د.عبدالله باحجاج: مجلس القوة الذكية .. وحتميته المتناغمة ” ظرفيا” مع السيف السريع “3”

عن الكاتب

د.عبدالله  باحجاج
د.عبدالله باحجاج

كاتب، وباحث، وصحفي عُماني

د.عبدالله باحجاج: مجلس القوة الذكية .. وحتميته المتناغمة ” ظرفيا” مع السيف السريع “3”
د.عبدالله باحجاج: مجلس القوة الذكية .. وحتميته المتناغمة ” ظرفيا” مع السيف السريع “3”

أثير- د.عبدالله باحجاج

يضعنا عنوان المقال عند آخر ما توقفنا عنده في مقالنا السابق المعنون باسم السيف السريع “3” ورسائله السياسية القاطعة ، فهل نحتاج لسيف آخر لتحصين قوتنا الناعمة ؟ وفيه ، أي هذا المقال، سنحاول الإجابة عن الشق الأخير من التساؤل سالف الذكر ، فهل فعلا تحتاج بلادنا لسيف آخر لتعزيز وجاهزية القوة الناعمة لبلادنا ؟

وهذا التساؤل نطرحه على غرار ما تستدعيه الحاجة الوطنية الآن لإقامة السيف السريع ” 3″ الذي هو عبارة عن تمرين عسكري لكامل قوات السلطان المسلحة والأجهزة الأمنية مع قوات الملكية البريطانية في أكتوبر المقبل، فالهدف من هذا التمرين ، كما أوضحنا ذلك في المقال السابق ، رفع جاهزية قوات السلطان المسلحة لمواجهة اية احتمالات طارئة او طامعة أو مستفزة من جهات بلادنا الحدودية المختلفة ، البر والجو والبحر .

وعلى غرار ذلك ، ينصرف تفكيرنا نحو قوتنا الناعمة ، فهي بحاجة من جانبها الى جهوزية عالية المستوى لمواجهة مختلف التحديات التي تواجهها ، وقد أصبحت معلومة بالضرورة ، وبعضها قد اصبح يتمدد على اطراف من أجزاء جغرافيتنا ، وبعض التحديات تنفجر من داخلنا بسبب سياسات وممارسات بيروقراطية .

من هنا نجد أن بلادنا تقف الآن عند حتميات التكاملية الثنائية لجاهزية قوتها الصلبة / العسكرية والاقتصادية / وفي الوقت نفسه ، جاهزية قوتها الناعمة ، التي يعبر عنها هنا المجتمع بقيمه وحضارته وتاريخه وموروثاته وفنونه ، وتطبيقاته لها ، فهي بدورها تحتاج لجاهزية مرتفعة أسوة بالجاهزية العسكرية لقوات السلطان المسلحة البرية والجوية والبحرية والأجهزة الأمنية .

وبقدر حتمية تلك الجاهزية الآن ، فإن هناك حتمية متزامنة لا تقل شأنا عنها كذلك ، وهي الاستخدام الذكي للقوة الناعمة ، وهذا يفتح الأفق على مصراعيه في إمكانية إقامة مجلس ذكي للقوة الناعمة ، فرغم ان كل عوامل ومقومات هذه القوة متوفرة الآن ، الا أنها تثير الآن هاجسين مرتفعين ، الأول ، كيفية الحفاظ عليها في عصر التحولات الاقتصادية الكبرى لرؤية 2040 ، والثاني ، الاستخدام الذكي لها في الأوقات المناسبة .

وهنا نتساءل ، عن نجاح إدارة قوتنا الصلبة طوال العقود الماضية ، بحيث لم تتجرأ اية قوة صلبة خارجية في المساس المادي بسيادة أراضينا حتى الان ؟ في المقابل ، كيف يتجرأ هذا المحيط الإقليمي في المساس والزعم بسيادة مفاصل مهمة من مفاصل قوتنا الناعمة ؟

الفرق واضح ، أن للأولى مجلسا ذكيا يدير قوتنا الصلبة من خلال منظور إدارة أزمات قبل أن تقع حتى لا تقع ، ولنا في التمرين العسكري الضخم القريب نموذجا على ذلك .

