الإنسان العماني بين حسِّهِ التاريخيِّ ووعيه الإنساني

كتب موسى الفرعي في 2014 عن الإنسان العماني بوصفه ميالًا إلى المحبة والتسامح، رابطًا سلامه الداخلي بإرث تاريخي متراكم وقدرته على الدفاع عن كرامته وحضارته.

الإنسان العماني بين حسِّهِ التاريخيِّ ووعيه الإنساني
Atheer - أثير

 

الإنسان العماني بين حسِّهِ التاريخيّ ووعيه الإنساني

 

موسى الفرعي

 

 

 

تُهابُ الرجالُ إلى أن تَتحدثَ وبَعدها يُضاءُ كلُّ شيءٍ، وكما قال عبدالله بن سهيل رضي الله عنهما: عيُّ اللسانِ مع الصدق خيرٌ من فصاحتهِ مع الباطل ، إذن هناك دائماً جمالٌ ما يختفي في مكان ما، ومن رحمِ الاضطرابات قَدْ تُولدُ أجملُ الأشياء، وها هو الإنسانُ العمانيُّ يُثبتُ فطرته الإنسانيةَ المجبولةَ على التسامحِ وحبِّ الآخرين، ضارباً بصغائرِ الأمورِ و كبائرها عرضَ الحائطِ فقط إن كان سينتجُ عن ذلك عدمُ الاختلال داخل المجتمعِ الذي يُمثّلُ الأسرةَ الكبيرةَ التي تَتباينُ صفاتُ أفرادِها غيرَ أنها تجتمعُ داخل بيتٍ واحدٍ جدرانه المحبةُ ونوافذُهُ التسامحُ، وقد أثبتتْ التجربةُ أن هذا السلامَ المزروعَ في داخلهِ هو سلامُ الأقوياءِ وليس سلامَ الجبناء، فكمْ من مرَّةٍ كان مُسالماً لوجهِ السلامِ إلا إنه حين تَمتْ محاولةُ المساسِ بتاريخهِ وكرامتهِ جنَّ جنونُ هذا المسالم ليدافعَ عن إرثهِ وحضارتهِ بكلِّ ما أوتي من قوةٍ وحكمةٍ، وفي أحايين أخرى كان يَدفعهُ إلى ذلكَ إحساسه التاريخيُّ الممتدُّ داخله، حتى وإن كان دون وعي ولكن الحسَّ التاريخي لا يتأتى إلا نتيجةَ تراكماتٍ جينيةٍ تُورَّثُ من جيلٍ لجيلٍ، ونداءاتٍ تاريخيةٍ تزرعها أصواتُ من عبروا قبله على هذه الأرضِ المباركة.

 

وكلما أبصرت هذا العمانيَّ الذي يَملكُ النزوعَ المستمرَّ نحو المحبةِ والطيبة والكرمِ السمح آمنتُ أن نظرية نيتشه في أن الإنسان بدايةً  كان قوياً شرساً غير أن ما يُحيطُ بهِ هو ما  يَجعلهُ طيبا، خنوعاً، ومستسلما نظريةٌ قاتلةٌ لفضائلِ الإنسانِ وطيبتهِ، فالإنسانُ في البدءِ كان مسالما ومُحباً غير أن ما يُحيطُ به هو القادرُ على أن يحوّله إلى ذلك الإنسانِ الشرس السبّاق إلى الشرِّ، ورغم ذلك فهناك انتصارٌ واضحٌ في دواخل هذا الإنسان العمانيِّ الذي يرتدي أصالته أنّى ذهب.

 

 

قطعاً ليس معنى كلامي أننا نسكن مدينةً فاضلةً ، فأنا مؤمنٌ باستحالةِ وجودِ مدينةٍ فاضلةٍ، فوجودها نقصٌ من نوعٍ آخر، واكتمالُ المدينةِ الفاضلةِ هو استلابٌ وقتلٌ لصفات بشرية يَحملهُا كلُّ واحدٍ منا، ولكن حين يَحاولُ الإنسانُ أن يَنتصرَ للمساحةِ المضيئةِ داخله فهو يرفع من منسوبِ إنسانيتهِ إلى الحدِّ الذي يُعيدهُ إلى أصلهِ الأول ويَجعله يَعيشُ بفطرتهِ الأولى.

 

هذا مبدأٌ يَشهدهُ حاضرُ الإنسانِ في عُمان، وما يُعاشُ اليومَ لم يأتِ من العدم بل هو نتيجةُ تأثِّيثٍ واستبصارٍ مِنْ مَنْ سبقونا ليكون بعدنا سكناً لأبناءِ هذا الوطن الغالي من أقصاه إلى أقصاه.

 

 

 

 

شارك هذا الخبر