
عندما يصل الإقبال السياحي لخريف ظفار عام 2018 ، الى أكثر من نصف مليون سائح حتى السادس من أغسطس ، هل هذا يؤشر على النجاح المضطرد المأمول للسياحة في بلادنا عامة والخريفية خاصة ؟ فالأرقام الكلية دائما لا تعطي الخلفيات ، ولا يمكن الاعتداد بها على علتها في الحكم ، ولا في رسم الخطط السياحية ، ولابد من تحليلها بعمق اذا ما اردنا ان نحدث الاختراق الإيجابي في القطاع السياحي على وجه الخصوص .
فالإحصائية الرسمية المنشورة من المركز الوطني للإحصاء والمعلومات تشير الى أن نسبة الزيادة خلال تلكم الفترة مقارنة بالفترة نفسها من خريف عام 2017 ، بلغت أكثر ( 42،2% ) ، وهذه زيادة كبيرة ومعتبرة ، وقد ترتفع في نهاية الموسم السياحي الى (50%) وربما أكثر ، وهنا تلح علينا في الطرح مجموعة تساؤلات كبيرة وموضوعية:
مثل : ما حصة السياحة الخليجية من تلكم النسبة المرتفعة ؟ ومهما بلغت من نمو الا اننا نعتبرها دون المستوى الذي ينبغي أن نستهدفه بذاته ، لماذا ؟ سنؤجل الإجابة قليلا ، فأولا علينا ان نعرف حجمها حتى تتضح لنا الصورة الواقعية قبل ان نفتح الصورة التي يجب ان تكون ، ولظروفها المواتية التي تلح عليها ان تكون ، ولماذا لم تكن ؟ وكيف يجب ان تكون آجلا وليس عاجلا ؟
· الإقبال السياحي وجنسياته .
كالعادة ، تستحوذ السياحة الداخلية على نصيب الأسد ، فقد بلغ حجمها وفق آخر إحصائية وردت الينا من مصدر رسمي في بلدية ظفار منذ بداية الفصل السياحي وحتى السادس من أغسطس الحالي ( 413،015) الف زائر ، وجاءت كالعادة دائما الامارات في المرتبة الثانية بحجم ( 49،594) الف ، وفي المرتبة الثالثة جاءت السعودية بعدد ( 31،477) الف ، واحتفظت قطر بالمرتبة الرابعة بعدد (372، 5) الف ، والبحرين بحصة ( 261، 4) الف والكويت بحصة بلغت (3،503) الف .
فيما بلغت حصة الاشقاء العرب من خارج دول مجلس التعاون الخليجي (11،576) الف ، ومن اسيا (17،053) الف ، ومن أوروبا (1،827) الف ومن دول أخرى (968) سائحا ، والمجموع الكلي (538،646) زائرا وسائحا حتى ذلك التاريخ .
والتساؤلات التي تطرح في ضوء تلكم الأرقام ، هل عدد السياح الخليجيين في مستوى الطموح المستهدف ؟ وهل هناك طموح سياحي سنوي مستهدف لرفع نسبة السياحة الخليجية ؟
المشكلة ننظر اليها في غياب برامج التسويق والجذب ، وكذلك في افتقارنا للمرافق السياحية الجاذبة للسائح الخليجي وعائلته التي يمكن أن تنافس دولا إقليمية سياحية ، إذ لا تزال النظرة التقليدية قائمة منذ عدة عقود ماضية ، وهي أن الخريف جاذب لذاته ، وهذا يدلل على اننا بعيدون عن صناعة سياحية تنافسية يمكن أن تدر على بلادنا إيرادات تحقق طموح الدولة في تنويع مصادر الدخل .
· المطلوب سريعا ؟
نرجع السبب فيما تقدم الى مسألتين ، الأولى في الخطط نفسها ، والثانية في الأداء التنفيذي ، والاشكالية تكمن في تزامن المسألتين ، فالخطة الاستراتيجية تضع أهمية قطاع السياحة الاستراتيجية ضمن رؤية بعيدة المدى 2040 ، وبالتالي هناك انفاس طويلة قد تركن للسبات العميق ، وقد تكيف نفسها ، وتدخل في حسابات المدد الزمنية الطويلة للخطة ، ومن سيظل ومن سيرحل ؟ في ظل غياب أو تفعيل اطر المساءلة والمحاسبة في الإنجازات المرحلية لكل قطاع اقتصادي بديل .
