د.عبدالله باحجاج يكتب: منطقة أثرية عمرها أكثر من أربعة قرون .. هل تُهدم من أجل التطوير السياحي؟

في مقال منشور عام 2018، يحذر الكاتب من هدم بيوت الحافة ومساجدها القديمة لصالح مدينة سياحية، ويقترح ترميمها وتوظيفها ضمن التطوير مع إعداد دليل إرشادي ملزم.

عن الكاتب

د.عبدالله  باحجاج
د.عبدالله باحجاج

كاتب، وباحث، وصحفي عُماني

د.عبدالله باحجاج يكتب: منطقة أثرية عمرها أكثر من أربعة قرون .. هل تُهدم من أجل التطوير السياحي؟
د.عبدالله باحجاج يكتب: منطقة أثرية عمرها أكثر من أربعة قرون .. هل تُهدم من أجل التطوير السياحي؟

أثير- د.عبدالله باحجاج

عندما أريد ” الترويح ” عن النفس من الضغوطات الحياتية ، كأن أجد فيها – أي النفس – منغصا أو قلقا أو اهات ، وما اكثرها في عصرنا ، لم اجد نفسي الا وأنا في المناطق القديمة في صلالة أو الحافة .. التي تحتفظ ببيوتها ومساجدها الاثرية ذاكرة مجتمعنا المحلي ، رغم ان بعضها سقطت والأخرى آيلة للسقوط ونوع ثالث يقاوم من أجل البقاء رغم وجود أن الدولة أنشئت مؤسسات تعني بهذه الكنوز .

والزائر لها ، سيشعر بإحساس غريب ، وهو ان هذا المكان يرجع بك الى القرون الماضية ، وتحديدا الى أكثر من أربعة قرون ، وبعض المصادر ترجعنا الى القرن العاشر الهجري ، هو شعور عابر لهذه الازمنة اذا ما تمكن الفرد منا من تجريد نفسه من جدليات الأمكنة القادم منها ، وانشغالاته بلقمة العيش ، وسلم نفسه لعبق وتجليات البيوت والمساجد الاثرية.

والنظرة السريعة لصور البيوت والمساجد القديمة لمنطقة الحافة – كتلك التي اوردناها في هذه المقال – سينتابنا الشعور نفسه ، وكلما تعمقنا أكثر فيها -أي الصور – سيزداد عمق رجوعنا لحقب الأجداد ، وعلى الفور سنتعرف على مستوى معيشتهم ، وانماط علاقاتهم الاقتصادية والروحية ، وتطويع الجانب الهندسي للبيوت والمساجد بيئيا بصورة مدهشة – كما سيتجلى ذلك لاحقا – .

وقد يخرج القارئ بعد هذا الانفتاح الذهني التاريخي على المكان ذاته ، بالتساؤل التالي : هل هذه البيوت والمساجد الاثرية لا تزال قائمة ؟ وهنا ستكون الإجابة صادمة ، ليس في وضعها الراهن الذي هو بين من تهدم نتيجة الإهمال وبين أن بعضها آيل للسقوط ، وانما في ما يراد لهذه المنطقة الاثرية التاريخية من هدمها وإقامة على انقاضها مدينة سياحية حديثة .

وهذه المعلومة قد استقيناها من مصادر عديدة مؤخرا ، وهي في طور ما قبل تنفيذها ، وهي تعني التنصل عن الاتفاق السابق الذي ينص على بقاء بعض البيوت ومساجدها سواء بإعادة ترميمهما أو إعادة بناؤها وفق نسقها أو نسختها الاثرية ، لكي تشكل مع المستحدث السياحي ثراء سياحيا ، يحافظ على الماضي ويعاصر الحاضر ، فمن يعطي للشركة الحق في التنصل عن هذا الاتفاق ؟ وهل يحق لها أو من يكون وراءها اتخاذ مثل هذا القرار الذي هو يعد قرار دولة في المقام الأول والأخير .

وفكرة هدم منطقة تاريخية بذلك العمق التاريخي ، واستحداث مدينة سياحية حديثة ، ينم عن فكر تخطيطي أو تطويري عنده مشكلة كبيرة مع الموروثات ربما يكون وراءه جنون نفعي يجب أن يكبح جماحه ، مهما كانت مبرراته التطويرية ، فالحافة تستحوذ على بيوت اثرية موغلة جدا في القدم ، وتتوفر على الخصائص التاريخية والفنية .. ما يجعلها تكتسب الصفة الوطنية بامتياز .

