د. رجب بن علي العويسي

كاتب ومؤلف وباحث في المواطنة

لعل منطلق التعليم في بناء فقه إدارة الأسرة، يرجع إلى ما يمكن أن يحققه التعليم عالي الجودة من مساحات الوعي، ويؤصله من ثقافة الذوق والرقي الأسري، بحيث تستلهم من عمليات التعليم والتعلم، ووضوح منهج التشخيص والتخطيط، والتقييم والتقويم، استراتيجيات عملها، التي تنعكس على حركة التفاعلات التي تتم داخلها، في ظل مبادئ التعليم وفلسفته ومرتكزات عمله، واستيعابه لطبيعة التحول الذي تعيشه الأسرة، وانعكاس الممارسة التعليمية على حياة المتعلمين كونهم نافذة التواصل الأسري، وبوابتها التفاعلية الذكية لنقل القيم والأخلاقيات والممارسات التعليمية الهادفة إلى حضن الأسرة، على أن الوقت الذي يقضيه الطالب في المدرسة وتواصله مع أنشطتها وبرامجها بعد خروجه من أروقتها، ليعود إليها في اليوم التالي، يجعل من حجم التأثير الذي يمكن أن يحدثه التعليم في الأسرة كبيرا جدا، ومساحات التغيير التي يمكن أن يؤسسها في سلوك المتعلم عبر التوجيه واستراتيجيات التعلم والمناهج والحوار والأنشطة والتعايش في بيئة المدرسة والتنوع في الخبرات والتجارب، كفيلة بقيام المدرسة بدور محوري في بناء فقه ثقافة إدارة الأسرة ، بما ينعكس على تصرفات المتعلم وقوة تأثيره على نمط التعامل الأسري، وعلاقته بوالديه وإخوانه، وقناعته بنظام الأسرة اليومي، وطريقة الخطاب المعتادة داخل الأسرة، واحترام الرأي الآخر، والتشاركية في القرار، وتقدير الانجاز والتحفيز .
إننا بحاجة إلى أن نقرأ الأسرة في بيئة المدرسة، ونخلق لها كيانا واضحا ، ونبني لها حضورا فعليا، ونرسم لوجودها خارطة انجاز وإعادة تأهيل قادمة في ظل طبيعة الاحتياج الأسري، وعندها نستطيع أن نضع الواقع أمام المراجعة والتصحيح ليبرز دور التعليم في بناء حياة مبتكرة وترانيم عمل تستوعب سلوك الانسان وتقترب منه لتدخل منه إلى مكمن المشكلة وجوهر التحدي، بحيث يمكن أن تتخذ جهود التعليم في هذا الجانب مسارات متعددة، تعتمد على توفير فرص وحزم بديله وسيناريوهات داعمة تنفذ وفق مسارات واضحة وخطط موجهة، وبرامج تدريبية وتثقيفية وتوعوية وتشخيصية مناسبة، تساعد الأسرة على التعامل مع التحديات التي تواجهها، سواء كانت اجتماعية ناتجه على زيادة مستوى التباعد الأسري والقطيعة أو الاهمال من أحد الوالدين، أو نفسية مرتبطة بحالة القلق والاضطراب وتدني مستوى الصحة النفسية الذي يشعر بها الأبناء او الاسرة لمسببات مختلفة، او اقتصادية تتعلق بالحاجة إلى توفير دخول اقتصادية، تعزز من كفاءة الأسرة، وتغطية المصروفات اليومية للأبناء، وتعويدها على إدارة الاستهلاك، والاستثمار في الموارد الذاتية، ودور التعليم في تقديم مشروعات داعمة لبناء أسرة منتجه، أو برامج لتقليل عملية الصرف اليومي وإدارة الضرورات والأولويات، أو التعامل مع اشكاليات الطلاق التي تحصل بين زيجات لا تتجاوز السنوات الربيعية الأولى ، أو تغيير القناعات السلبية التي تبرز في عدم قدرة الأم الموظفة على تربية أبنائها رغم أنها تمتلك طفل أو طفلين على الأكثر، أو إعادة تشخيص مسألة الهروب السلبي لدى الرجل من قواعد العمل الأسري، أو تخليه عن الالتزامات المالية أو انشغاله بقضايا شخصية مع الأصدقاء خارج المنزل، أو مشكلات عاطفية تؤثر سلبا على مساحات الانسجام والمودة والتقارب الأسري.
عليه، فإن هذه القضايا وغيرها، مؤشرات لواقع أسري معايش، تستدعي التفات التعليم لها، ومنح هذا الملف حضورا أكبر في مناهجه وأنشطته وممارسات التعلم اليومية، عبر مناشط أسرية فاعلة ، ومنصات تواصلية أكبر من سؤال ولي الأمر عن ابنه، إلى البحث معه عن آليات بناء أسرة عمانية خالية من الظواهر السلبية المؤثرة على كيانها وانسجامها، على أن وجود إطار وطني مستدام ، يتسم بالاتساع والعمق تارة وبالاختصار تارة أخرى، بحسب طبيعة الحالة الأسرية، يرافقه وجود استراتيجيات دعم ومساندة، وأدوات تشخيص وتحليل، مستفيدة من الاحصائيات السكانية والحالات الاجتماعية التي تبرزها الاحصائيات الوطنية حول الزواج والطلاق والمشكلات الأسرية الأخرى، بحيث يقوم على هذا العمل كفاءات وطنية لديها تجارب واقعية، وتمتلك رصيدا وخبرات واسعة في تطوير البدائل وتمكين الفرص وبناء موجهات التغيير، ومهارات التأثير والاتصال والتواصل والتفاعل والالهام والحدس.






