من حلقات الغريض إلى فصول السعيدية: سيرة معلّمٍ صاغ البدايات الأولى للتعليم العُماني

من حلقات الغريض إلى فصول السعيدية: سيرة معلّمٍ صاغ البدايات الأولى للتعليم العُماني
من حلقات الغريض إلى فصول السعيدية: سيرة معلّمٍ صاغ البدايات الأولى للتعليم العُماني
أثير- د. محمد بن حمد العريمي
انتقل إلى رحمته تعالى اليوم، الشيخ المعلم عبدالله بن سيف بن محمد الكندي أحد روّاد التعليم الأوائل في سلطنة عُمان، بعد رحلة كرّسها لغرس العلم وبناء الأجيال.
ويُعد الراحل من أبرز الأسماء التي أسهمت في تشكيل ملامح التعليم النظامي في مراحله المبكرة، تاركًا إرثًا علميًا وتربويًا لا يزال حاضرًا في ذاكرة التعليم العُماني.
“أثير” تقترب في هذا التقرير من ملامح شخصية هذا العَلَم التربوي البارز، مستعرضةً مسيرته العلمية منذ بواكير التعلّم في حلقات العلم، مرورًا بتجربته في التدريس بالمدرسة السعيدية، وصولًا إلى إسهاماته الفكرية ومؤلفاته التي تركت أثرًا ممتدًا في مسيرة التعليم العُماني.
البدايات العلمية والتكوّن المعرفي
وُلد الشيخ عبدالله بن سيف الكندي في مدينة نزوى عام 1930م، ونشأ في بيئة علمية تقليدية اعتمدت على حلقات المساجد والتلقي المباشر عن العلماء، حيث درس علوم اللغة والفقه على يد عدد من كبار العلماء، من أبرزهم الشيخ سليمان بن علي الكندي، والشيخ سالم بن حمود السيابي، وقد تميز منذ صغره بشغفه بالعلم، فجمع بين التحصيل الفقهي واللغوي، وهو ما أهّله لاحقًا للقيام بدور تعليمي مؤثر في واحدة من أهم المؤسسات التعليمية في عُمان آنذاك.
ويستعيد الشيخ المعلم عبدالله بن سيف الكندي ملامح بداياته التعليمية، مشيرًا إلى أن أولى خطواته في طريق العلم كانت داخل البيت، حيث تلقّى أساسيات القراءة والكتابة على يد والدته – رحمها الله – التي أولت تعليمه عناية خاصة، لا سيما في ظل سفر والده إلى زنجبار، وهو ما جعلها تتحمّل مسؤولية تنشئته العلمية في سنواته الأولى.
وفي مرحلة لاحقة، انتقل إلى ولاية نخل، حيث تتلمذ على يد فضيلة الشيخ القاضي سليمان بن علي الكندي، الذي احتضنه في منزله بمحلة الغريض، وأشرف على تعليمه وتربيته في آنٍ واحد، ولم يقتصر دور شيخه على التدريس، بل حرص على اصطحابه إلى البرزة ومجالس القضاء، ليكتسب من خلالها خبرة مبكرة في فهم المعاملات الاجتماعية وأصول القضاء والعلوم الشرعية.
وعن بداياته مع الكتب، يذكر الكندي أن أول ما شرع في تعلمه كان كتاب “ملحة الإعراب”، قبل أن ينتقل إلى “ألفية ابن مالك”، متبعًا منهجًا علميًا يقوم على حفظ الأبيات ثم شرحها، وصولًا إلى التطبيق العملي لقواعد الإعراب، وكانت تلك الحلقات العلمية تضم عددًا من طلبة العلم الذين برزوا لاحقًا في مجالات الفقه واللغة والميراث وأصول الدين؛ ما أوجد بيئة علمية ثرية أسهمت في صقل شخصيته العلمية مبكرًا.
وفي سياق حديثه عن رحلته في طلب العلم، أشار الشيخ المعلم عبدالله بن سيف الكندي إلى مرحلة مهمة من تكوينه العلمي، تمثلت في تتلمذه على يد فضيلة الشيخ سالم بن حمود السيابي – رحمه الله –، حيث تلقّى عنه علوم البلاغة، إلى جانب ما كان ينهله من معارف متنوعة في اللغة والدين.
ويبيّن الكندي أن الشيخ السيابي كان في تلك الفترة يتولى القضاء والولاية في نخل، وكان مقر عمله وسكناه في قلعة نخل، الأمر الذي لم يكن عائقًا أمام طلبه للعلم، بل دافعًا لمزيد من الاجتهاد؛ إذ كان يقطع المسافة يوميًا مشيًا على الأقدام من محلة “الغريض” إلى القلعة بعد صلاة الفجر مباشرة، في مشهد يعكس روح المثابرة التي اتسم بها طلبة العلم في تلك المرحلة.
وفي تلك الرحلة اليومية، كان يقضي ساعات في قراءة الكتب، ومناقشة المسائل، والتعمق في مختلف فنون المعرفة، مستفيدًا من علم شيخه وخبرته، وهو ما أسهم في بناء رصيد علمي متين، شكّل لاحقًا الأساس لدوره التعليمي في المدرسة السعيدية.
