فكرة الثابت والمتحول لدى الكُتاب والمفكرين
يرى د. محمد الشحات أن أدونيس ومحمد عابد الجابري ظلا قريبين من منطلقاتهما الأولى، ويناقش أثر البنيوية والتحولات الفلسفية في النقد ووعي المبدعين.
فكرة الثابت والمتحول لدى الكُتاب والمفكرين
د. محمد الشحات – مصر
إذا قلنا أن الكاتب أو المفكر حاله كحال الفلاسفة نظلم الفلاسفة, لأن كل فيلسوف بطرحه لأي مفهوم جديد هو يحاول أن يُحدث قفزة, وإن كان هُناك نقطة رئيسة يدور حولها إلا أن له المنظور الذي ينظر منه إلى الظاهرة, هناك فكرة بسيطة كُنا نقولها للطلاب, الفيل الموجود في غرفة مظلمة ومجموعة من العميان, العميان دخلوا على الفيل في غرفة مظلمة كل منهم حاول أن يتحسس الفيل دون أن يعرف مطلقًا ما اسم هذا الكائن, كلٌ منهم بدأ يتحسس جزء من أجزاء الفيل من ذيله, من خرطومه من قدمه, وحين خرجوا طُلب منهم أن يصف لهم الفيل, بالطبع الفيل تناثر دمه بين الواصفين لكن أين الفيل حقيقة؟ هو في مجموع هذه الأوصاف كلها ومجموع وجهات النظر هذه.
كل فيلسوف هو يقدم وجهة نظر في مسألة ما وحين يحدث قفزة في كتاب آخر, في نص فلسفي آخر, في رسالة أخرى هو يحاول أن يحدث مغايرةً وكونه يرتكز على نقطة ما لا يعني أنه لا يغير بعض أفكاره وإلا لم يقدم جديدًا. المبدع نفس الأمر في الحديث عن أدونيس ومحمد عابد الجابري لكن كلاهما في تصوري لم يغادر النقطة الأولى, يعني ظل أدونيس إلى حد كبير مهووسًا بهاجس الثابت والمتحول لم يتجاوزه كثيرًا لكنه كان عنيفا في طرح الفكرة أكثر من مرة في صياغات متعددة, فأدونيس ظلت أفكاره هي هي لم يتجاوزها كثيرا, لكن يحمد له أو يحسب له هذا الاصرار على الجرأة في طرح الفكرة والإلحاح عليها, لكن النقلة النوعية لم تحدث.
محمد عابد الجابري في مدونته عن العقل العربي الأجزاء الأربعة الأولى التي كانت في الأساس أطروحته للدكتوراة عن تقييم العقل العربي, نقد العقل العربي, بنية العقل العربي, لم يتجاوزها كثيرا, محمد عابد الجابري كُنت أدرسه في عمان في مقر اسمه اشكاليات التراث والتحديث في الثقافة العربية, كنت أدرس له كتابا بعنوان قضايا في الفكر المعاصر, هو كتاب لطيف جدا من أمتع الكُتب رغم صغر الكتاب, كنت أتحدث فيه عن مجموعة من المفاهيم, التسامح, الديمقراطية, الفلسفة و المدينة, كتاب بالغ الأهمية ولم يلتفت إليه كثيرا رغم صغره، لاحظت أن الجابري قطاعًا كبيرًا من كتبه لم يكتبها تأليفا بل هي عبارة عن محاضرات تم جمعها, محاضرات ألقيت في أماكن مختلفة جُمعت وتم تفريغها على الأوراق ثم كتبت ثم حُررت, جزء كبير من كتابات الجابري في هذه المنطقة محاضرات ألقيت في ندوات كثيرة في مؤتمرات تم تجميعها وتحريرها وطبعت في طبعات عدة. يوجد شيء آخر لدى محمد عابد الجابري ويمكن أيضا أن نقيس عليه أدونيس أن كلاهما خرج من رحم فلسفة البنيوية بمعنى البحث عن الأنساق والعلاقة بين الأنساق وبين الأنظمة, هذا التصور واضح إلى حد بعيد ويمكن لأي باحث أن يشتغل عليه, كيف أثرت البنيوية كفلسفة في مفكري الثقافة العربية في ذلك الوقت, لكن السؤال هل حركة ما بعد البنيوية على المستوى الفلسفي أو حركة النقد الثقافي عند بعض النقاد أثرت في أن تنتج مفكرين عرب استطاعوا أن يستلهموا هذه المفاهيم؟ يبدوا أنه لا تزال هناك مسافة كبيرة بيننا وبين الفلسلفة.
النقد الأدبي في الأساس هو مقولات فلسفية, النقد الفني كذلك, والنقد المسرحي والدرامي, لكن في النهاية الفلسفة هي الغطاء الأعم ويفترض أن كل تحول جذري في الفلسفة يحدث من ثم تحولًا جذريا في مفاهيم النقد من ثم يحدث تحولا جذريا في وعي الكُتاب المبدعين, على سبيل المثال عندما أقرأ نصًا في عام 2014 ويكون شديد الرومانتيكية أو مكتوبا بوجهة نظر رومانتيكية كأنك تقرأ قصيدة لعلي محمود طه أو محمود حسن اسماعيل ستشعر بغرابة, وإلا يبدو نتوء, من الممكن أن يكون نصا لكن أن تجد ديوانًا أو مدونة هذا يعني أن هناك مبدعا أو عقلا إبداعيا توقف عند هذه المرحلة ويحتاج أن يُلم بالتحولات, في النهاية هي وجهة نظر لكل كاتب أن يكتب كيفما شاء لكن على الكاتب أن يواكب هذه التحولات الثقافية والحضارية إذا كان يمتلك مشروعًا أما إن لم يكُن يمتلك مشروعا فحدث ولا حرج.