أثير- الدكتور رجب بن علي العويسي– كاتب ومؤلف وباحث في التنمية والأمن الاجتماعي والتطوير المؤسسي والفكر الشرطي والتعليم
يشكل الهدر أو الفاقد التعليمي اليوم، أحد التحديات التي تواجه جودة التعليم، ولعل اتساع صوره وتعدد أشكاله، التي تجاوزت تسرب الطلبة وإنقطاعهم أو غيابهم، لتشمل محددات أخرى أكثر عمقا ارتبطت بالأسرة والوالدين وثقافة المجتمع، وبيئة الطالب وقناعاته حول نفسه ودور التقنية وشبكات التواصل الاجتماعي، وقضايا أخرى ذات علاقة بالكفاءة الداخلية والخارجية للمنجز التعليمي، والانفاق على الطالب والانشطة الدراسية، ووفائه بالتزاماته العالمية في تحقيق زمن التعلم ، والزامية التعليم، والقيمة المضافة الناتجة من الاستثمار في الموارد التعليمية وغيرها، هذا التنوع في مستويات الهدر التعليمي ونسبة الفاقد، وإن كانت نتائج التشخيص لها في واقعنا التعليمي غير دقيقة، وهي تشير إلى انخفاضها لتصل إلى 3% في ظل تنوع البدائل والآليات المتخذة في الحد منها، إلا أنها في ظل مستويات التنوع التي برزت فيها، شكلت مؤشرا له تبعاته على كفاءة المنتج التعليمي، وانعكاساته على الاغتراب الوجداني والعاطفي في هذه المخرجات، ومدى تقبل الفرد للوضع الذي هو عليه عندما يرى أقرانه وأصحابه وهم ينتقلون إلى مراحل دراسية أعلى، أو يراقب مستوى نجاحهم في العمل، وحصولهم على الكثير من الاستحقاقات والامتيازات النوعية، والشعور السلبي في تقبله لثقافة المجتمع وعاداته وتقاليده ومدى احترامه لرموزه وانتمائه لمؤسساته ، بل أيضا في إحساسه بجانب الامان النفسي والاجتماعي والفكري، عندما تبدد النظرة السلبية لديه كل أحلامه وآماله وطموحاته أسرته فيه، ليكون الحلقة الأضعف في خروجه من السلم التعليمي ، ليضم في عداد الباحثين عن عمل وهو في سن الالزام، وما يمثله ذلك من انعكاس على قناعته حول نظام التعليم بأكمله، ووصفه بصفات أقرب إلى شعوره بالظلم والحقد على النظام، والكراهية له، وعدم تقبله لممارسات الآخرين وقراراتهم وأفكارهم، وأثر ذلك على عاطفة الحب، ومشاعر التآلف والتعايش والتعاون والاحترام والتقدير، فيعيش منزويا عن عالمه، محاولا تقمص دور المخالف الذي يبدو انه يبحث عن حالة وقتية من الاهتمام، حتى وإن كانت على حساب هوية وطنه ومنظومة المبادئ والاخلاق والقيم، وبالتالي حالة الانفصام في شخصيته، وعدم تقبله لواقعه في ظل نظام تعليمي لم يستطع العمل على ابقائه في مقاعد الدراسة، أو يحاول أن يصحح مسار الخطأ لديه، أو يحتوي حماسه واندفاعه وشغفه، فيعيش في حالة من التنكر العاطفي وفقدان حس المشاعر والاحساس بالجمال والذوق والتقدير والإيجابية والتفاؤل ، ليعيش بالتالي في حالة من القلق والخوف والترقب والابتعاد عن النماذج الايجابية المنافسة التي ما عادت تعني له الكثير في ظل حالة الاغتراب التي يعيشها،.
عليه كانت الحاجة إلى قراءة دقيقة لهذا الملف ودراسات تشخيصية، تقوم عليها مراكز البحث الاستراتيجي التربوية والنفسية والاجتماعية والقانونية والأمنية، بشكل ترصد فيه مستوى التأثير الناتج عن الهدر التعليمي في سلوك الاجيال، وهي وإن كانت غير مشخصة بشكل دقيق في واقعنا التعليمي، إلا أنها وعلى مدى الوقت مؤشرات يبقى امتداد تأثيرها واضحا في واقع الشباب والتحديات التي يعيشها، فإن ما يدور في فكر البعض منهم، من حالات التذمر والاحباط والسلبية ، والكتابات المريبة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، أو بعض الكتابات والالفاظ والمصطلحات المسيئة في جدران المنازل والمساجد والاسواق والمؤسسات، ومسألة الانضباط والالتزام في حياتهم العامة والخاصة ، امتداد لخيوط الهدر التعليمي، تستدعي إيجاد أرضية عمل مشتركة، وأطار وطني يضمن توسيع نطاق قراءته خارج اطار منظومه التعليم لتشمل مؤسسات القضاء وحقوق الانسان والشرطة ومؤسسات المجتمع المدني ولجان الشباب والمجالس البرلمانية وغيرها، بما يحققه من تنوع في الفرص والبدائل في المسارات المطروحة لإدماج هذه الفئات في واقع المجتمع ومؤسساته، والتعامل الجدي مع نواتج التشخيص وأدواته، مستفيدة من دراسة وتحليل القضايا والحالات المعروضة في أروقة القضاء والشرطة والادعاء العام وغيرها، عبر مراجعة جادة للتشريعات وأنظمة العمل، وأنشطة اقتصادية واجتماعية تستوعبها، وبيئات تدريبية وتثقيفية وترويحية تستقطبها.






