أثير- د.عبدالله باحجاج
توصف نخلة النارجيل “جوز الهند” بأنها ” شجرة الحياة ” ومعها ، يبدو عنوان المقال غريبا ومستفزا منذ الوهلة الأولى ، وكذلك مستنكرا ومن الوهلة نفسها ، على اعتبار أنه لن يوجد أحد يكره نخيل النارجيل “جوز الهند” التي تنفرد بها بلادنا ، وتحديدا في محافظة ظفار ، دون غيرها من دول شبه الجزيرة العربية ، لكن ورغم ذلك ، نطرح التساؤل مع سبق الإصرار والترصد .
والاستنكار والاستفزاز سنجده كذلك عند كل من زار محافظة ظفار من داخل البلاد وخارجها ، فهم يعرفون أن شجرة النارجيل العمانية هي بعمر التاريخ – كما يقولون – وكل من يطأ اقدامه جغرافية بلادنا الجنوبية ، سيعشق الشجرة وثمارها الطيبة ، وقد أصبحت أحد المقومات السياحية .
ومن يختلف معنا في التساؤل ، عليه أن يثبت لنا بالدليل حبه لنخلة النارجيل ، ليس كلاما ، وانما فعليا ، ولن نجده ، ولن يمكنه تقديمه للاستدلال به ، وقد لا يدري الكثير أنهم يقفون في موقف الكراهية للنخلة دون وعي ، وسنوفر لهم الوعي الآن ، عندها سيعلمون أن بموقفهم السلبي منها ، يكرهونها ” سلوكا عند البعض وفعلا عند آخرين ” وليس قلبيا ، عندها فقط ، لن يختلفوا معنا .
- مدخل لاستدراك الوعي بالإدانة .
وقد ارتأينا أن يكون هذا المدخل في شكل تساؤلات ، ومن خلالها سنثبت بالأدلة الدامغة ذلك الاتهام من جهة وكيف اعتبرناه واقعا من خلال صيغة التساؤل نفسه ، وإلا بالأحرى بنا أن يكون تساؤلنا كالتالي ” هل نكره شجرة الحياة ؟” عوضا عن ” لماذا نكره شجرة الحياة ” ؟ وهناك فرق جوهري بين التساؤلين في الدلالات والنتائج
، وهنا سنطرح مجموعة تساؤلات تحمل دلالات قطعية على الإدانة :
السؤال الأول :
هل الصورة التي في مقدمة المقال تعبر عن حب ؟ فلو كنا نحبها ، لمَ تركنا شجرة الحياة تفقد حقها في الحياة بعد ان حرمانها من المياه لسنوات طويلة ؟ والإدانة هنا عامة ، فالكل يشهد موتها ، وبالتالي فهو يشارك في إبادتها .
السؤال الثاني :
هل عندما تقتلع أشجار النارجيل من اجل رصف طريق دليل حب ؟ فكم من أشجار قد اقتلعت بقرار إداري ومن أدنى المستويات ، والكل بين متفرج وصامت .
السؤال الثالث :
هل عندما نشاهد جثث النارجيل ملقاة على الأرض من أجل إقامة مجمع تجاري أو سياحي دليل حب ؟ وما أكثر ما نشاهد هذه الأيام من تحويل الأراضي الزراعية الى مراكز تجارية ومجمعات سكنية على حساب شجرة الحياة .
- إبادة شجرة الحياة .
لو استمرينا في طرح أسئلة الإدانة .. سندين الكل بالاتهام ، وهو ليس وراءه كره قلبي متأصل ، وانما حالة اللامبالاة مجتمعية ونخبوية وحكومية ورسمية .. بسبب حالة الجنوح المادي الطاغية على حياتنا الجديدة ، وهى التي تصور لنا تلك الحالة العدائية ضد شجرة الحياة ، ويقف وراءها غياب الوعي بتداعيات ذلك مستقبلا .
