أثير- د.عبدالله باحجاج
ولماذا الذكاء ، لأن العالم يدشن عصرا يوسم بالذكاء ، ولربما تصنف الدول مستقبلا على أساسه ، كمعيار جديد ، ينهي المعايير السابقة ، التي من خلالها صنفت الدول متقدمة ، ومتخلفة ، ونامية ، ربما من خلال المعيار الجديد ، تصنف الدول بين ذكية وغير ذكية ، وهذا الاستشراف ورد لنا ، ونحن نشارك في ندوة مستقبل التعليم والوظائف في عصر الذكاء الاصطناعي التي أقامتها جامعة عمان بالتعاون مع جامعة السلطان قابوس يوم الأربعاء الماضي .
والتساؤل ، واشكالاته ، يطرحان في المقابل مجموعة تساؤلات ، لعل أبرزها:
هل التلقين والحفظ ، وسيلة تصنع الذكاء والإبداع ؟ وهل الكم المعرفي الضخم الذي يدرس للطلاب يترك للعلم التجريبي مساحة زمنية لهذا العلم ؟ وهذا النوع من العلوم قد عدّته الندوة من أساسيات صناعة الإبداع والابتكار ، ورأت أن الشهادة الجامعية ، ما هي الا الخطوة الأولى ، وينبغي أن تتبعها خطوات في مسيرة تعليمية متواصلة لا تنقطع حتى بعد الحصول على الشهادات .
لا غرابة إذن ، حدوث طلاق نهائي بين مؤسسات التعليم العالي وبين احتياجات السوق ، والمفارقة التي تدعو للضحك ، ما تقدم عليه شركات النفط وفروعها في بلادنا من اختبارات لذكاء الخريجين الجامعيين في مجال العلوم من اجل تمييزهم في استحقاق الوظائف ، وهذا نظام غربي ، يطبق في بلادنا استنساخا لبيئة لا توفر التعليم الذكي ، فالطالب من الصفوف الأولى وهو يلقن ويحفظ ، ويعيده لمدرسه شفاهة او كتابة ، فكيف يتأتى له إعمال العقل في ظل هذا التأسيس ؟
وهذه العملية لم تعد صالحة لعصر الذكاء الاصطنلاعي ، بل انتهت صلاحيتها منذ فترة ، لكننا لا نزال نعمل به ، حتى مع الجيل الجديد ، وهو في رياض الأطفال ، ولا تزال تقذف مؤسساتنا التعليمية بمخرجات ينقصها العلم التجريبي الذي يؤسس المهارات اللازمة لسوق العمل ، وقد قدمت الندوة رؤى وآفاقا لتطوير وإصلاح واقعنا التعليمي من خلال تعرضها لتجارب عالمية ، نأخذ منها على الأقل ما يناسب بيئتنا في ظل الجهود الكبيرة التي تبذل من أجله .
فماذا ينبغي أن نستفيد من ندوة مستقبل الوظائف والتعليم في عصر الذكاء الاصطناعي لكي نواجه تحدياته فورا ؟ وهل رسالة الندوة وقد وصلت لصناع القرار ؟ وهل يعكفون الان على إحداث النقلة الحضارية الثانية للتعليم في بلادنا أم ستكون ندوة كمثيلاتها من الندوة التي استنزفت الأموال والجهود ، ودخلت في غياهيب النسيان ؟
- الخطوة الأولى : التلازمية الثنائية .
في ورقة البروفيسور جوزيف عون رئيس جامعة نورث إيسترن الامريكية ، وهو واحد من أفضل سبعة رؤساء جامعات في أمريكا ، ومؤلف كتاب ” برهان الروبوت : التعليم العالي في مجال الذكاء الاصطناعي ” ما قد يضعنا امام خطوات قابلة للتطبيق ، ولا تتحمل التأجيل ، فورقته تراهن على التعليم التجريبي في موازاة التعليم النظري ، في عمليتين متساويتن ، لا غنى عنهما ، لصناعة الابداع والابتكار ، فالتعليم التجريبي كما يرى عون ، سيساعد على تحويل النظريات الى معارف حقيقية ، وتعمل على تعميق الفهم الى ما وراء ماذا ؟ الى ماذا ؟
وفي مداخلة معلم سابق ، وهو الآن عضو في اللجنة الوطنية للشباب ، تساءل كيف يمكن الاعتداد بالتعليم التجريبي في ظل التعليم النظري من حيث الكم الذي يغرق المعلم في مستنقعه ، ويدفع بالطالب الى الحفظ ، وعلى الاعتماد المطلق على التعليم النظري فقط ، وهنا ظهرت لصناع التعليم في بلادنا الذين اغلبهم كانوا حاضرين في الندوة ، وكذلك لقيادات القطاع الخاص ومجموعة كبيرة من أساتذة الجامعتين والطلبة ، أهمية التعليم التجريبي في عصر الذكاء الاصطناعي .
