياته يمكن أن نجدها الآن في شكاوي المحلات التجارية من ضعف الاقبال على الشراء، فكيف سيكون علاقة المجتمع بالسلطة التنفيذية في عصر الضرائب اذا لم نعقلن أجندة صندوق النقد التي تحاول فرضها ليس على بلادنا فقط وانما على دول مجلس التعاون الخليجي ، ومؤخرا تتحدث مديرة صندوق النقد الدولي عن ضريبة الممتلكات ..هل نحقق لها ما تريد؟

شارك هذا الخبر