فالكل صامت ومتفرج على إبادة شجرة الحياة بسهولة دون أن تستنهض مؤسسات الدولة المركزية واللامركزية ، الحكومية والمستقلة في الدفاع عنها ، بل رصدنا المساهمة العامة في الابادة تحت هواجس التنمية والتطور وتغيير استخدام الأراضي الزراعية الى تجارية .. ومن يظل متفرجا عليها ، لن يحاججنا بالمحبة .. نشعر بالألم الكبير ، وهو يشاهد أشجار النارجيل ، تقتلعها الجرافات أو نحرمها من المياه حتى تتحول الى اثر بعد عين – والصورة ناطقة بواقعها ومآلاته- وكل علامات الاستغراب من الموقف الرسمي والاجتماعي مما يحدث للنخلة .
- غياب الحب القلبي المتأصل .
هل تلكم مؤشرات المحبة أم العكس ؟ ربما نفتقر أصلا للحب القلبي المتأصل لثروات بلادنا التاريخية كالنارجيل والموز والفافاي .. رغم أهميتها الحضارية والمعاصرة ، لأنه – أي الحب المتأصل – لم يصنع في ذواتنا عند تأسيس الذهنية الاجتماعية ، ولم يسد هذا الفراغ تشريع رادع يجرم الفعل والسلوك ، ويجعل شجرة الحياة تمدنا بالبقاء ، ونستمد منها ارتباطنا بالأرض .
ومن هذه الرؤية التشخيصية العميقة ، لا غرابة ان يقبل الوعي المجتمعي والمؤسساتي بقاء شجرة الحياة من عدمها ، بل إنه أي الوعي يدفع بهذه الشجرة الى إنهائها من الوجود اذا ما كان وراءها مصلحة خاصة أو عامة ، حيث تتم عمليات الإبادة – الاقتلاع -كأن أقدامنا تدوس على النملة السوداء دون نوبة ضمير ، بل يكون إحساسنا بالنملة أكثر من اقتلاع نخلة .
وهنا تكمن اشكاليتنا الكبرى ، فطغيان المصلحة الذاتية جانحة وطاغية خلال المرحلة الراهنة ، وقد انكشفت لنا بصورة مقلقة متزامنة مع تحولات الدولة الاقتصادية ، بحيث بدأ لنا كل الثوابت وكل المفاهيم وكل ما كان متعارفا عليه .. يمكن أن يتحطم على صخر التحولات .
- شجرة الحياة .. سلة غذاء الأجداد.
شكلت هذه الشجرة في الأزمات والحروب الإقليمية والعالمية ، كالحرب العالمية الثانية التي أثرت على عملية الاستيراد والتصدير.. سلة غذاء الأجداد – كما يحدثنا أحدهم – مما لم تؤثر هذه الأحداث على وضعهم الغذائي ، فكانت النخلة والأرض الزراعية في السهل والجبل التي تجود كذلك بعدة محاصيل أخرى كالفافاي والموز وعدة أنواع من الفواكه والخضروات .. وكذلك بما يجود به المحيط الهندي من خيرات بحرية .. ضمانة أمن الأجداد الغذائي .
فهل تستحق النخلة والأرض الزراعية .. ما تتعرض له الان ؟ انها مستباحة دون وجود ضمانات لحماية وجودها ، تقتلع أرواحها بالإعدام او الموت البطيء ، فمن يتحمل المسؤولية في ظل وجود مؤسسات دولة – المركزية واللامركزية – مختصة مباشرة بالزراعة وغير مباشرة بها ، وهذه الأخيرة لها من الصلاحيات الاشرافية ما يجعلها تتدخل فورا في وقف إبادة الحياة للنخلة والأرض الزراعية .
مثل مكتب وزير الدولة ومحافظ ظفار الذي شرف من لدن المقام السامي بالاشراف على محافظة ظفار بهذا المستوى الإداري الرفيع ، وفيه من الكوادر والاطر التي تتشرف بانتمائها لهذه الأرض ، وللأسف بعضها من يشارك في هذه الإبادة ، كيف يستوي ذلك ، وهي في موقعها ينبغي أن تكون أمينة على النخلة وعلى الأراضي الزراعية ؟
لا يمكن التعويل على المؤسسات الديموقراطية الأخرى ، فأعضاؤها يحتاجون لمن يحل مشاكلهم الآن ، فكيف يحلون مشاكل مجتمعهم ، وهذه مفارقة كبرى ، ستوثر على الاستحقاقات الانتخابية المقبلة .
- النخلة .. تكشف مجددًا الأزمة .
