عبدالرزاق الربيعي يكتب: أنوار محمّديّة ونقوش خضراء

يتتبع المقال حضور المديح النبوي في الشعر العربي الحديث، مستعرضا صور النور والعدل والخلاص في نصوص بدر شاكر السياب ومعروف الرصافي ومحمد علي شمس الدين وشاذل طاقة وقاسم حداد.

عبدالرزاق الربيعي يكتب: أنوار محمّديّة ونقوش خضراء

أثير- عبد الرزّاق الربيعي

عبدالرزاق الربيعي يكتب: أنوار محمّديّة ونقوش خضراء
عبدالرزاق الربيعي يكتب: أنوار محمّديّة ونقوش خضراء

لم يقتصر المديح النبوي على عصر دون غيره، وعلى نمط معين دون سواه، بل ظلّ النور المحمّدي مشعّا، إلى اليوم، في قصائد شعرائنا المعاصرين، ولكن بأشكال مختلفة، وأدوات جديدة، تساير التطورات التي حصلت في الشعر العربي الحديث ، منذ انطلاقتها الكبرى في مطلع خمسينيات القرن الماضي، على يد روّادها: بدر شاكر السيّاب، ونازك الملائكة، وعبدالوهّاب البيّاتي، ففي قصيدته (في المغرب العربي) يستدعي الشاعر بدر شاكر السياب رموزا مضيئة من تاريخنا، وفي مقدّمة هذه الرموز اسم المصطفى سيد الكائنات، الذي يقيم ميزان العدالة، والمساواة، ويعيد الحقوق لأصحابها ، وهو القنديل الذي يقهر دجى الليل، كما يصف الشاعر معروف الرصافي:
وضح الحق واستقام السبيل
بعظيم هو النبي الرسول
تــدلهِــمّ الخُــطــوب والرأي مــنــه
فـــي دُجـــاهـــا كـــأنّه قِـــنـــديــل
كـــل أوصـــافـــه الجـــليــلة بِــدعٌ
فــهــو مــن عــبــقــريّــة مَــجــبــول
ففي حبله النجاة، وهو الذي يبدّد (وحشة الصحراء) ويملأ الكون نورا، يقول السيّاب:
“قرأت اسمي على صخرة
هنا في وحشة الصحراء..
كمئذنة تردد فوقها اسم الله
وخطّ اسم الله فيها
وكان محمد نقشا على آجرّة خضراء
يزهو في أعاليها”
فهو قبس من نور، وبركان، ونجم، وفي قصيدته (مولد المختار) يقول السيّاب:
كم سار في شرقٍ من الغرب جحفلٌ بقرآنك الهادي، وفي الغرب عسكروا
ويا مولدَ المخـتار، مـيـلادُ أمـةٍ وميعادُ بـعـث، أنت فيـهـا مُقـدَّرُ
إلا قبسةٌ مـما تنفّسـتَ في الدُّجـى فنحـيـا، وينهّـد الظلام المسـوّرُ
ألا تُفْجرُ البركان فـي مُقـْفراتـنـا فيستبسل الأحـرارُ أيـان يُفْجَـرُ؟!
أتى صخرةٌ بيضاءَ يندى بياضُـها كمـا لاح في الظلـمـاء نجمٌ منوّرُ
فيا صخرةَ المعراج قد سُدَّ بالدّجـى وبالإثم مـنـا فـيكِ شـقٌّ ومَـعْبَرُ
فما عاد بين الله والنـاس منـفـذٌ كـأنْ حلَّ بالأرض العذابُ المسعّـَرُ
ويختتم قصيدته التي ألقاها في أحد مساجد بغداد عام 1961 بطلب الشفاعة:
نبيَّ الهدى، كن لي لدى الله شافعاً فإني، ككل الناس، عـانٍ محـيـَّرُ
تمرَّسْتُ بالآثامِ حتـى تـهدَّمـتْ ضلوعـي، وحتـى جنَّتي ليس تثمرُ
ولكنّ من ينجدْه طـه فـقد نجـا ومن يهـدِه –والله – هيـهات يخسرُ














وبلا شكّ، أن النقش الذي قرأه السيّاب، يضاء بالأنوار المحمدية، التي تؤسّس لخطاب ديني نوراني ورد في كتابات السابقين ومن بينهم ابن عربي في كتابه (الفتوحات المكية) وهي أنوار ساطعة تلقي على الروح حزم إضاءات تجلّلها، بالسكينة والطمأنينة، نابعة من شمس، هي ليست أي شمس بل (شمس محمد) عنوان قصيدة الشاعر اللبناني محمد علي شمس الدين التي ألقاها العام الماضي في مثل هذه الأيام من العام الماضي في حوار مرئي أجريناه معه برفقة الصديق الشاعر وسام العاني، فهو ميزان العدل، وباب يفضي إلى معراج السماء :
“لمحمد
لغة الأرض
وميزان الحقيقة
ومحمد
رفة العشب على جفن الحديقة
وله الباب الذي يفضي إلى السر
ومفتاح السماء
وله وردة عين الفقراء





ويرى الشاعر شاذل طاقة في هذه الشمس الأمل الذي يجد فيه الإنسان الخلاص من أزماته، الذي سيعيد البسمة إلى الشفاه:
“في رحم كل امرأة محمد جديد
يمسح دم الثاكلات
يبعث الحياة



فتومض البسمة في الشفاه “

ويستلهم الشاعر قاسم حدّاد سيرة المصطفى في نص يضجّ بالدلالات والمعاني والصور المبتكرة، ينتمي لقصيدة النثر حمل عنوان( قيل له: يا محمّد):
يأتزر بنصف الأرض وصدره في الريح والشظايا
حديدته قيد الكاحل
وقلادة الكاهل.
خديجته في مغزل الوقت ،
لا تفقده ولا تناله .
يا محمد .. إنه طفلك ،
تراه مثلما تلمس الحديد ممتثلاً لشهوة اللهب
يا محمد ،
فارأف به
و لا تقل لـه أف و لا تنهر خطاه .
طفلك الذي بذل لك جناح الذل
وحمل كيس عظامك
وأعلنك في القبائل مثل بيرقٍ .
طاف بجسدك يغسلـه من نفط الحقول ،
ويشحذه بالتمر واللبن .
قيل له ،
وكان في طفولته الأخيرة ، مهداً تهدهده يد الله
فالرسول (صلى الله عليه وسلم) حاضر في الشعر الحديث مثلما في الشعر القديم، بل وفي كل عصر، فهو رمز حي، ومعنى يتجدد، وقيم خالدة.










شارك هذا الخبر