
سعيد الصقلاوي
سعيد الصقلاوي
في البحر ملايين الأصداف
و لكن الصدف الأنضرْ
من خلف سجوف بهيم الموج
يشع صباحا مؤتلقا
يبقى الأنضرْ
(سعيد الصقلاوي: ديوان اجنحة النهار، ص90 ، مطابع النهضة، مسقط)
منذ ان كنت تلميذا في مدرسة ثانوية الدعية بدولة الكويت في السبعينيات من القرن العشرين، أتحين الفرص لمتابعة منجز محمد مكية معمار الكلاسيكية المعاصرة في سياقات التحضر العمراني العربي. و كانت الصحافة العمانية على وجه التحديد- حيث كان محمد مكية يمارس نشاطه العمراني في سلطنة عمان مستشارا لتخطيط المدن- تنشر الكثير من اخباره و اطروحاته و ارائه. و ظلت هذه الصورة المشرقة مشعة في ذاكرتي. أحملها أينما رحلت علني التقي يوما بهذا العلم الكبير.
شاركت في عدد من المؤتمرات ذات العلاقة بالعمارة و تخطيط المدن و بخاصة تلك التي تقيمها منظمة المدن العربية، ولكن بالرغم من ذلك لم تحن ساعة اللقاء المنتظرة بالمعمار الكبير محمد مكية. مضت الايام مشحونة بكثير من اعبائها و معبأة بوفير جديدها. نرحل في مداها جاهدين مجهدين، وترحل في طموحنا لتضخ دم الحياة و اوكسيجينها. فشاء القدر أن ألتقيه و أن أحضر تكريمه في الدوحة عاصمة دولة قطر، إذ كنت ضمن الوفد العماني الحاضر لاستلام الجائزة الاولى لافضل مبنى مصمم بروح وعناصر العمارة العربية الاسلامية.
أوفدت اللجنة المحكمة المهندس الشهير راسم بدران للاطلاع على استيفاء المبنى للشروط و المعايير المعتمدة. و من حسن الحظ أني كنت المرافق للمهندس راسم بدران، و كنت وقت ذاك عضو اللجنة العمانية التي رشحت مبنى وزارة الخارجية العمانية لخوض غمار هذه المسابقة. و كنت في ذات الوقت أعمل بدائرة التخطيط بوزارة الاسكان التي كان اسمها قبل ذلك وزارة شؤن الاراضي و البلديات. و كانت تضم اليها بلدية مسقط و المديرية العامة للبلديات الاقليمية التي اصبحت فيما بعد وزارة البلديات الاقليمية.
أوفدت اللجنة المحكمة المهندس الشهير راسم بدران للاطلاع على استيفاء المبنى للشروط و المعايير المعتمدة. و من حسن الحظ أني كنت المرافق للمهندس راسم بدران، و كنت وقت ذاك عضو اللجنة العمانية التي رشحت مبنى وزارة الخارجية
العمانية
لخوض غمار هذه المسابقة. و كنت في ذات الوقت أعمل بدائرة التخطيط بوزارة الاسكان التي كان اسمها قبل ذلك وزارة شؤن الاراضي و البلديات. و كانت تضم اليها بلدية مسقط و المديرية العامة للبلديات الاقليمية التي اصبحت فيما بعد وزارة البلديات الاقليمية.
فوجئ المهندس راسم بدران بالنهضة العمرانية في عمان، و بمرتكزاتها و بما تحمله من سمات وهوية. ذهبنا معا الى مبنى وزارة الخارجية المشيد في منطقة الصاروج باطلالته البحرية الرائعة، و واجهته الامامية التي اصبحت فيما بعد تشكل مع واجهة مبنى الاوبرا السلطانية رمزية رفيعة المستوى للتحضر في التعاطي السياسي و الانفتاح الثقافي كمرتكزين هامين في الحوار الحضاري و الانساني.
دهش المهندس راسم بدران من مبنى الوزارة الانيق و ما يحمله من فخامة العمارة المحلية العمانية. سألني عن ملهمات المصمم المعماري لانجاز هذا المبنى. فاخبرته انها ملهمات تتعلق بالشخصية العمانية في بساطتها و فخامتها و بهائها و انفتاحها على الاخر وقبوله. و ملهمات تتعلق بالمكان العماني في جماليات وحدته، و في ثراء تنوعه، واتساق مكوناته ، و انضباط مفرداته. و ملهمات الموروث العمراني المحلي في تفاصيل تشكيلاته و احجامه و الوانه وخطوطه و خلفياته و تجليات روحه، و عبق انفاسه، وعمقه التاريخي.