ويخطئ من يغرق في التوالي الزمني لهذا التمرين العسكري ، ويجانبه الصواب من يربطه بالكثير من السياقات الإقليمية والدولية ، وآفاق المرحلة السياسية المقبلة ببعديها الداخلي والخارجي ، ويتقاطع معها كذلك ، إصرار عماني على إقامة التمرين في توقيته الزمني رغم كل الظروف التي كانت تحول دون إقامته في موعده ، لذلك كان الإصرار العماني على اقامته بصورة أضخم من النسخ السابقة ، وأكبر من أي تمرين عسكري في المنطقة سواء كان محليا خالصا أو مشتركا مع دول صديقة أو حليفة .

من هنا ينبغي أن تفهم تلكم الرسائل ضمن سياقات ظرفياتها وخلفياتها ، دون الإغراق في التسلسل الزمني للتمرين العسكري ، فلو لم تكن هناك ضرورة عاجلة ، جيوسياسية لهذا السيف العسكري في نسخته الثالثة ، لما كان الإصرار العماني على إقامته في ظل الظرفية المالية المعقدة التي تعيشها الدول النفطية بما فيها السلطنة ، فهذا التمرين العسكري ليس ترفًا ، ولا تحتمه ضرورة دنيا حتى ينصرف الوعي السياسي عن فهم مثل تلكم الحيثيات الدافعة له .

والثانية ، عدم وجود مجلس للقوة الذكية ، لذلك تظل حقوق بلادنا التاريخية والحضارية وحتى المعنوية منها ، مستباحة من محيطنا الإقليمي لعدم وجود إدارة ذكية لها ، وتنقلنا من ردة الفعل لكل عمل مستفز الى صناعة الفعل المبرمج المخطط بديلا من الاجتهادات والاغراق في سلبية الصمت المحير .

فلو فتحنا الرؤية الاستراتيجية لخارطة التحديات الجيوسياسية – والجيواستراتيجية لبلادنا ، سنرى أن لدينا قوة ناعمة لن تقل شأنا عن قوتنا الصلبة ، بل هي أساس الجوهر البنائي لدولتنا ، تشكل مع قوتنا الصلبة ، الفارق الكمي والنوعي في استفراد بلادنا بعنصر التفوق في القوة الإقليمية بثنائيتها الردعية – القوتين الصلبة والناعمة – .

من هنا نقترح إقامة ” مجلس القوة الذكية ” خروجًا عن سياقات دول المنطقة التي لجأت منذ عام 2017 من بينها الامارات والسعودية الى تأسيس مجلس القوة الناعمة ، فمثل هذه الدول ، تحاول أن تجمع عناصر قوة ناعمة من وحي تاريخها وحضارتها ، وبعضها يلجأ الى صناعتها بالمزاعم والادعاءات .

الأهم هنا ، أن هذه الدول قد أصبحت تؤمن بتأثير القوة الناعمة ، وقدرتها على تحقيق اجندتها أكثر من القوة الخشنة المتمثلة في القوة العسكرية والقوة الاقتصادية ، ويمكن إرجاع كل ما يخرج سابقا وحاليا ومستقبلا من هذه الدول من مزاعم او ادعاءات … الى ان وراءها مؤسسات مثل هذه المجالس .

