عزة الكميانية- روائية عمانية
بعدما نشرت مقال (العنوسة ودور الشباب في القضاء عليها) أجمع كثير من الشباب على أن غلاء المهور هو السبب الرئيس للعنوسة، وأن الكثير منهم يرغبون بالزواج ولكن لا يستطيعون بسبب التكاليف المرتفعة لحفلات الزفاف، ومن وجهة نظري غلاء المهور ليس السبب الرئيس للعنوسة إنما كما قلت في مقالي السابق بأن اختيار الشاب لعروس تصغره بكثير هو السبب الرئيس لحدوث العنوسة، وعدم التكافؤ العمري يؤدي إلى مشاكل كثيرة بعد الزواج بعدم التفاهم والانسجام بين الزوجين.
إذاً غلاء المهور هو السبب لتأخر الشباب عن الزواج – كما اتفق البعض علما بأن البعض الآخر نفى أن يكون هذا السبب وخاصة أن كثيرا من الشباب يملكون المال لكنهم يفضلون تبذيره في السفر عوضا عن الزواج- وتأخر الشباب عن الزواج يجعل الفتيات في مثل سنهم في قائمة الانتظار حتى يتقدم لهن شاب مناسب، ولكن للأسف هؤلاء الشباب بعدما يدِّخرون النقود ويُقدمون على الزواج، فإنهم يتزوجون من الفتيات اللاتي تصغرهم بسنوات كثيرة، وتظل الفتيات اللاتي في عمرهم بلا زواج، وبذلك تحدث العنوسة كما وضحت في المقال السابق.
وبعض الرجال قالوا بأن تعدد الزوجات هو الذي سيحل المشكلة.
التعدد سيزيد المشكلة ولن يحلها، لأن التعدد ليس حلاً للعنوسة إلا في الدول التي يكون فيها عدد الإناث أعلى من عدد الذكور، بينما في عُمان عدد الإناث أقل من عدد الذكور، وإن كان الفرق قليلاً إلا أنه يظل أقل، وفي هذه الحالة يصبح معنى التعدد أن يتزوج أحدهم زوجة من المفترض أن تكون زوجة لرجل آخر، وبذلك سيزيد غلاء المهور، لأن سوق الزواج سيزداد، وكلما زاد الطلب، وقل المعروض، زاد السعر، وأتحدث بلغة الأرقام ما دام أن هناك عددا كبيرا من الرجال لا يفكرون بالأنثى إلا كأنها بضاعة، يقل سعرها كلما تقدم بها العمر، ويزداد كلما كانت شابة وجميلة، دون النظر لحال الرجل إن كان شاباً ووسيماً أم لا، فهو من يدفع ولا يهم بعد ذلك شيء.
ويعتقد الكثيرون أن حلَّ مشكلة غلاء المهور بأيدي البنت وأهلها، فهم الذين يحددون المهر، ويتشرطون في كيفية إقامة العرس، وحفلة الخطوبة، وبعض الناس يحتفلون عند تسليم المهر، وكذلك عند نقش الحناء، ويرى الكثيرون أن تلك الحفلات المتتالية لا داعي لها، ولكن البعض يخشى من كلام الناس، فيلتزم بالعادات والتقاليد دون وعي منه أن في ذلك تبديدا للثروات، التي أمر الله تعالى بتنميتها، وليس هدرها في فترة زمنية قصيرة جدا.
ولكن حلّ مشكلة غلاء المهور بأيدي الشباب أيضا، فإذا استمر الشاب بالنظر للمرأة على أنها سلعة، فهي ستنظر له أيضا على أنه بنك متنقل ويحق لها أن تطلب منه ما تريد، وكذلك يحق لها أن تعتقد أنها سلعة غالية الثمن، ويجب على الشاب أن يدفع الكثير ليحظى بها.
