أثير- د.عبدالله باحجاج


عشنا وتعايشنا أمس الأول مع يوم النهضة العمانية المبارك ، واسهم كل زميل في التفاعل معه – كالعادة –من مرئيات وزوايا اهتماماته العاطفية والوطنية ، لأنه مناسبة وطنية تستحق مثل هذه الوقفات في كل اطره الزمنية ، وخاصة الان ، وبلادنا تدخل في طور زمني مختلف – شكلا وجوهرا – وبإكراهات كونية وتحديات إقليمية كبرى .
وفي هذا التحول الزمني غير المسبوق ، تأتي أهمية هذه الكتابات لتؤكد الثوابت والاجماع الوطني رغم التحولات الجوهرية ، وقد اخذت – أي الكتابات- في مضامينها نوعين من الاتجاهات الفكرية ، الأول ، تأكيد الثوابت والتمسك بها ، والدخول في مقارنات زمنية بين المتحقق الشامل في زمنية صيرورة النهضة العمانية الأولى ، وبين الاوضاع التي كانت سائدة ما قبلها ، والأغلبية من الكتابات قد تبنت هذه المنهجية ، وهي مهمة جدا ، لأنها تبعث برسائل سياسية في تواقيت زمنية مهمة جدا وعاجلة جدا .
والنوع الثاني من الكتابات ، قد تبني التحليل الاستشرافي لمسارين زمنيين للنهضة العمانية ، بهدف توضيح التحديات التي قد تواجه بلادنا مستقبلا ، وكيفية مواجهتها ؟ وقلة من الكتابات من قد تبنت هذه المنهجية .
ونجد انفسنا هنا ننحو نحو هذه المقاربة المهمة ، للحاجة الوطنية الملحة في ظرفيتها الزمنية الراهنة ، لأن قضيتنا الكبرى نجدها في كيفية تبصير الوعي السياسي والعام في كيفية الحفاظ على الثوابت ومنجزاتها الكبرى في عصر جديد بكل ما تحمله الكلمة من معاني مباشرة وخلفيات لا ترى بالعين المجردة .
وقد اصبحنا نرى آثارها في اختراقات خارجية لشأننا الداخلي نفاذا من فراغات لم يعمل الوعي السياسي حتى الان على ضمانتها رغم أهميتها ، لأنه منشغل ” ظاهريا ” بالتحولات الاقتصادية الكبرى في بلادنا دون دراسة انعكاساتها الاجتماعية .
وتستدعي مقاربتنا المنهجية لهذا الموضوع تناول الفكرة الأساسية لهذا المقال عبر المحورين التاليين:
الأول : النهضة العمانية .. ومساران زمنيان مختلفان .
الثاني : تحديات وإكراهات الصيرورة الزمنية الثانية.
وقبل ذلك ، سنفتح نافذة صغيرة ، وبصورة سريعة ، لكي نطل من خلالها على ماهية من ماهيات التحديات التي تواجه بلادنا الان ، والتي تحاول ان تستغل تحولاتها أي البلاد للتكييف مع الازمة النفطية .
===
أولا : استهداف شأننا الداخلي .
هنا، ينبغي ان نستحضر الحملات الإعلامية المتصاعدة ضد بلادنا ، واخرها مسرحية ما يسمى بتسريبات احدى الصحف اللبنانية حول ما قيل عن محاولات دولة مجاورة للنيل من بلادنا ، وبصرف النظر عمن وراءها ، وعن مقاصدها ، وعن سر توقيتاتها السياسية ، فلن تتمكن من النفاذ الى قناعات المجتمع ، ولن تمس وعيه المحصن بمسلمات العيش المشترك ، وبخيار وحدته الوطنية والترابية .
وهي الان ، أي هذه المحاولات هي من قبيل العبث أو كمن يصرخ في واد سحيق – كما يقال – وقد تصدت لها مثل تلكم الكتابات الصحفية بصورة واضحة عندما عبرت عن تلاحم ووحدة المجتمع وعلاقته القوية بسلطته السياسية .