، فالمدد الطويلة ، لا تعبر دائما عن إرادة التحول الحقيقية ، وتغرق التنفيذ في مستنقع التسويفات القاتلة للتطور المرحلي والشامل ، وتجعلها رهينة الظروف المرحلية ، مثل رؤية 2020 .
وهذا يحدث ” للأسف ” في مرحلة ضغط الإيرادات النفطية على موازنة البلاد عندما كانت أسعار النفط منخفضة جدا ، ففي حينها كان يستوجب ان يدفع بنا القلق الى شحذ الهمم واختراق الجدران الزمنية لتحقيق التنويع الاقتصادي المضمون النتائج ، وهذا لم يحدث ، فهل نتوقع حدوثه الان في مرحلة تحسن الأسعار ؟
وأول الخطوات التي تستوجب التطبيق ، حصر النتائج السياحية المرجوة تحقيقها في الرؤية الى مدة زمنية قصير المدى – أي خمس سنوات ، فلماذا ننتظر حتى 2040 حتى يحقق لنا القطاع السياحي أكثر من 500 ألف فرصة عمل بحجم استثمارات متوقع بـ19 مليار ريال ؟ ولماذا الانتظار طويلا حتى رفع مساهمة السياحة في الناتج المحلي الإجمالي من 6 ـــ 10% ؟ هذه النسبة يمكن تحقيقها على المدى القصير وليس الطويل ، شريطة ان تتوفر لها إرادة وعقول تنفيذية.
ولو توفرت هذه الشرطية لربما اخترقنا حاجز (15%- 20% ) على المدى القصير وليس الطويل – كما يرى بعض الزملاء اثناء حديثهم معنا – إذن ، فعلى أي أسس ومعايير تحدد مثل تلكم النسب وتقترن بمدد زمنية طويلة لن يكون المسؤولون عنها على رأس مناصبهم الوظيفية أو العمرية – والله يطول اعمار الكل – ؟ .
· حجية التحول الجديد .
طرحنا ينبني على الواقع الواعد للسياحة الخليجية العائلية وحصتها من نصيب السياحية العالمية ، فوفق احصائيات عام 2014 ، استحوذت السياحة العائلية على ( 5، 12% ) من سوق السياحة العالمية ، بحجم انفاق يصل الى ( اثنين ) تريليون دولار ، ويبذل معدل نموه السنوي المتوقع ( 79، 4%) حتى عام 2020 ، اتدرون كم نصيب السياحة العائلية الخليجية ، انها تسهم بنحو (31%) من حجم الانفاق الإجمالي على الأنشطة السياحية ، وهذا رقم كبير جدا ، ولو حاولنا نفصله سريعا ، فسنجد مساهمة السياحة الإماراتية فيه اكثر من (10) مليارات دولار ، والسعودية بنحو (17) مليار دولار و(7) مليارات الكويت و(18،2) ايران .
الخاتمة :
تلكم الأرقام الفلكية الخليجية ، تجعلنا ننظر لحجم الاقبال السياحي الخليجي على السياحة الخريفية دون المستوى رغم أهميته ، وتدفع بنا الى استهداف نموها سنويا عبر خطط مدروسة لدواعي تحويلة بوصلتها ، وهذا لن يتأتى من خلال منطق ” الخريف يسوق ذاته بذاته ” وانما من خلال اطلاق مشاريع سياحية كبيرة ومتنوعة تشمل أنشطة مسلية للعائلات .. وحدائق مختلفة ، والإسراع في انجاز المشاريع السياحية المؤجلة والمعرقلة .. لكن وفق رؤية تربط ولايات محافظة ظفار برباط التكاملي في توزيع مصادر السياحة المختلفة ، فتتوفر لكل ولاية مزايا سياحية تختلف عن بعضها البعض ، وتحويلها الى صناعة سياحية مستدامة قد أصبحت تفرض نفسها الان .. اذا ما اردنا للسياحة ان تكون فعلا مصدرا أساسيا للدخل .. وللموضوع تكملة .