غياب معنى مفهوم الزواج في عقل الشباب والفتيات هو الذي جعلهم يصلون لهذا الواقع المؤلم، فالمرأة تنظر للزواج على أنه متعة اقتناء الأشياء والسفر والنزهة، وامتلاك بيت حتى لو كان بالإيجار، هي من ستتربع على عرش مملكته، أما الرجل فينظر للزواج على أنه إشباع للغرائز والشهوات، والأنثى في نظره هي المرأة فائقة الجمال، الأنيقة والمتحررة، وهي مواصفات غرسها في عقله الإعلام، والمرأة كذلك لا ترى الرجل إلا ذلك البطل الرومانسي الوسيم الذي يُمطر حبيبته بكلمات الغزل والهدايا والورود، ولكن بعد الزواج يصطدمان بالواقع، فيظل الرجل يسدد فاتورة الإسراف الذي حدث في مراسيم زفافه، وسفره مع عروسه لشهر العسل، والبذخ الذي وقعا فيه بملء إرادتهما، دون أن يفكرا في عواقب ذلك في الدنيا والآخرة، وبذلك يُهمل الزوج زوجته وبيته، والزوجة ساعتئذٍ لن ترى الزواج سوى عبء ثقيل عليها، بسبب الأعمال المنزلية التي يجب أن تقوم بها، والواجبات الاجتماعية التي ينبغي ألا تهملها، والتي كانت معفية عنها وهي فتاة، أما وهي زوجة فإنها مجبرة عليها، وبذلك ينسيان في زحمة الأعمال الغرض الأساسي من الزواج وهو السكينة والطمأنينة، أن يجد كل منهما نصفه الآخر، فيبدآن بالدوران في دائرة مفرغة، يبحثان عن السعادة فلا يجدانها، والسعادة أمام عينيهما، وهما يتجاهلانها، المرأة تندب حظها لأنها وقعت في فخ زوج لا يعرف شيئاً عن الرومانسية، وتتحسر على جمالها الذي سيدفن مع زوج لا يُقدِّره، ولا يُعيره اهتماما، ويزداد عمق جرح الإهمال في قلبها إذا كانت من الفتيات اللاتي تقدَّم الكثيرون لخطبتها، والرجل يندب حظه لأنه يرى النساء الأخريات أجمل من زوجته، وخاصة اللاتي يطالع صورهن عبر الشاشات كل يوم، وربما يرى أن زوجته جميلة لكن لهاثه للنظر للنساء الأخريات يجعله يتمنى لو أن لديه أكثر من زوجة، دون أن يستمتع بما لديه، وربما يُقيم علاقات مُحرَّمة ليشبع رغباته بعد أن أحبط في زواجه، دون أن يبذل مجهوداً لجعل زوجته أجمل النساء في عينيه، وبذلك هي ستزداد جمالاً واهتماماً بنفسها كلما شعرت بذلك التقدير من زوجها، ولكن إن أهملها سيحدث العكس، فتذبل الوردة التي كانت متفتحة في بيت أهلها بعدما تدخل قفص الزوجية.
وربما يتساءل البعض وما الحل؟
إذا تغيَّرت نظرة الشاب من الفتاة، وتغيَّرت نظرة الفتاة من الشاب، ووعى كل منهما مفهوم الزواج بمعناه الحقيقي، فإن كل المشاكل التي تعيق الزواج المبكر ستختفي، وبالتالي ستختفي معها أسباب العنوسة، وكذلك ستختفي المشاكل التي تحدث بعد الزواج.
فالحل يكون بتوعية الشباب والفتيات بمفهوم الزواج، يجب أن يكون هناك دور كبير للإعلام في نشر التوعية، وكذلك يجب أن تهتم الجامعات والكليات بإقامة محاضرات توعوية كل فترة للطلاب والطالبات، أو في أماكن العمل، يشرح فيها المختصون معنى مفهوم الزواج، وكيفية اختيار الشريك المناسب، والعقبات أو المشكلات التي تنتظرهم في المستقبل بعد الزواج، وكيفية تداركها قبل حدوثها، فاختيار الشريك المناسب هو أول حل لتلك المشكلات، فاختيار الشريك المتقارب في العمر مهم جداً، فالفارق العمري يؤدي لمشكلات كثيرة – كما بينت في المقال السابق- كذلك يجب أن يكون هناك تقارب فكري بين الزوجين، ويجب أن تركز تلك المحاضرات على أهمية اختيار الشريك بحسب المواصفات التي يحلم بها في الطرف الآخر، وكذلك يجب أن تبيِّن للطرفين الاختلافات بين الجنسين، فالرجال من المريخ والنساء من الزهرة – كما يقول (جون غراي) مؤلف الكتاب الذي أنصح بقراءته قبل الزواج- حتى لا يصطدم الطرفان بعد الزواج فيعتقدان أن هذه الصفات ليست سوى في الشريك، وإنما يجب أن يعلم كلا الطرفين أن هناك صفات تميز كل جنس عن الآخر، وهي مغروسة في الجينات لا يمكن لأحد تغييرها، ويجب على كل طرف أن يتقبل الآخر بصفاته المغروسة فيه، وبذلك سوف نختصر الكثير من المشاكل وسوء الفهم بين الشريكين، كذلك يجب أن تركز تلك المحاضرات على العواقب المترتبة على البذخ والتبذير عند إقامة الأعراس، وتوعية الفتاة بكيفية إنفاق المهر، فدفع مهرٌ كبير لا يعني إنفاقه كله، يمكن للعروس أن تدَّخر منه، أو تقيم مشروعاً صغيراً يَدُرُّ عليها دخلاً شهرياً، وخاصة إذا كانت ليست موظفة، فتوعية الفتاة بأهمية الأمان أو الاستقلال المالي للمرأة مهم جداً، وأن تدير أموالها بنفسها، وذلك سيجنبها الكثير من المشكلات في المستقبل، وخاصة إذا حدث الطلاق، فكم من النساء تورطن إذا تطلقن، وتعرضن للإذلال والإهانة مع أطفالهن بعد الطلاق أو طلب الطلاق، لأنه لا مال لهن يقيهن من ظلم بعض الأزواج، وبعضهن أجبرن على أن يصبرن على أزواج خائنين أو مقصرين، لأنهن لا دخل مالي لهن سوى ما ينفقه عليهن أزواجهن.
إذاً توعية الطرفين قبل الزواج سيجنبهما الوقوع في الكثير من المشاكل، وخاصة المالية، التي تعد من أهم الأسباب لعدم الاستقرار في الحياة الزوجية.