ليس من صلاحية اية شركة أو وزارة أو مواطن ان يستفرد بمثل هذا القرار الخطير ، فذلك معناه محو الذاكرة ، وبالتالي ، فهذا قرار دولة ، يغل يد الهدم ويلزمها بالانصياع الى عدم التفريط بالذاكرة المكانية ، خاصة وان عملية المزاوجة بين الصالح ” سياحيا ” من الموروثات ، والصالح ” سياحيا ” من متطلبات العصر ، تحتمها الحاجة السياحية نفسها ، وتميزها كمنتوج في اطار منافستها الإقليمية والعالمية، فكيف نستغني عن هذه الميزة السياحية الجاذبة ؟

ويضعنا التفكير بهدم هذه المنطقة الاثرية امام إشكالية كبرى ، تفتح نفسها بصورة تلقائية ، وهي غياب الدليل الارشادي للتنمية العمرانية والاقتصادية في بلادنا ، فلو كان هذا الدليل موجودا ، فسيكون حالكما للتطورات والتحولات الراهنة والمستقبلية بصورة عامة .

لو كان موجودا ، لما مسخت التصاميم المعمارية التاريخية من عملية إعادة بناء الكثير من مساجدنا الاثرية ، لو موجودا ، لما يتجرأ الفكر التخطيطي على هدم البيوت والمساجد الاثرية في الحافة ، وإقامة على انقاضها مدينة سياحية وتجارية معاصرة .

والشفافية تجعلنا القول بأن الوعي المؤسساتي يحتل منزلة دنيا من وعي بعض النخب الاجتماعية ، لكنه يظل وعيا محدودا ، وقد لاحظنا الوعي النخبوي في كيفية المحافظة على الموروثات الاثرية ، كمسجد عقيل بصلالة الشرقية الذي تعبر عنه صورتا المسجد قديما ، وهو يتوسط حي سكني اثري ، ويرجع انشاء هذا المسجد الى القرن الحادي عشر الهجري ، وحديثا ، وتحديدا عام 2018 اعيد بناؤه وتوسعته بنفس نسقه وهندسته المعمارية التاريخية – كما يتجلى ذلك من خلال الصورتين ، فتأملوا الروعة – كما تظهره احدى الصورة المرفقة – وهذا يفترض أن يكون وعيا مؤسساتيا وليس وعي نخب ، وأكبر تعبير عن وعي المؤسسات سيكون مجسدا في الدليل الارشادي لو كان موجودا .

وكل من زار بعض الدول التي لها عمق تاريخي ، كالمغرب مثلا ، سيرى كيف وظفت الرباط هذه المورثات سياحيا ، ومراكش القديمة نموذجا ، ولماذا نذهب بعيد ، فالدوحة وسوق واقف نموذجنا الخليجي ، فقد اصبح مزارا سياحيا جاذبا للقطريين وكل من يزور الدوحة على مدار اليوم ، فكيف نرفض توظيف هذه الموروثات في نهضتنا السياحية الجديدة ؟

هل التطوير السياحي في منطقة الحافة على وجه الخصوص لا يتناغم مع توظيف مفردات حضارية واثرية لن تقدر بثمن ؟ لن نجد هناك من إجابة عن هذا التساؤل سوى ان وراءها ارادات فردية ، يغلب عليها الفردانية في قضايا وطنية ، تمس حقوق الأجيال ، ولا يجوز للجيل الحالي التصرف فيها .

الكل يقف مع مشروع تطوير الحافة سياحيا ، فهذا استثمار واعد سيعم خيره ليس محافظة ظفار لوحدها ، وانما لعموم البلاد ، لكن لا يجب أن يحمل صفة الثورة ضد هذه المنطقة الاثرية والاستراتيجية الواقعة على المحيط الهندي والتي بها منطقة البليد التاريخية التي كانت كانت مركزا تجاريا وثقافيا في ذلك الزمن .