وكذلك على أهمية التعليم بثنائيته: النظري والتجريبي لمدى الحياة ، وليس لمرحلة دون أخرى ، وقد أوضح الكثير من الاستدلالات على ان التعليم مدى الحياة لم يعد خيارا فرديا أو مؤسساتيا ، وإنما علمية لازمة لمواكبة ثورة الذكاء الاصطناعي ، لذلك فهو يرى أنه يجب على الجامعات وضع التعليم مدى الحياة في مركزية أعمالها ، ويدعوها الى ابتكار الطرق لتوفير التعليم لكل طالب ، وكذلك تطوير نظام جامعي عالمي يضمن فيه تبادل المعلمين للاستفادة من البرامج التعليمية والموارد وفرص التعليم التجريبي الفريدة من نوعها ، والاستفادة من هذه الشبكات مدى الحياة .
وبقدر ما كل جامعاتنا معنية بهذا التحول النوعي والكمي للتعليم الجامعي ، بقدر ما هو موجه لجامعتنا الجديدة التي تؤسس الآن ، كجامعة عمان التي أخذت السبق الى عقد هذه الندوة من اجل استشراف المستقبل وهي في طور الظهور ، وقد دفعت بنا هذه المبادرة الى طرح تساؤل ذهني ، حول استدراك جامعة في طور الولادة بتحديات عصر الذكاء الاصطناعي ، وعدم انشغال جامعاتنا الحكومية والخاصة بهذا الهاجس ؟
فهل يمكن تحقيق هذه الثنائية التلازمية فورا ؟ هذا أقل ما ينبغي العمل به ، وهو المعيار الذي سيوضح لنا مدى وصول رسالة الندوة الى صناع القرار أم لا ؟ من هنا نرى أن أولى خطوة يجب ان تتخذ عاجلا وليس آجلا ، تكمن في دعوة مجلس التعليم في بلادنا رجال الأعمال والشركات الكبيرة لجلسة حوارية ، ثم يعقبها ورش عمل مع المختصين فيها ، بهدف وضع خارطة بالوظائف التي يحتاجها سوق العمل التقني من جهة وإيجاد قنوات مشتركة للتعليم التجريبي من جهة ثانية ، فلدى هذه الشركات مراكز تدريب عالية المستوى ، وكوادر وأطر تجمع بين التعليم النظري والتعليم التجريبي ، مما تمتلك مخزونا ضخما من الخبرات .
وهذه الخارطة تبنى على أساس استشراف المهن التي ستختفي بفعل ثورة الذكاء الاصطناعي ، وتلك التي ستظهرها هذه الثورة ، وكذلك بحث كيفية توطين تكنولوجيا هذه الثورة حتى يكون تفاعلنا معها كفاعلين وليس كمتلقين ، فالثورة لا تزال في مرحلتها الأولى ، وقد بدأت قوية ومخيفة ، ولنا تصور آفاقها من الآن ؟
- الإصلاح التعليمي الشامل .
لن تكون الخطوة الأولى سالفة الذكر ، بمعزل عن إصلاحات تعليمية في بيئة التعليم في بلادنا ، من روض الأطفال الى آخر مراحله العليا ، على أن يوفر الإمكانية المواتية للكل على التعليم مدى الحياة ، وعلى اكساب المواطن المهارات والقدرات النافذة .