واقتراحنا باسم ” القوة الذكية ” الذي تتبناه دول كبرى كأمريكا والصين وبريطانيا ، ينطلق من فكرة المسمى نفسه من جهة ومن الحاجة الداخلية قبل الخارجية له ، فقوة بلادنا الناعمة ليست في حاجة الى تجميع أو تسويق او إعلام الآخرين بها .. وانما الى اعمال العقل في كيفية تقويتها والحفاظ عليها من تداعيات الرسوم والضرائب وقلة فرص العمل .. وكذلك إعمال الذكاء في تحويلها الى قوة ردع محصنة من اية اختراقات خارجية ، وإعمال الذكاء نفسه في تأطير وتأصيل قوتنا الناعمة – المادية والمعنوية – في تشكيل ذهنيات ديموغرافيتنا العمانية المتعاقبة ؟

خاصة واننا في عالم قد أصبح يوظف قوته الناعمة لخدمة مصالحه المختلفة ، وتقديم نفسه للعالم من منظور حضاراته وتاريخه ، وانعكاسات ذلك على مجتمعاته المعاصرة ، بينما نجد اهتمامنا المحلي بهذه القوة في مستويات لا ترتقي إلى الاهتمامات التي تجعلها معززة لقوتنا الخشنة ، وسابقة لها في التوظيفات الداعمة للمصالح ، بل وجدناها مستباحة من الخارج ، وأخطاء كبرى ترتكب من الداخل ، كاقتطاع محافظة مسندم من خارطة السلطنة في أحد كتبنا المدرسية ، والسماح بإغراقنا بالاستثمارات الحدودية وفي مشاريع استراتيجية رغم حساسيتها السياسية .. الخ .

وغياب مجلس القوة الذكية ، يجعل من كل مؤسساتنا الحكومية والرسمية تحت ردة الفعل بصورة دائمة تجاه اية استفزازات من الخارج ، لذلك ، فان إقامة هذا المجلس يتيح لبلادنا: تكرار” الانتقال من ردة الفعل الى صناعة الفعل الذي يحافظ على ذاكرتنا الاجتماعية بحقوقها التاريخية – المادية والمعنوية – مهما تعاقبت الأجيال، ومهما كانت الاستفزازات .

مما كل ما تقدم ، فإن مصلحتنا الوطنية تحتم إقامة مجلس للقوة الذكية بهذا الاسم ، وبمستويات رفيعة جدا ، ومن اطر وكوادر محصنة من الاختراقات ، ووطنية من الوزن الثقيل ، يكون لديها المقدرة العلمية والفكرية والسياسية لوضع استراتيجية للقوة الناعمة العمانية ، وآليات تطبيقها ، لكي تواجه مختلف التحديات المشتركة من منظور تفكير واحد وموحد ، ومتكامل ، ومتعدد النتائج .

وبذلك تكون جاهزية قوتنا الناعمة في مستوى جاهزية قوتنا الخشنة ، ومحصنة بولاءات وانتماءات مقدسة ، وبعيدة كل البعد عن الاجتهادات الفردانية ، والعمل العشوائي ، وقوتنا الناعمة ليست معنية بها وزارة دون أخرى أو فاعل دون آخرين .. حتى نحمل مسؤولية استلاب حقوقنا التاريخية ورموزها المشهورين وزارة بذاتها ، لأنها أي القوة الناعمة تشكل منظومة حياتنا كاملة في ماضيها وحاضرها ومستقبلها ، فلابد ان يكون لها مجلس متخصص يضع الخطط ويرسم السياسات ، ويخلق التوافق المتناغم مع قوتنا الصلبة ، وهنا يكون الذكاء الموصف بالقوة الناعمة .

ولنا في نجاح دبلوماسيتنا نموذجا نبني عليه ، فهي ربما تكون الوحيدة التي وضفت قوتنا الناعمة لصالح تحقيق الأهداف السياسية العمانية ، فماذا كانت النتيجة ؟ تحولت بلادنا الى دولة قادرة على الاقناع ، دولة تبث الامل في السلم والاستقرار لمناطق النزاع والتوترات وحتى الحروب .. فكيف لو كان لبلادنا مجلس متخصص للقوة الذكية ؟

ملحوظة :
يمكن الرجوع لمقال سابق منشور عبر صحيفة ” اثير” عن القوة الناعمة لمزيد من المعلومات عنها .

ملحوظة :

شارك هذا الخبر