طلب مني ان يشاهد صورة هذه الملهمات شاخصة على مراة الواقع. فاقترحت عليه ان نذهب الى واحة المضيرب في ولاية القابل. و نحن في الطريق نتجاذب اطراف الحديث و نتبادل الرؤى الثقافية و الطروحات العمرانية. مررنا بولاية ابرا. و استوقف المهندس راسم بدران مشروع اسكاني مكون 40 مسكنا كنت قد صممته لصالح وزارة الشؤن الاجتماعية و العمل و كانت الوزارة وقت ذاك مسؤلة عن توفير السكن الشعبي الذي تطور مصطلحه لاحقا الى السكن الاجتماعي. اخذ المهندس راسم يصور هذا المشروع، و يركز على تفاصيل ثيماته. تناقشنا فيه طويلا عن فكرته و معناه و اهدافه العمرانية و الانشائية و الاقتصادية و الاجتماعية و الانسانية و ما الى ذلك.
حال وصولنا الى المضيرب، سحر المكان عيون راسم بدران و اخذ بلبه. طفق يصور ابنية المضيرب و بروجها و ازقتها و تفاصيلها. شكلت تلك الزيارة قناعة تامة لدا موفد لجنة التحكيم المهندس راسم بدران فكانت النتيجة فوز مبنى وزارة الخارجية العمانية بالمركز الاول.
منذ لقائنا العابر في الدوحة لم تتهيئ الفرص كي تتكرر اللقاءات بالمعمار الكبير محمد مكية إلى ان شاءت الاقدار و حانة الفرصة الذهبية مرة اخرى. كنت في لندن. التقيت الصديق العزيز المعمار د. علي ثويني. عرفني على مكتبة تدعى جود Judd قريبة من ميدان رسل Russel Square -الذي يضج بالحركة الطلابية و المظاهر التعليمية- تعرض كتبا معمارية يفضل صديقي التعامل معها و الشراء منها. اشترينا سويا ما اردناه و قضينا وقتا ممتعا الى ان حان الوداع المسائي. اتفقنا ان نحاول زيارة المعمار الكبير محمد مكية مع علمنا ان حالته الصحية احيانا تحول بينه وبين لقاء محبيه. ظل صديقي يتحين الوقت المناسب حتى ظفر به. هاتفني وكنت قد حزمت امري وامتعتي للرحيل عائدا الى عمان. لكني كنت محظوظا فموعد الرحيل كان ليلا و اللقاء كان عصرا. التقينا ثلاثة انا ومحمد مكية و علي ثويني في مقهى كلية الهندسة العمارية Architect Association ( A.A ) التابعة لجمعية المعماريين. وهي كلية مرموقة تخرجت منها المعمارية زها حديد.
منذ لقائنا العابر في الدوحة لم تتهيئ الفرص كي تتكرر اللقاءات بالمعمار الكبير محمد مكية إلى ان شاءت الاقدار و حانة الفرصة الذهبية مرة اخرى. كنت في لندن. التقيت الصديق العزيز المعمار د. علي ثويني. عرفني على مكتبة تدعى جود
Judd
قريبة من ميدان رسل
Russel Square
-الذي يضج بالحركة الطلابية و المظاهر التعليمية- تعرض كتبا معمارية يفضل صديقي التعامل معها و الشراء منها. اشترينا سويا ما اردناه و قضينا وقتا ممتعا الى ان حان الوداع المسائي. اتفقنا ان نحاول زيارة المعمار الكبير محمد مكية مع علمنا ان حالته الصحية احيانا تحول بينه وبين لقاء محبيه. ظل صديقي يتحين الوقت المناسب حتى ظفر به. هاتفني وكنت قد حزمت امري وامتعتي للرحيل عائدا الى عمان. لكني كنت محظوظا فموعد الرحيل كان ليلا و اللقاء كان عصرا. التقينا ثلاثة انا ومحمد مكية و علي ثويني في مقهى كلية الهندسة العمارية
Architect Association
(
A.A
) التابعة لجمعية المعماريين
.
وهي كلية مرموقة تخرجت منها المعمارية زها حديد.
