أثير- د.عبدالله باحجاج
التقينا مؤخرا بشخصيات يمنية بارزة من كل الفرقاء المتحاربة ، وأجمعت كلها – دون التقاء ، ودون أن تعرف عن بعضها – على وصف حالة الأشقاء اليمنيين ” الإنسانية والمعيشية ” بأنها تتجاوز وصف المنظمات الدولية التي قالت عنها “الأسوأ على مستوى العالم” ، ومن خلال وصفها ، نرى أن العالم المعاصر لم يشهد مثلها حتى الآن ، حيث يشن على هذا الشعب الفقير الأعزل ، حربين في آن واحد ، عسكرية عمياء ، وحرب تجويع شعب بأكمله.
كما التقينا بشخصية من مجتمعنا المحلي زارت مؤخرا حضرموت لحضور حفلة عرس ، فعلقت هناك عدة أيام حتى وفر وقود لسيارته للعودة ، وقد وجدناه متأثرة نفسيا من الأوضاع المعيشية والإنسانية في تلكم المناطق ، ولم تهنأ له لقمة أو شربة ماء .. أو يسعده فراشه الناعم بعيد عودته .. بعد أن اطلع على الأوضاع المأساوية التي تعيشها الإنسانية اليمنية ، وقررت هذه الشخصية إرسال سيارة صغيرة الحجم من مواد غذائية أساسية ، كالرز والدقيق والسكر .. بقيمة مئة ريال ، وأجرة النقل خمسين ريالا لمساعدة أسر يمنية للبقاء على قيد الحياة.
مشاهد ومشاهدات مؤلمة للوضع الإنساني والمعيشي نقلها لنا ” أبو مدين ” من جهته ، وهذا كله يعني أن ما تنقله المنظمات الإنسانية ووسائل الاعلام أقل بكثير من الواقع المأساوي ، وهذا يعني أن إخوتنا في الدين والعروبة والجوار يموتون الآن بدم بارد ، الموت جوعا ، دم بارد ، الموت بمرض لا تتوفر له العلاج ، دم بارد ، موت النازحين من الحرب .. دم بارد ، موت الخوف من الحرب والجوع ، دم بارد ، وماذا نسمى قتلًا بقذيفة سقطت على مدرسة أو باص طلاب أو منزل .. ؟ .
رحماك ربي بالشباب اليمني الحيارى والشيوخ الخشع والعجائز الركع والأطفال الرضع والبهائم الرتع رحماك رحماك بالمستضعفين يا رب العالمين .. رحماك رحماك يا ربي بحياتهم .. إنهم لا ناقة لهم ولا جمل من هاتين الحربين التي وراءهما أطماع بشرية جانحة لأرض أو لنفوذ جيوسياسي ، أي شبع فوق شبع ، إنهم لا يشبعون رغم أن خزائنهم تنطبق عليها الآية الكريمة التالية ” إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ۖ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ “.
كان بإمكانهم الحصول على ما يريدونه في اليمن عن طريق التنمية لا عن طريق القوة والتجويع ، فالمليارات التي تنفق في الحرب عليه ، وتلك التي تبتز من صناديق الخليج السيادية .. كفيلة بإعادة بناء دول الخليج ومعها اليمن من جديد ، وكفيلة بأن تمنح موقع قدم للوصول الخليجي إلى باب المندب والمحيط الهندي ، وبقلوب يمنية راضية ومرضية وآمنة .
كل المصادر تتفق على مآلات الأوضاع في اليمن ، إنها أوضاع ” يندى لها الجبين ” أي يثير الاشمئزاز والعار ، ستلاحق لعنتها دولا وجماعات وأفرادًا .. لن تستثني السلبيين ، وهم إما الصامتون والمتفرجون على هذه الأوضاع أو أصحاب الوجوه المتعددة التي كفرت بحقوق الإنسان ، وتسهم فيما وراء الكواليس في القضاء على أهم حق من حقوقها ، وهو حق الإنسان في الحياة .
لأن هناك قيما للعيش المشترك بين الإنسانية ، لابد من الدفاع عنها ، وهو- أي الدفاع – في الحالة اليمينة معطل ، لأنه يبدو أن هذه الضمائر قد تم شراؤها أو إن الإنسانية اليمنية ليس لها قيمة سياسية في هذا العالم ، أو إن العالم يمر الآن بصيرورة زمنية جديدة ستبني عالما جديدا على غرار ما بنته الصيرورتان السابقتان هما ، الحربان العالمية الأولى والثانية .
لكن هل ينبغي أن يدفع مثل الشعب اليمني الثمن ، إذا اعتبرنا أن لكل صيرورة ثمنها ؟ لا يمهنا هنا البعد السياسي ، وإنما البعد الإنساني ، فإذا ما كانت الأغلبية الفاعلة سواء على مستوى الدول أو الجماعات أو الأفراد لها مواقف ” يندى لها الجبين ” فإن هناك في المقابل ” عالي الجبين ” أي مرفوعي الجبين ، وكريمي الأصل ورفيعي القدر ، وهي تنطبق على الحالات كـ “أبومدين” نموذجا ، وكذلك من يقف وراء قوافل الأغذية التي ترسل من بلادنا إلى الأشقاء على مدار العام ، وهذه الأيام على وجه الخصوص.