ومما تقدم ، نقترح بصورة عاجلة الآتي :

الإسراع في الدليل الارشادي الذي يعد خارطة استرشاديه ملزمة للتنمية العمرانية والاقتصادية في بلادنا ، بحيث يمنع الاجتهاد والفردانية ، ويعبر عن عقل الدولة الحضاري والمعاصر ، ويجعل الذاكرة العمانية تعيش في مسيرتها الزمنية المتعاقبة في تلازمية منسجمة وفق قاعدتنا الشهيرة ” لا افراط ولا تفريط ” وما يفكر حاليا لمنطقة الحافة التاريخية هو قمة التفريط بها على حساب الافراط في الحداثة .

وحتى يعرف الدليل الارشادي النور ، نتمنى اشراك الرؤية الاكاديمية في مثل هذه المشاريع ، فكلية الهندسة مثلا في جامعة السلطان قابوس يمكن الاستفادة من خبرات اطرها المؤهلة حتى استصدار الدليل الارشادي ، حيث ان وجودها في مثل هذه المشاريع المهمة ستمثل الحلقة المفقودة ، والضامنة للتوازن بين ضرورات المحافظة على التراث والتعاطي مع العصر .

فغياب تمثيلها ” الإلزامي ” ستكون الغلبة للتفريط ، فهناك بيوت اثرية بمثابة كنوز – كما تظهرها الصور – ينبغي أن توظف إيجابيا لصالح تطوير المنطقة سياحيا ، حتى مساجدها التي يجري التفكير الان في هدمها أو بعضها ، تعكس رؤية الأجداد في بنائها ووراء المسافات الفاصلة بينها حكمة .. نترك الأجيال وغرور السائحين تسبح بهم الى تلكم الأزمنة– بصرف النظر عن الرؤية الشرعية من عملية هدم المساجد – .

وأخيرا ، فإن الحفاظ على البيوت الاثرية ، وإعادة احياء التي سقطت خاصة تلك التي لها حمولة تاريخية وجماليات فنية ، ينبغي ان يكون ضمن المشروع السياحي لمنطقة الحافة – كما كان متفق عليه – وان يوظف في اطار ان تكون هناك مدينة اثرية ببيوتها ومساجدها الفنية والمعمارية ، يمكن استخدامها لإقامة الفعاليات الثقافية والمؤتمرات والندوات والمسابقات الفكرية المتنوعة .

نتمنى ان يعاد النظر فورا في فكر الهدم الجانح نحو التفريط بهذه المنطقة التاريخية بامتياز ، والانتصار للمبدأ الذي يؤطر التنمية في بلادنا ، وهو ” لا افراط ولا تفريط ” ولذلك لدواعي سياحية نفسها ، فلابد من اعمال العقل في الصناعة السياحية الحديثة ، وجعل عدم التفريط بالقديم حاكما الزاميا لها .

ومؤخرا ، زار المناطق القديمة بعض الخبراء والمختصين ، وتفاجأوا ببيوتها ومساجدها الاثرية ، واكدوا على ما أكدته كل المصادر والمراجع على ان وراءها – أي هذه البيوت والمساجد – أسس فكرية وتخطيطية تتناغم مع الظروف البيئة للمنطقة واتجاهاتها الأربع ، حيث يتم مراعاة حرارة الطقس واتجاهات النسيم البحري والرياح الشمالية ، يتضح ذلك من فتحات الأبواب والنوافذ واتجاهها ، ومواقع دورات المياه .. انها ذاكرة الامة ، وهذه الذاكرة امانة ملقاة على عاتق الفرد والجماعة والدولة ، ورغم ذلك لابد من التساؤل التالي : من يحافظ على هذه الذاكرة من حالة التجريد والاغتراب التي جنحت الان بصورة مفاجئة ؟ ومن يؤمن بأهميتها السياحية ، وعنصرية الجذب السياحي فيها ، عليه التحرك فورا لوقف هدم هذه المنطقة التاريخية التي عمرها اكثر من أربعة قرون ، وندعوكم مجددا في التأمل العميق المجرد في نماذج الصور التي اخترناها بعشوائية بحثية ، لكى تنضموا الينا في قضية تجريم الهدم والاعلاء من مبدأ ” لا إفراط ولا تفريط ” والله المستعان .

شارك هذا الخبر