والتساؤلان اللذين ينبغي أن يطرحا على الفرد والجماعة والحكومة في وقت واحد ، هو كيف ينبغي أن نظل يقظين وحذرين من هذه الحملات ؟ وكيف نعمل على ردم كل البيئات المواتية لاختراقها شأننا الداخلي أثناء تحولات الدولة الاقتصادية الكبرى ؟
تستوقفنا هنا فقرة من فقرات خطاب عاهل البلاد -حفظه الله ورعاه- في احدى خطبه السياسية اثناء مرحلة التأسيس الأولى ، وذلك عندما ” واحمد الله ، أني واثق بإخلاصكم متأكد من انتباهكم ، فخورا بيقظتكم ، فسيروا على بركة الله ، مجدين مجتهدين عاملين على رقي هذا البلد الأمين ورفعة شأنه “
ففي هذه الفقرة وسائل وادوات نجاح مواجهة كل التحديات الراهنة والمقبلة ، مثلما ما نجحنا في الماضي على مواجهتها ، ومن هذه الفقرة ، نقدم خلال المحور التالي ، قراءة وطنية استشرافية لدواعي الانتباه واليقظة التي تستمد شرعيتها مما سبق ذكره .
ثانيا : النهضة العمانية .. ومساران زمنيان مختلفان .
يختزل التساؤل الذي عنونا به المقال أهم مسارين زمنيين تاريخيين لنهضتنا المباركة التي انطلقت في الثالث والعشرين من يوليو 1970 ، وهما ، مسار التأسيس والثبات ، أي تأسيس دولة عصرية قائمة على المؤسسات والقوانين وفق مرجعية عليا تستمد منها السلط والقوانين وتكون حاكمة للخلاف والخلافات بين القوى الداخلية ، وقد امتد هذا المسار من عام 1975 – 2013، وقد كان مرتبطا بمفهوم محدد ومبسط لدور الدولة في المجتمع ، وهو مفهوم دولة الرفاة، ويطلق عليه كذلك دولة الرعاية .
وهذا المفهوم يعني أن الدولة تلعب الدور الأساسي في حماية وتوفير الرفاه الاقتصادي والاجتماعي لمواطنيها ، ومن خلال هذا الدور ، فقد تم تحقيق النجاح من خلال بسط ونشر قوافل التنمية الشاملة في كل شبر من ترابنا الوطني .
لكن ماذا عن الفترة الممتدة من 1970 – 1975؟ فقد كانت فترة لصناعة وترسيخ الوحدة الترابية والوطنية ، وحمل كل المجتمع بأفراده وبفئاته وشرائحه المختلفة على الانصهار والاندماج في النظام السياسي الجديد ، واجندته الوطنية ، وقد تحقق ذلك سريعا من خلال المبادي والاسس والقيم التي جاءت بها النهضة العمانية ، بحيث وجد كل مواطن ذاته فيها ، ومستقبله الواعد في برامجها واجندتها .
فتوحد افراد الاسرة الواحدة التي كانت تشطرها مجموعات ايديولوجيات متعددة ، لا تقبل العيش ولا التعايش في اطار الرابطة الاسرية الواحدة ولا الوحدة المكانية المشتركة ، كما توحد ترابنا الوطني الذي كان مهددا بالتشطير والانقسام بفعل تعدد الأيديولوجيات وعدم قبولها مسلمات التعايش الطبيعية نتيجة لعوامل كثيرة .. قامت النهضة العمانية بحل اشكالياتها المتعارضة والمتصارعة .
وذلك من خلال عدة وسائل استراتيجية ، ابرزها صناعة الوعي الاجتماعي الجديد عن طريق التعليم والصحة والتنمية .. وفتح كل أبواب الامل للفرد والجماعة في التفكير نحو المستقبل دون الارتهان للحاضر الذي كان يشده للماضي ، داخل حدود سياسية معترف بها إقليميا ودوليا .
بحيث اصبح الجزء الجغرافي ينظر للكل الجغرافي في اطار المنظومة الوطنية الجامعة للكليات والخصوصيات ، والمتوحدة في سلطتها السياسية ، والمتعددة في سلطاتها الخدمية والمحلية ، وبهذا احتوت السيكولوجيات ، وتعايشت في اطار الدولة العمانية الحديثة .
وقد كان العامل الحاسم في النجاح المطلق – من منظور صناعة الوعي الجديد – تبني الدولة مفهوم دولة الرعاية – سالف الذكر – وقد كانت تحتمه السياقات السياسية لمرحلة الانعتاق من مخلفات التخلف الشامل قبل ان تهز الدول النفطية أزمات النفط الوجودية ، كالتي تفجرت منذ منتصف عام 2014 ، ووصلت أسعار النفط في حينها الى (30) دولارا للبرميل ، فهل لا تزال هذه السياقات قائمة وبقوة ؟
والمسار الثاني ، وهو الصيرورة الزمنية الجديدة التي دخلتها بلادنا بعد الازمة النفطية ، وانتقل معها مفهوم دولة الرعاية الى دولة الجبايات ، وهما يقفان على طرفي نقيض تماما ، وتعرف دولة الجبايات في المصطلحات العلمية بانها دولة تقوم باقتطاعات نقدية من الافراد لتغطية نفقاتها ، ويكون ذلك على شكل ضرائب ورسوم ، ويحدث ذلك دون تهيئة مجتمعية لهذا التحول في مفهوم الدولة .