قلنا في عدة مقالات ، أن ثروات بلادنا فوق تفكيرنا ، وهي رهينة اجتهادات يغلب عليها المصالح الفئوية والشخصية ، وبعيدة كل البعد عن الإدارة الوطنية لها ، والنخلة تمثل مجددا أكبر استدلال يمكن تقديمه .
فعوضا من استغلال نخلة النارجيل اقتصاديا ، نتخلص منها نهائيا ، وهي تشكل من النوادر الجغرافية في المنطقة ، ولا تتوفر في شبه الجزيرة العربية الا في بلادنا ، ولما بحثنا في ملف استغلاله اقتصاديا في الخارج ، ازددنا حسرة وأسى على واقع نخلتنا المهددة بالابادة .
وجدنا النخلة لها فوائد كثيرة، لا حصر لها ، وكل من يبحث عنها ، سيذهل ، ويتساءل كيف لم تقم عليها حتى الان صناعات كثيرة ؟؟ على سبيل المثال لا الحصر ، وجدنا أنه من هذه الشجرة يمكن استخلاص الزيت وصناعة أنواع مختلفة من الحلويات ومستحضرات التجميل والمراهم والكريمات ، وهو إحدى المكونات التي تدخل في تصنيع الصابون الطبيعي ومنتجات العناية بالجلد والشعر، وهو غني بحمض اللوريك وهذا الحمض مضاد للفيروسات والبكتريا…. إلخ، ومن مائها ، علاج لمرض الكلى والمسالك البولية، وهو أيضاً علاج لمرض الربو.
والقائمة طويلة لا حصر لها ، وهي تدلل على عدم تقديرنا لهذه النعمة المباركة التي تتمناها دول المنطقة ، وخصها الله بها بلادنا – ولله الحمد والشكر – فكيف نتجرأ باقتلاعها ؟
- اقتلاع النخلة.. جريمة غير قانونية.
لا يمكن توصيف ما يجري لنخلة النارجيل سوى اعتباره جريمة كبرى ، لكن للأسف لا يقع تحت طائلة القانون ، ثم لا تعتبر جريمة ، وفق النص القانوني الشهير ” لا عقوبة بدون نص ” فليس هناك تشريع يجرم مثل هذه الأفعال ، وبالتالي هناك فراغ تشريعي ، ومن خلاله تستبيح النخلة نهارا جهارا .
والمصلحة الوطنية العليا في حاضرها ومستقبلها ، تحتم سريعا استصدار قانون مغلظ العقوبات يمنع اقتلاع الأشجار المثمرة والمعمرة بصورة عامة ، والنخيل بصورة خاصة ، فهذه ثروات ذات عائد مالي كبير ، اذا لم نحسن إدارتها الآن ، فمن المؤكد أن جيلنا المقبل ، جيل الذكاء الاصطناعي ، سيكون في أمس الحاجة اليها .
وأخيرا، ينبغي القول بأن اقتلاع الأشجار المعمرة والمثمرة وبالذات النخيل اذا لم تكن الآن جريمة يعاقب عليها القانون ، فهي جريمة وطنية ، يقع فيها الكل مدانا دون استثناء ، ولن نفتح هنا ملف جهة كيف اقتلعت أشجار معمرة ومثمرة لها عدة سنوات ” بالمنشار” من أجل حارة ثالثة دون حساب أو عقاب ، وهذا القرار ينبغي أن لا يكون قرارا ادرايا ، واذا ما رأي القاضي بان التطور حتمي ، تنقل هذه الأشجار لمناطق أخرى بدلا من إعدامها بالمنشار وضح النهار ، انه فعلا كان منظرا مؤلما ، أسف ربما الكل لم يتألم به .
متى سيصدر تشريع يضمن للجيل المقبل الأراضي الزراعية وأشجارها المثمرة بما فيها شجرة الحياة ؟ ومتى ستكون لدينا جمعية مدنية فعالة للبيئة الإقليمية ؟ تساؤلات لا نتوقع ان تجد آذانًا مصغية لمؤسسات الديموقراطية المنتخبة ، فأعضاؤها قد انفصلوا عن المجتمع ، فما لنا سوى سلطتنا السياسية العليا ، فكيف ستصل رسالتنا لها ؟






