د.رجب العويسي يكتب: الحضور الطلابي في المنصات الثقافية وصناعة مستقبل الثقافة

عن الكاتب

د. رجب  العويسي
د. رجب العويسي

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏كاتب ومؤلف وباحث

د.رجب العويسي يكتب: الحضور الطلابي في المنصات الثقافية وصناعة مستقبل الثقافة
Atheer - أثير

 

د. رجب بن علي العويسي – خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية في مجلس الدولة

يشكل الحضور الطلابي في المنصات والتظاهرات والأنشطة الثقافية الوطنية اليوم علامة فارقة في مسيرة نجاح العمل الثقافي الوطني، عزز من تأطيره وتسارع وتيرة نموه على مختلف الأصعدة كنتاج للسمات والخصائص التي يحملها الطلبة – وهم يمثلون شريحة الشباب في الفئة العمرية 6-24- المعبرة عن روح التحدي وشغف المعرفة وحب المغامرة والاستكشاف، ولعل ما تشهده الساحة الثقافية الوطنية بكل معطياتها ونجاحاتها وإضافاتها ومناشطها من قبول مجتمعي لها واهتمام مؤسسي بها، أحد المؤشرات النوعية التي أعطت هذا البعد أهميته في واقعنا الوطني.

على أن الحديث عن علاقة الطلبة بالثقافة منطلق لفهم العلاقة العضوية التكاملية بين الثقافة والتعليم، لصياغة منتج مشترك يبرز في بناء شخصيتهم وتعميق نظرتهم لمفهوم التعليم والغاية منه ونقله من حيزه الضيق إلى آفاق أوسع وأرحب، وانعكاس مساراته ومنهجياته على الأشكال التعبيرية الثقافية والفنية والجمالية والذوقية والوطنية كمدخل لتأصيل البعد الثقافي في الحياة التعليمية، وهو الذي نعتقد بأنه ساهم في إذابة كل الفواصل وإنهاء حالة الانقسام التي يشار إليها بين التعليم والثقافة، ناهيك عن أن هذا التناغم بينهما يرتبط بتأصيل ثقافة الوعي وبناء منصات الحوار وتعميق تجارب العيش المشترك ونقل التعايش الفكري والثقافي والاجتماعي كممارسة حياتية تبدأ مع الطلبة وهم في مقاعد الدراسة عبر تقدير الزملاء وتكافؤ الفرص والفروق الفردية واحترام الذات والاعتراف بحق الاخر وغيرها، وتعزيز دور الطلبة في صناعة الثقافة عبر نقل هذه المبادئ والأطر إلى أشكال تعبيرية مختلفة يمارسها الطلبة في بيئة التعليم وحرم الجامعة بروح الأخوة والفريق الواحد والتعاون وثقافة تعدد الآراء وتمازج الأفكار والشراكات الطلابية في العمل الفني والمسرح والامسيات الشعرية واللقاءات الثقافية والمعارض والمبادرات وغيرها بما يضمن توجيه هذه الثقافة لخدمة المجتمع ونقل صورة واقعية مهذبة معبرة عن طموحهم وتوقعاتهم.

لقد ساهم الحضور الطلابي بكل تأكيد في تعزيز هذا الحراك ونقل هذه التصورات للعالم الخارجي، واسهم في بناء اطر مشتركة بين بني الانسان حول الكثير من الجوانب المتعلقة بالتواصل الثقافي وحوار الحضارات وعالمية الثقافة والتعايش في بيئات مختلفة حول العالم ، وأسهم التواصل الثقافي الناتج عن اللغة والفن والتراث المادي وغير المادي والتعليم والاعلام والمتاحف والمهرجانات الثقافية والسياحية والمسابقات الثقافية واشكال الإنتاج الثقافي المختلفة كالكتب والمكتبات ودور النشر ومراكز مصادر التعلم ومراكز المعرفة ومعرض الكتاب والأندية الشبابية والثقافية وغيرها في بناء شراكات اكبر للتواصل البشري أصبحت علامة مميزة لقدرة الطلبة على انتاج هذه الثقافة وإعادة هندستها بطريقة تحفظ هوية الشعوب وخصوصياته ومواطنتها ودوره الاجتماعي والاقتصادي والاستشرافي، وتحافظ على الاستقلالية الفكرية للأجيال، ونقل الثقافة لتصبح ممارسة اصيلة نابعة من حس المواطن بأهمية البعد الثقافي في تشكيل شخصيته ورسم ملامح هويته وتأطير الأبعاد الأخرى المرتبطة بالثقافة كالمواطنة والهوية والسلوك اليومي وما يرتبط به من قيم الحوار والشراكة والأخلاق والسلام والحب والتنمية وغيرها

