إني كنت لكم من الناصحين

إني كنت لكم من الناصحين
إني كنت لكم من الناصحين
أثير - محمد حسن
مرتين خلال تسعة أشهر، كانت الولايات المتحدة وإيران على وشك التوصل إلى اتفاق حقيقي بشأن أصعب قضية تفرقهما“. لم أجد أفضل مما افتتح به مقالي هذا مما كتبه معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير خارجية سلطنة عُمان، بعد اندلاع شرارة الحرب، في صحيفة “الإيكونوميست” البريطانية تحت عنوان: يجب على أصدقاء أميركا مساعدتها على الخروج من حرب غير شرعية.
هذا المقال، باعتقادي، شكل وثيقة دبلوماسية نادرة في جرأتها، حتى بعد تصاعد العنف وتقويض المساعي الدبلوماسية التي كان هو عرابها؛ إذ عكست تلك الخطوات الدبلوماسية المتزنة أثناء المفاوضات وحتى بعد تعثرها؛ نتيجة انجرار أمريكا إلى حرب ليست حربها وفق سيناريو مُضّلل لا يخفى على أحد من قام بتمريره فهماً عميقاً للحظة التاريخية، ووعياً أصيلاً يستند إليه معالي السيد في دبلوماسيته النادرة التي تجمع بين دبلوماسية الكواليس والصوت العلني الجريء والواضح.
طرح وزير الخارجية سؤالاً بسيطاً: “ماذا يمكننا أن نفعل لإخراج القوة العظمى من هذا التورط غير المرغوب فيه؟ أولاً وقبل كل شيء، على أصدقاء أميركا مسؤولية قول الحقيقة. وهذا يبدأ بحقيقة أن هناك طرفين في هذه الحرب ليس لديهما ما يكسبان منها، وأن المصالح الوطنية لكل من إيران وأميركا تكمن في إنهاء الأعمال العدائية في أقرب وقت ممكن. هذه حقيقة غير مريحة لأنها تتضمن الإشارة إلى المدى الذي فقدت فيه أميركا السيطرة على سياستها الخارجية، لكن يجب قولها”.
هذه الكلمات تُستخلص منها حكمة تُكتب بماء الذهب، ليس لأنها تعبير عن ضرورة قول الحقيقة فحسب، فحتى ندرك الأبعاد كاملة يجب أن نرىالسياق كاملاً. متضمناً توقيت هذا الطرح بين دوي المدافع وتعقيدات التوازنات الإقليمية. وصفة المتكلم وشجاعته، فبالرغم من الانقلاب على طاولة المفاوضات مرتين، ماتزال محاكمته للوقائع تتعالى على ردات الفعل وترسخ منطق عقلاني صلب.
قالت العرب قديماً: “صديقك من أهدى إليك عيوبك”. وببساطة المنطق ذاته، نستنتج أن من زين لك طيشك وتهورك لا يمكن أن يكون صديقاً لك. يجب أن تعلم الإدارة الأمريكية أن معالي الوزير عندما ناصحها بقول الحقيقة، وأشار إلى تورطها في حرب ليست حربها وفق مصلحتها الوطنية نفسها، قد عبّر عن رغبة صادقة وأصالة حقيقية تستند إلى إرث عُماني وتاريخ حضاري عريق جُبلت عليه شخصيته الفذة، والتي حازت المعرفة والشجاعة مع رغبة صادقة بتوجيه الأقوال والأفعال نحو السلام والازدهار.
فالدبلوماسية العُمانية لا يخفى على أحد أنها تقول في العلن ما تقوله في السر، بخطاب واضح، رزين، واقعي، وصادق، يقف على مسافة واحدة من أطراف الحوار، بالتوازي مع جهود ذكية وبناءة في تقريب وجهات النظر والخروج بخلاصات والبناء عليها لتساعد في تكوين نافذة مشتركة يطل منها أطراف التفاوض؛ وهو الأمر الذي راكم عبر عقود، سمعة إقليمية ودولية جعلت من سلطنة عُمان وسيطاً محايداً وموثوقاً، تعبّر عنه سياسة خارجية تستند إلى مبادئ السلام والحوار، ساهم معالي السيد بدر البوسعيدي في تطويرها، وهو ما ظهر في قدرته على التحدث علناً وبجرأة عن الحقائق الصعبة حتى لو كانت غير مريحة للأطراف المتنازعة.