وهذه المهارات قد أصبحت الآن في ضوء تلكم الاستشرافات من بين أهم حقوق المواطن على دولته ، وإلا ، فإننا نتساءل عن كيفية مواجهة بلادنا عصر الذكاء ما لم نتخذ مثل تلكم الخطوات العاجلة ؟ خاصة في ضوء ما بشر به عون من ان (70% ) من الوظائف الحالية ستختفي بفعل ثورة الذكاء الاصطناعي .
وإذا ما سلمنا بهذه النتيجة ، فإنه في المقابل ستظهر مهن جديدة ، فكيف سنؤهل جيلنا لها اذا ما ظلينا متمسكين بنمطية تعليمنا ، فهل وصلت رسالة الندوة الى مجلس التعليم في بلادنا ؟ وكيف سيعمل بعد هذا العلم ؟
- “وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً “
دون شك ، هناك مبالغة في تقدير حجم عصر الذكاء الاصطناعي ، وهذا مرده الى الخلفية الأيديولوجية المجردة من البعد الثيولوجي ( الديني ) والتي تراهن على قدرات الآلة الذكية وتفوقها على البشر ، ومعها يسود الاعتقاد أو يروج له ، على اختفاء الجوانب الإنسانية ، وسيطرة الميكنة الجامدة من المشاعر والعواطف على الحياة المعاصرة ، بل ويذهبون الى اختفاء الإنسانية في عصر الذكاء الاصطناعي.
ونظرتنا لهذه المسألة ، أن الذكاء الاصطناعي ما هو الا امتداد للثورة الصناعية في سياقات تطورها المتواصل ، وهذا أفضل مثال على التعليم المستمر مدى الحياة ، الذي يقوده العلماء في مختبراتهم العلمية ، كما أنه أي الذكاء الاصطناعي من صنع الذكاء البشري ، ودون هذا الأخير ، لا يمكن أن يكون هناك ذكاء اصطناعي من العدم .
ومع هذا يقول الله عز وجل في الآية الكريمة ” وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلا
” وهذه الآية الكريمة إعجاز إلهي لكل زمان ومكان ، وليس لأولئك الذين يسألون عن الروح ، وهي تضع إنتاجات العقل البشري في سياق العلم ، وليس الخلق ، وفي سياقات النسبية المطلقة ، وهى أي الآية الكريمة في الوقت نفسه تشكل مرجعيتنا الأساسية لفهم السياقات العلمية وتطوراتها المذهلة بما فيها عصر الذكاء الاصطناعي .
لكن من المتفق عليه ، أن هناك عصرا للذكاء الاصطناعي يتم تأسيسه ، وهو في مراحله الأولى ، ويسير بسرعة فائقة ، وعلينا الاستعداد له من خلال تطوير التعليم في بلادنا ، لأن هناك فعلا مهنا ستختفي مقابل بروز مهن جديدة ، فمن الذكاء البشري المقابل للذكاء الاصطناعي ان نحضر بلادنا من الان للمرحلة المقبلة التي ستتميز بالذكاء .
لن يكون للدول التي تعتمد النمطية والتقليدية والجمود ، مكانٌ فيه ، بل ستواجه مجموعة مشاكل اجتماعية كبرى بسبب إحلال الآلة الذكية محل العقل البشري ، خاصة في ظل مؤشراته الراهنة التي بدأت فيها الآلة الذكية تؤدي اعمالا أكثر دقة من الأعمال الجسدية والحسابية بل والفكرية أيضا ، فمثلا التشخيص الطبي ، فدقة الحاسوب اتسون – كما أكدته الندوة مثل ما تؤكده الكثير من المراجع اطلعنا عليها – فاقت دقة الطبيب البشري في تشخيص أمراض السرطان بأربع مرات .
- التساؤل الجديد / القديم
هل الحاجة تحتم إقامة مركز لاستشراف المستقبليات ؟ نطرح هذا التساؤل في ضوء الوعي المحدود بتحديات عصر الذكاء الاصطناعي ، وانشغال الأغلبية بأعمالها اليومية ، والآنية تحديدا ، دون المستقبل القريب أو البعيد ، لذلك تدعو الحاجة الى مركز متخصص ومتفرغ من تكنوقراطيين ومن مختلف العلوم الإنسانية والعلمية ، لكي يزودوا صناع القرار بخرائط التحديات والاكراهات الداخلية والخارجية التي قد تواجه بلادنا .