اتسم اللقاء بالعلمية و الحميمية و الطروحات الثقافية. سألني مكية عن مسجده الذي خططه و صممه. وعني بذلك جامع السلطان قابوس الاكبر الواقع في منطقة الغبرة الجنوبية. و هو بلا شك علامة حضارية. كان كثير الاعتزاز بهذا العمل الضخم الرائع، و كثير التباهي به. لانه منذ السبعينيات من القرن العشرين كان مكية يطمح ان يكون حاضرا في مشهد التطور الحضاري العمراني في عمان. و لان وقت وجوده في عمان، تألب و تكالب عليه من غير العمانيين المنافسون و المشاكسون ، و احبطوا العديد من اطروحاته التخطيطية بشان مدينتي مسقط وصور، فخرج متوشحا بحزنه و متأبطا ذاكرته الصورية. جامع السلطان قابوس الاكبر، هذا العمل المعماري المتميز فرادة و ضخامة اشاع في قلبه الفرح، فاتسعت مساحة البهجة في نفسه حتى غدا ماء كلامه اليومي. ازهر حديثنا في ذلك اللقاء البهي افكارا مشتركة. و افاض بمكنونات ورؤى في التخطيط العمراني و الثقافة الانسانية. و كان قبله اجرى صديقنا د. علي ثويني لقاءات و حوارات عديدة مع المعمار الكبير محمد مكية تجمعت سياقاتها في عمل يكرس مسيرة محمد مكية باعتباره من اوائل الاباء المحدثين للتطور العمراني، و للمرتكزات التخطيطية. و باعتباره احد مؤسسي مدارس العمارة المعاصرين ة بخاصة في بغداد.
محمد مكية الذي درس البكلوريوس في جامعة ليفربول وكذلك درست انا الماجستير فيها، و تخرج من هذه الجامعة كثير من اساطين العمارة وروادها المعاصرين في وطننا العربي الكبير الذين اسهموا بخبراتهم العلمية و ممارساتهم المهنية سواء كانوا في مصر او العراق او عمان او غيرها. امثال حسن فتحي و توفيق عبدالجواد و احمد امين مختار و عبدالباقي ابراهيم وغيرهم كثير. هؤلاء الاباء بالرغم من امتلاكهم ناصية الثقافة المعمارية الغربية واساليب تطبيقاتها المعاصرة الا ان وعيهم بمحيطهم وبيئتهم وتراثهم و ثقافتهم التاريخية و الاسلامية زودتهم برؤية تنادي بالالتفات الى العمارة المحلية والاهتمام بمكوناتها فكانوا عرابي و ارباب ما بعد الحداثة المعمارية التي نادى بها حسن فتحي عام 1936م فمحمد مكية عام 1946م تلاهما عبدالباقي ابراهيم ثم اكمل المسيرة من جاء بعدهم من تلاميذهم. وذلك قبل ان تنطلق في الفكر الغربي المعماري عام 1960م.
ان التخطيطات المعمارية و تصميمات المشاريع التي قدمها محمد مكية انطلاقا من مسجد الخلفاء بالكوفة مدينته التي كانت تزخر بالحضارة، و اتجاها نحو جامع السيف في الكويت وبوابة مدينة عيسى في البحرين و مجمع المحاكم في المملكة العربية السعودية وصولا الى جامع السلطان قابوس الاكبر في مسقط ترسم خطا معماريا، و مسارا حضاريا ممتدا من اعلا الخليج في العراق – حيث كانت سومر و اكد و بابل ملتحمة الثقافة و الوجدان الانساني و الروحي عبر سواحل الخليج محملة بعبق وروحانية دلمون في البحرين- و حتى اسفل الخليج حيث مجان/عمان ذات السفن والنحاس و احجار الديورايت كما سطرتها ملحمة جلجامش و قصائد الشعراء، و خفوق اشرعة الغنجة والبتيل و الشوعي و البوم والبدن وغناء الصواري و رحلات السندباد الصحاري العماني الذي يطوي البحار حديد العزم و اللب، كانه الشمس في حل و مرتحل.
سيظل المعمار الكبير محمد مكية رمزا شامخا. و سيظل عطاؤه الفكري و منجزه المعماري و العمراني مشعا في كل من له قلب وبصيرة. و كل من به جذوة الهمم وفي نبضه صوت الحياة. فالمبدعون خالدون:
الواهبون تســـــربلوا هِمــــاتهمْ
صبح الخلــــــود بخطوهم يزدانُ
سِيرٌ من الحمد الزكي نشورها
لم ينطفىء من وهجـــها اللمعانُ
صوت الحياة مؤذنٌ في نبضنا
فعبـــــــادة أنْ تسمــــع الآذانُ
و مِنَ الوفـــــا أنْ تستفز كوامنٌ
كيْ يستطيلَ على المــدى بنيانُ
و مِنَ الوفا أنْ لا يــُـكفّنَ أمْسُنا
فغدٌ له في أمْسنا ريعـــــــــــانُ
و غــــدٌ لنا من فجره الفتــــانُ
و غدٌ لنـــا من بحـــره العقيانُ
الواهبون المبـــدعون ضميرهم
الله و الأوطــــان والإنســـــــانُ
و المبحرون إلى مرافىءِ فخــرهم
لا الريــح تثنيـــــهم ولا الطـــوفانُ
لا الريــح تثنيـــــهم ولا الطـــوفانُ