وهو ما تجلى في مشهد للتاريخ سيبقى في ذاكرة العالم أجمع، حينما أطلّ معالي السيد شخصياً في استوديو برنامج “Face the Nation” على شاشة “CBS News” الأمريكية، مخاطباً الجمهور الأمريكي: “إذا سمحنا للدبلوماسية بالمساحة التي تحتاجها، سيكون لدينا اتفاق في متناول اليد، وأوضح أن إيران وافقت على التزام غير مسبوق: صفر تجميع، وصفر تخزين، وتحقق كامل من قبل مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية”. وعبّر عن وجود فرصة تاريخية حقيقية لحل هذه القضية دبلوماسياً. وفي معرض رده على سؤال مارغريت برينان حول مخاوفه من تهور الولايات المتحدة وإسرائيل بقصف إيران وسط عملية التفاوض: “عبّر عن قلقه، وأنّ العالم كله يشاركه هذا القلق”.
وبالفعل، على طريقة أفلام هوليود، قامت أمريكا وإسرائيل بقصف إيران وسط عملية التفاوض، دون أن تدرك هذه المرة أنّ بطل شباك المشاهدات للدراما السياسية كان وزير الخارجية ، حينما كشف بجرأة نادرة حقيقة ما يجري وراء الكواليس، وأصبح تريند عالمي، تمّ تداول اسمه على المواقع المرئية والمسموعة والمكتوبة مئات الملايين من المرات بحسب إحصائيات موثقة. لقد ساهم معالي السيد بدر في تشكيل رأي عام عالمي ضد الحرب، وخاصة الرأي العام الأمريكي، حينما عرّى ادعاءات آلة الحرب وزيف مزاعمها، وكشف حجم التعاون الإيراني الذي قوبل بتعنت وإنكار إسرائيلي مقصود، ساهم في جر أمريكا إلى حرب ليست حربها، مما دفع بالرأي العام الأمريكي إلى مساءلة سياسييه حول ما إذا كانوا يخدمون مصالح الأمريكيين أم مصالح نتنياهو.
في ضوء هذه المعطيات، تتجه بوصلة التحليل السياسي نحو مقاربات تاريخية كبرى؛ فمن زاوية أولى، يمارس معالي السيد بدر ما يمكن تسميته بـ “واقعية مترنيخ”؛ فكما بنى كليمنس فون مترنيخ نظاماً أوروبياً يحافظ على التوازنات لمنع تفجر الحروب الأوروبية، يدرك معالي السيد بدر البوسعيدي أن أمن الخليج لا يتحقق بعزل القوى الإقليمية أو شيطنتها، بل بإدماج الخصوم في منظومة من التفاهمات المشتركة.
ومن زاوية ثانية، تتطابق شخصيته الدبلوماسية مع إرث داغ همرشولد، الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة والأب الروحي للدبلوماسية الهادئة؛ فكلاهما يشتركان في النزاهة المطلقة والقدرة الاستثنائية على كسب ثقة جميع الأطراف. ورغم أن هندسة المفاوضات المعقدة تذكرنا بالدبلوماسية المكوكية لهنري كيسنجر، إلاّ أن الفارق الجوهري يكمن في الغاية؛ فبينما استخدم كيسنجر الدبلوماسية كأداة لتعزيز الهيمنة، يستخدمها معالي السيد بدر كدرع لدرء الحروب وحماية استقرار الإقليم.
من خلال إدارته الحكيمة والديناميكية للأزمة الأخيرة، لم يكتفِ معالي السيد بدر البوسعيدي بترسيخ مكانة سلطنة عُمان كعاصمة للسلام فحسب، بل قدم نموذجاً حيّاً “للدبلوماسية الوقائية” التي يفتقر إليها النظام العالمي اليوم. قد تفشل السياسة أحياناً تحت وطأة أصوات المدافع والقرارات الانفعالية، وتتراجع فرص السلام في لحظات التصعيد الأعمى، لكن التاريخ سيسجل حتماً أنّ هناك رجلاً في مسقط امتلك الرؤية لتقديم خارطة طريق واقعية تنقذ المنطقة من الدمار، وامتلك من الشجاعة ما يكفي لانتقاد من أضاعها.

شارك هذا الخبر