ويبقى الحضور الطلابي في حد ذاته تحولا استراتيجيا في صناعة مستقبل الثقافة، كونه نتاج لحماس الشباب وشغفه العلمي والمعرفي ونهضته الفكرية وحس المبادرة الذي يمتلكه وروح التجديد التي يؤمن بها وحب التغيير والتنوع والاستكشاف وغيرها من السمات التي عززت من انتاج الثقافة وتأطيرها والبحث عن مسوغات نجاحها، لتصبح الثقافة المنتجة من قبل الطلبة، قابلة للتجديد والتطور ، وتتسم بعمق الرؤية واستشراف الأهداف والغايات ومنحها مساحة اكبر للابتكار والتطوير والتحول الإيجابي والتنوع والمنافسة والعالمية، وبروز المواهب والقدرات واكتشاف القدوات وتنوع الخيارات التي تمنحها الديناميكية والتفاعل مع مقتضيات الواقع، ودفعه قوية للدخول في العمق الإنساني والبحث في أولوياته واحتياجاته، كونها تعبير عن إرادة الشباب، وصوته المعبر عن طموحه وايجابيته وتوقعاته، النابعة من تفكيره وحماسة ورؤيته في تناوله لقضاياه المصيرية لتستوعب المعطيات التي يعايشها في واقعه.

لذلك نتوقع بأن تثمر هذه المعطيات عن تحولات قادمة في صناعة الثقافة وتأطيرها وترقيتها وتعريضها للنقد والتصحيح والمراجعة والتطوير وتعزيزها بالدلائل والاثباتات والشواهد، في اجلاء الكثير من المفاهيم المغلوطة والقناعات التي تقرأ الثقافة في ثوب التقادم وفجوة التباعد بينها وبين التعليم، وحالة التشاؤم التي باتت تنظر إلى هذه الفجوة الحاصلة على أنها نهاية محزنة للثقافة الناضجة التي عاشتها المجتمعات العربية في فترة النضوج الثقافي، وتقاطع هذه الثقافة مع معطيات أخرى كالأمن والحريات، وما يثيره بعض المثقفين والكتاب والمهتمين بالشأن الثقافي والتعليمي حول مستقبل ثقافة الأجيال والشباب في ظل صيحات الاغتراب القيمي والأخلاقي، وسلوك الاندفاع في التعبير عن الاحتياج، ومع ذلك نؤمن بان الفرص التي يعيشها مجتمع الطلبة، كفيلة بتوظيفها في صناعة مستقبل الثقافة.

من هنا سوف يضمن هذا التواجد الذي يديره الطلبة بمبادراتهم ومشروعاتهم الثقافية ولقاءاتهم التواصلية في المنصات الثقافية وغيرها، قدرتهم على الاختيار الثقافي من بين مصادر المعرفة الحالية وتقييمها وتقنينها في ظل نواتج شبكات التواصل الاجتماعي والعالم الافتراضي وتعدد قنوات الاعلام والاتصال ، وظهور بعض الممارسات التي باتت تشكل خطرا على فقه الشباب وقناعاته وتقييمه للواقع ونظرته للكثير من الأحداث الحاصلة في واقعه، والتأصيل العلمي والمنهجي والموضوعي لها الذي اكتسبه من خلال مناهج التعليم وأنشطة الممارسين له وبيئة التعلم والتفاعلات الحاصلة في مجتمع التعلم. وبما يفصح عن حضور اقوى يتعدى جانب المشاركة والتنفيذ إلى صياغة اتجاهات أخرى لهذه المنصات لصالح البحث في قضاياهم المتجددة وتناولها في ظل فهم متعمق للأبعاد القانونية والاقتصادية والفكرية المرتبطة بها.

شارك هذا الخبر