د.رجب العويسي يكتب: فضيلة الانتظار

عن الكاتب

د. رجب  العويسي
د. رجب العويسي

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏كاتب ومؤلف وباحث

د.رجب العويسي يكتب: فضيلة الانتظار
د.رجب العويسي يكتب: فضيلة الانتظار

الدكتور: رجب بن علي العويسي- كاتب ومؤلف

الدكتور: رجب بن علي العويسي- كاتب ومؤلف

يبدو أن عالمنا اليوم وفي ظل موجة التسارع التي يمر بها، بحاجة إلى مساحة من الانتظار تعيد له فرص الاستفادة منها في تحقيق سعادته واستقراره وأمنه، في ظل ما يواجه الإنسان في حياته الشخصية من مواقف عدة وأحداث متعددة، تتطلب منه مزيدا من التأمل، ومنح النفس فرص التريّث ، بهدف إعطاء المشاعر والأفكار أريحية التناغم للوصول إلى قرار حكيم يتوافق مع الظروف، ويتعايش مع ما يُطرح من أفكار أو يُثار من حساسيات، حتى يمكث في النفس مداه، ويبقى في الفكر والوجدان تأثيره، فيصبح العمل به فضيلة ، والحرص على تحقيقه مندوحة ، دفعا للمفسدة، ومنعا من سلوك التهوّر، أو الدخول في متاهات غير محسوبة العواقب، والطريق الأسلم للمعالجة، والمنطق الرفيع للمواجهة، وسلوك يعبّر عن روح التسامح والاعتدال، وهي في كل أحوالها ليست هروبا من المواجهة، ولكنها فرصة لتقييم الوضع، وفهم معطيات العمل، وتعميق قيمة الذات في التعامل مع الأحداث، متجاوزة كل ما ينتج عن سلوك التهوّر من تضييع للحقوق، أو سلب للهوية، أو تغيير لنمط العمل السليم، خاصة في الوقت الذي يعيش فيه الأخر هاجس الترقّب والبحث عن الزلّة، وعلى المستوى الاجتماعي، مبدأ تقره السياسات ذات الثواب، فتعظّم قيمته في سلوك مواطنيها، في سمو تعبيراتهم، ورقيّ أذواقهم، وعلوّ أخلاقهم، لما تصنعه فيهم من الثقة بأنفسهم، والالتزام بما تقرّه الدولة من مبادئ، حفظا للوحدة، وتحقيقا للوعي، ووضوحا في منهجية التعامل مع أحداث العالم وتحدياته، وفق ضبطية النظام والقانون ، فتبني فيهم عوامل القوة والريادة ، والتفرّد والخصوصية، التي يتميز بها مجتمعهم عن غيره، فلا وصية للفرد على الدولة ، ولا ازدواجية أو تدخلات في القرار الرسمي، فالأمر موكول لأهله، والعمل قائم على منهج الثبات في المبادئ، التي لا تتزعزع بتحرشات البعض وطيشهم.

على أن التسارع الذي يعيشه عالمنا المعاصر، في العلوم والتقنية والطب والفضاء والصناعة والاقتصاد والأدوات والأليات وغيرها، يقرأ لنا في المقابل عامل البطء في قدرته على تجاوز مشكلاته، والخروج من دائرة الأنا الضيقة التي باتت تحكمها مقاييس الربح وحجم المصلحة، متجردا إلا قليلا، من منظومة القيم والمبادئ والاخلاقيات التي تضفي على طابع الحياة مزيد من التعاون والتآلف والوئام الإنساني، إنه الشطط والتسرّع، الذي أقفل كل محطات الانتظار، وأغلق فضاءات التأمل، ومراجعة ممارساته وقراراته العشوائية الحاصلة، حتى انعكس ذلك على واقع ما يعيشه من أحداث، ومآسي القتل والدمار، والحروب والتشريد، والجوع والأمراض، والإنفاق على السلاح، وما ارتبط بسياساته من سلوك الازدواجية وانفرادية القرار، والحصار والتأليب والمطامع والمصالح الذاتية ، مما أوجد عالماً مشحوناً بالمؤامرات، واستهواء الشهرة، وارتكاب الحماقات، فضعفت فرص التقاء العالم، واجتماع كلمته، وكفاءة حواراته ولقاءاته، ومنظومة عمل مؤسساته الدولية، الرسمية والخاصة ، حتى أصبحت شكلية مجردة من صبغتها الإنسانية، التي تلتزم نتائجها تقوية أواصر التعاون والتكامل وبناء جسور التواصل والسلام، لقد انعكس ذلك على سلوك إنسان العصر، الذي بدأ يتعامل مع واقعه بعدم الثقة، وضيق نفس الانتظار، والأحكام العشوائية، والتعميمات، والتذمر والسلبية والسخرية، وتحجيم الإنجاز، والبحث عن مطامع الأنا ، والحصول على الثروات، عبر الابتزاز والاحتيال وغيرها.

إنّ الانتظار لغة حالمة، ومنهجية فاعلة في التأثير، وبناء مساحات الأمان، وترسيخ مسارات العمل المشترك، وتعزيز كفاءته عبر الشراكات والحوارات المتعددة، بشكل يجعل منه قيمه سامية، تتجه الى تحقيق الجودة والتنافسية في الأداء والواقعية في النتائج؛ وحريّ بعالم يموج بأحداث متناقضة، وغايات متغايرة، وأفكار متباعدة، أن يجد في الانتظار ثقافة حياة، لتصحيح الأخطاء، وإعادة النظر في تجاوزاته بحق الانسان والاوطان؛ فإننا في الوقت نفسه، بحاجة إلى قراءة هذه الثقافة في سلوك المواطن، بما يضمن له فرص الاستفادة من النتائج والتوصيات والاجراءات التنفيذية المرتبطة بالموجهات التشخيصية والتطويرية والدراسات والبحوث وفرق العمل التي تنتهجها مؤسسات الدولة، في التعاطي مع الواقع الاقتصادي والاجتماعي، في مجال الباحثين عن عمل، والتشغيل، ومخرجات التعليم، والعمالة الوافدة، والقطاع الخاص، وتنويع مصادر الدخل، وكفاءة الانفاق وغيرها ، بما يضمن وقوف المواطن على مسوغات العمل، واستفادته من نتائجها، في رسم سيناريوهات العمل القادمة.

شارك هذا الخبر