وهناك توصيف ثالث ، يصف لنا نوعا آخر من الإنسانية في تعاملها مع القضية اليمينة ، وهي ” عفر الجبين ” أي مرغه في التراب وخضع وذل ، فهناك فعلا من عفر جبينه في هذه القضية ، وأصبح من خلالها ذليلا ، تهدده الريح من كل الجهات، وإن لم تهدده الآن ، فهي لا محالة آتية ، فدماء الأبرياء ستزرع كل شيء جديدًا على أنقاض قديم ، وهذه سنة الله في الأرض.
من ينقذ الوجودية اليمنية ؟ فالأسر اليمنية قد وصلت إلى مرحلة العدم في توفير احتياجاتها الأساسية التي تجعلها تحافظ على وجودها البشري ، بسبب غلاء المعيشة وما ينجم عنها تجويع شعب بأكمله ، فالمرتبات قد انقطعت على الأغلبية ، والمحظوظون من يصرف لهم نصف المرتبات على رأس كل خمسة أشهر تقريبا ، والريال اليمني أمام العملات الأخرى يسجل أدنى مستوى قياسي في تاريخه بحدود 500 ريال يمني للدولار الواحد، مما ضاعف الأسعار أكثر وأكثر، في ظل أبشع استغلال لهذا الوضع ، كما يلقي ارتفاع نسبة الجمارك أكثر من 100 في المائة لبعض السلع تأثيره على هذه الأوضاع المأساوية.
بالإضافة إلى فرض جبايات وإتاوات على تجار الاستيراد، التي يضيفها على القيمة الشرائية للسلعة ويتحملها المواطن ، وأي مواطن نتحدث عنه هنا ، إنه قبل الحرب وبعيد الحرب وأثنائها والآن ، وقبل الارتفاع الجنوني للأسعار ، لم يكن قادرا على العيش في أدنى مستوى ممكن للحياة، فكيف به الآن ؟
ومن جانبها ، تفتك الأوبئة بأرواح اليمنيين في ظل استمرار الحرب لعامها السادس ، مما يعاني اليمن الآن من كوارث صحية خاصة بعد توقف برامج الدول المانحة والمنظمات الدولية والإنسانية.
تلكم صور من صور حمامات الدم الباردة التي تستبيح اليمنيين في حقهم الوجودي والإنساني ، ولو وقفنا عند الإحصائيات العالمية التي أثبتنا سلفا أنها دون الدقة ، لكن ، الاستعانة بها ، يضعنا في قلب معاناة الأشقاء اليمنيين ، فهي تتحدث عن (40) ألف قتيل وجريح منذ بداية الحرب من المدنيين ، وعن (14) مليونا يعانون من المجاعة وقرابة ثلاثة ملايين نازح من الحرب وعن تدمير الآلاف من المنازل والمدارس والمساجد والجامعات والمستشفيات .. وفي أبلغ توصيف للمشهد اليمني ، فقد وصف هذا البلد العربي المسلم الخليجي بأنه البلاد المنكوبة .
والسبب ؟ التقاء الحربين على أرض اليمن معا في التزامن والنتائج ، والخوف كل الخوف من تداعياتهما على دول وكيانات فرقاء الحربين ، حيث نؤمن في عمق إيماننا ، بأن من مات برصاصة دون ذنب ، وهو آمن في سربه ، أو جوع بسبب حرب ظالمة ، أو مرض ناجم عن جشع أو طمع أو إقصاء أو حرب مجنونة .. فلن يسلم داخله ، ولن ينام قرير العين ، فستطارده دماء ومعاناة هذه الضحايا البريئة.
من المؤكد من عمق هذا الإيمان أنه لن يسلم أحدٌ من لعنة اليمن – دماء أبنائه الأبرياء ودموع ودعاء الخائفين منهم … – فانقذوا أنفسكم قبل فوات الأوان ، واطلبوا الحل والسموحة من كل يمني ، وأجزلوا لهم التعويض ، حتى يسامحوكم عن جرائمكم ضده ، فهناك رب يمهل ولا يهمل ، ولم يرض الظلم على نفسه ، ولن يرضاه لعباده …
ولا يبدو أن الظلم سينتهي بنتائجه السلمية على الآخر ” الظلمة ” فما يجري في الحديدة الآن من معارك دامية .. تنم عن استمرارية النهج نفسه ، فهي معارك لحظات ما قبل الجلوس على مائدة المفاوضات .. من أجل أطماع على الأرض ونفوذ على البحار المفتوحة .. غاية الجهد الدولي الآن ،وعلى وجه الخصوص بريطانيا وقف الحرب من أجل عودتها التقليدية للمنطقة في مارس المقبل ، ولماذا مارس ؟ قد نتناوله في مقال خاص ، لذلك ستقف الحرب قريبا – لا محالة – لكن حرب التجويع ستظل قائمة ، أي القتل بدم بارد ، وهو الخيار المستدام ، لأن السياسة تعتقد أنها لن تتمكن من تحقيق أجندتها الخاصة بها إلا من خلال شعوب فقيرة ، وأنصاف متعلمة على الأقل ، ترمى لها بالفتات . وتمجدها ، وبذلك تضمن بقاءها وتحافظ على منظومة مصالحها الضخمة ، لكن هذه القاعدة لم تعد صالحة الآن ، ربما كانت قديمة ، لذلك نتوقع كل شيء خلال المرحلة المقبلة إذا ما استمر القتل بدم بارد .