بمعنى آخر ، أن المجتمع بعد ما كان يتلقى الخدمات بالمجان أو شبه مجان ، ويحظى برعاية الدولة ” الريعية ” قد وجد نفسه الان ملزما أن يدفع مقابلها رسوم وضرائب ، فما مدى مقدرته المالية على الدفع الان ؟
من خلال ما تقدم ، يتضح لنا حجم التحول الاستراتيجي في دور الدولة من توفير الرعاية والتنمية للمجتمع من خلال العوائد النفطية والغازية ، الى توفيرها من خلال موارد يتم تحصيلها من المواطنين ، وهذا التحول الاستراتيجي للدولة ، من المؤكد سيكون له انعكاسات على المجتمع ، فما حجمها ؟
الثاني : تحديات وإكراهات الصيرورة الزمنية الثانية.
من الطبيعي تسمية الأشياء بمسمياتها الواقعية ، فالتسليم بوجود تحديات ، مسألة بديهية حتى في الأمور الاعتيادية ، فكيف في ظل الصيرورة الزمنية الجديدة التي اشرنا لملامحها سابقا ، لان هاجس الدولة بكل عناصرها الأساسية وعلى وجه الخصوص ” السلطة السياسية و الشعب والسيادة .. ” يكمن في كيفية الحفاظ على ما تحقق في بلادنا طوال العقود الماضية ، وتطوير وتعزيز المتحقق.
ويتمركز الهاجس بصورة اكبر في المناطق الاجتماعية والسياسية التي تستهدفها الحملات الإعلامية المغرضة ، والتي نتوقع تصعيدها بصورة ممنهجة ، فتزامنها مع الصيرورة القهرية الخارج عن ارادتنا ، يستدعي فعلا التنبيه منها ، والعمل على سد كل منافذ دخولها في مرحلة الجبايات .
والمتأمل فيها ، سيدرك أن الرهانات على منظومة الضرائب والرسوم ، وفي صورتها الراهنة ، لن تمكننا من مواجهة التحديات كما يجب ، وستترك فراغات .. يمكن النفاذ منها ، لأنها ستؤلد بيئات مواتية لها .
والحل ؟
التخفيف من وطأة الضرائب والرسوم على المجتمع ، والتفكير في بدائل أكثر سلامة .. ما هي هذه البدائل ؟ سنتركها في مقال ورقي مقبل ، لكن التفكير فيها ، يحتم جلسات عصف مستقلة ومتخصصة ، ومن منطلقات فكر النهضة العمانية الذي تمكنت بلادنا من خلاله كسب كل التحديات خلال الصيرورة الزمنية الأولى ، فهذا الفكر نجد صلاحيته مواتية لكل الصيرورات الزمنية ، لأنه ينفذ للأدوات الضامنة للاستقرار مهما كانت التحديات الداخلية والخارجية .
ونخص بالذكر هنا ، الرهان على كسب المواطن لدولته من البعد الغائي للتنمية الإنسانية ، من هنا يمكن القول بأن التنمية في بلادنا قد ارتكزت على الانسان ، فراعت بعده السيكولوجي حتى قبل حاجته المادية في الاكل والشرب .. فكسبت المواطن ، وبالتالي ، فإن هذا النهج هو اهم ضمانات المواجهة ، وشرطنا الأساسي للنجاح .
وعليه – أي على هذا النهج – يمكن قياس مدى نجاح منظومة الضرائب والرسوم من عدمها ، خاصة تلك التي ستطبق في يناير عام 2019 ، وهي ضريبة القيمة المضافة ورسوم البلديات الشاملة ، وهذا التزامن في التطبيق يطرح مجموعة تساؤلات كبرى ، أبرزها ، عن الحكمة من وراء هذا التزامن ، وانعكاساتها الاجتماعية ؟ وكذلك الرهان على منظومة الضرائب والبدائل رغم وجود بدائل ناجحة وفاعلة ؟ ما هي طبيعتها ؟ هذا موضوع مقالنا الورقي المقبل .