في رحاب المدرسة السعيدية
في عام 1954م، عُيِّن الشيخ عبدالله بن سيف الكندي معلمًا لمادة التربية الإسلامية في المدرسة السعيدية بمسقط، التي افتتحت في عام 1940م وكانت تمثل آنذاك النواة الأساسية للتعليم النظامي في البلاد، وقد جاء تعيينه بتزكية من عدد من العلماء، في وقتٍ كانت فيه المدرسة تستقطب نخبة من الطلبة الذين سيشكلون لاحقًا قيادات سياسية وإدارية وفكرية في السلطنة.
وحول انتقاله للتدريس في المدرسة السعيدية بمسقط أوضح الشيخ الكندي بأن ذلك جاء بتزكية من الشيخ عبد الرحيم بن سيف الخروصي، حيث عُيَّن في عام 1954م بالمدرسة السعيدية بصفته معلمًا للتربية الإسلامية.
وخلال فترة عمله التي امتدت حتى عام 1973م، كان الكندي أحد أبرز معلمي المدرسة، حيث شارك في تعليم أجيالٍ كاملة، وأسهم في ترسيخ العلوم الشرعية واللغة العربية في نفوس الطلبة، في ظل نظام تعليمي صارم ومكثف يتضمن حصصًا يومية متعددة وتقييمًا مستمرًا.
وتشير المصادر وكشوف المدرسة الإدارية والتدريسية إلى أن المدرسة السعيدية ضمّت عددًا من المعلمين البارزين في تلك الفترة، وكان الشيخ عبدالله الكندي من بين الأسماء التي استمر عطاؤها التربوي لسنوات طويلة، ضمن قائمة المعلمين منذ خمسينيات القرن العشرين.
أثره التربوي والعلمي
لم يقتصر دور الشيخ الكندي على التدريس داخل الصفوف، بل تجاوز ذلك إلى التأثير في شخصية طلابه، إذ عُرف بأسلوبه التربوي القائم على الجمع بين العلم والسلوك؛ ما جعل أثره ممتدًا في نفوس تلاميذه.
كما واصل نشاطه العلمي بعد انتهاء خدمته التعليمية، حيث تفرغ للتأليف والبحث، وترك عددًا من المؤلفات في علوم القرآن والحديث والفقه.
إنتاجه العلمي ومؤلفاته
لم يقف عطاء الشيخ المعلم عبدالله بن سيف الكندي عند حدود التدريس، بل امتد إلى مجال التأليف والبحث العلمي، حيث ترك عددًا من المصنفات التي تعكس سعة اطلاعه وتنوع اهتماماته في العلوم الشرعية.
ففي مجال الفقه وعلوم القرآن، ألّف كتاب “عقود العقيان في ذكر شيء من مباحث القرآن”، وهو عملٌ جمع فيه بين جوانب متعددة كأسباب النزول، وأحكام القرآن، وأوجه الإعجاز، وقد صاغه في أبيات شعرية سهلة، تعكس منهج العلماء في تقريب العلم بالحفظ والنظم.
كما وضع مؤلفًا في علوم الحديث بعنوان “التحديث في علوم الحديث”، تناول فيه مباحث هذا العلم الشريف بأسلوب تعليمي منهجي، إلى جانب عددٍ من الكتب الفقهية المتخصصة، من بينها سبيل الرشاد في فقه عدة الوفاة والحداد، والوحدة الإسلامية، وفتح المقتدر في أحكام الحاج والزائر والمعتمر.
وتبرز هذه المؤلفات اهتمام الشيخ الكندي بقضايا المجتمع، وسعيه إلى تبسيط العلوم الشرعية وتقريبها للدارسين، بما يجمع بين التأصيل العلمي والطرح التعليمي الميسر.
ويمكن القول إن سيرة الشيخ المعلم عبدالله بن سيف الكندي تختزل ملامح مرحلةٍ مفصلية في تاريخ التعليم العُماني، حيث تلاقت فيها روح التعليم التقليدي القائم على الحلقات العلمية، مع البدايات الأولى للتعليم النظامي في المدرسة السعيدية بمسقط، فقد مثّل الكندي نموذجًا للمعلم الذي صاغته بيئة علمية أصيلة، وصقلته رحلات الطلب والمثابرة، ليعود حاملًا رسالة التعليم إلى أجيالٍ كانت على موعد مع التحوّل الكبير في مسيرة الوطن.
ويبقى الشيخ عبدالله بن سيف الكندي شاهدًا حيًا على قيمة العلم في بناء الإنسان، وعلى الدور العميق الذي أدّاه المعلمون الأوائل في تمهيد الطريق لنهضة عُمان الحديثة، حيث بدأت الحكاية من مجالس علمٍ بسيطة، لتثمر وطنًا يزهو بالمعرفة وأبنائه.
المراجع
  • عُيِّن معلمًا في السعيدية عام 1954م: الكندي يتحدث عن مسيرته التربوية. تقرير منشور في منصة “أثير” ١٤ أبريل ٢٠٢١
  • جريدة عمان. عدد الاثنين 6 فبراير 1987.
  • المكتبة السعيدية. https://alsaidia.com/node/403
  • أرشيف متحف المدرسة السعيدية.

شارك هذا الخبر