ميزان سلطنة عمان.. أن تكون جسرًا للحوار في لحظة يراد فيها حرق الجسور

ميزان سلطنة عمان.. أن تكون جسرًا للحوار في لحظة يراد فيها حرق الجسور
سلطنة عمان .. السلام والأمن والآمان
أثير - محمد الدغيشي
حين وقع السيد سعيد بن سلطان أولى معاهدات الصداقة والتجارة مع الولايات المتحدة في الحادي والعشرين من سبتمبر عام 1833، لم يكن يتوقع أن يأتي يوم يلوح فيه رئيس أمريكي بتفجير ما بناه الأجداد على مدى قرنين من الثقة المتبادلة. غير أن المشهد الراهن يضع العلاقة الأعمق والأقدم بين واشنطن ودولة عربية أمام اختبار غير مسبوق، إذ تتقاطع خطوط التوتر عند نقطة بالغة الحساسية: مضيق هرمز.
تصعيد على حافة الهاوية: حليف قرنين في مرمى “التفجير”
تناولت المذيعة إيرين بيرنت في برنامج “OutFront” على شبكة CNN، تصريح الرئيس الأمريكي، لترصد تصعيداً لافتًا في خطابه تجاه سلطنة عمان، وصل إلى حد التلويح ”بالتفجير”، مؤكدا أن المياه الدولية يجب أن تبقى مفتوحة تحت المراقبة الأمريكية.
ما يمنح هذا التصريح ثقلا استثنائيا هو طبيعة الطرف المستهدف؛ فسلطنة عمان ليست دولة معادية، بل هي شريك استراتيجي راسخ تمتد جذور علاقته بواشنطن إلى ما قبل أن تعرف المنطقة مفهوم الدولة الحديثة. والأكثر من ذلك، أنها الدولة التي أوصلت أمريكا إلى طاولة الحوار مع إيران في المرات التي تعذر فيها الحوار على الجميع. يندرج هذا التهديد ضمن سلسلة تصريحات سابقة لوح فيها ترامب باستخدام القوة ضد عدة دول، في وقت يؤكد فيه أنه لن يخضع لضغوط زمنية مرتبطة بانتخابات التجديد النصفي.
التاريخ الدبلوماسي المشترك: محطات الشراكة بين مسقط وواشنطن منذ 1790
للوقوف على حجم ما يهدد به، لا بد من استحضار العمق التاريخي لهذه العلاقة. في عام 1790، كانت السفينة الأمريكية “رامبلر” أول مركب يرسو في ميناء سلطنة عمان، في عهد الرئيس جورج واشنطن نفسه. وبعد أربعة وأربعين عاما، توج هذا التواصل بأول معاهدة صداقة وتجارة بين البلدين، جعلت سلطنة عمان من أوائل الدول العربية التي أقامت علاقات رسمية مع الولايات المتحدة، بعد المملكة المغربية.
وفي يناير 1975، حمل السلطان قابوس بن سعيد طيب الله ثراه هذا الإرث معه إلى واشنطن، في أولى زياراته الرسمية للولايات المتحدة، ليلتقي بالرئيس جيرالد فورد في البيت الأبيض. جاءت الزيارة في سياق بالغ الحساسية؛ الحرب الباردة في أوجها، وحرب ظفار تلقي بظلالها على الأمن الإقليمي، والمنطقة تترقب.
وبحسب تقرير وزير الخارجية هنري كيسنجر إلى الرئيس فورد، كان الهدف طمأنة السلطان بأن واشنطن تقدر علاقاتها الودية مع سلطنة عمان، وتشجيعه على مواصلة مسيرة التنمية، والتأكيد على التزام أمريكا بالعمل نحو تسوية عادلة للصراع العربي الإسرائيلي.
هندسة “الحوار المستحيل”: لماذا تحتاج العواصم للغة سلطنة عمان الصريحة؟
لا يمكن فهم الغضب الأمريكي المعلن من دون فهم الدور الذي باتت سلطنة عمان تؤديه، وهو دور جعلها بالمعنى الحرفي “بوابة الحوار المستحيل”. حين أعلن السلطان هيثم بن طارق في خطابه الأول التزامه بترسم خطى سلفه الراحل في “التعايش السلمي وحسن الجوار وعدم التدخل في شؤون الغير واحترام سيادة الدول”، كان يعلن في الوقت ذاته استمرارية فلسفة دبلوماسية فريدة قوامها الحياد وقول الحقيقة كاملة بوضوح دون لف أو دوران.
هذه الفلسفة هي ما جعلت سلطنة عمان الوجهة الأولى حين يتعذر الحوار بين الخصوم. فالدبلوماسية العمانية لا تعرف ازدواجية الخطاب، ولا توجد فيها كما تقول الرؤية السلطانية “سياسة في الخفاء وأخرى في العلن”. وهذه الصراحة، وإن كانت “أحيانا تجلب بعض المتاعب” كما أقر السلطان الراحل، إلا أنها تبني رصيدا من المصداقية لا تملكه العواصم الأكثر ضجيجاً.
بالأرقام والشهادات: عندما يتحول الحياد العُماني إلى سلام عالمي مصدق
ما تبنيه السياسة الخارجية العمانية على المستوى الدولي، يعكسه الداخل بوضوح. فقد حلت سلطنة عمان في المرتبة الـ37 عالميا في مؤشر السلام العالمي لعام 2024، الصادر عن معهد الاقتصاد والسلام، والثالثة إقليميا على مستوى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في تقدم لافت بلغ أحد عشر مرتبة خلال عام واحد. وعلى مدى السنوات الأخيرة، رسمت سلطنة عمان منحنى تصاعديا ثابتا في هذا المؤشر، إذ كانت في المرتبة الثامنة والستين عام 2022، ثم الثامنة والأربعين عام 2023. وفي مؤشر استمرار الصراع المحلي والدولي، احتلت المرتبة السابعة عشرة عالميا، مساوية لدول كالكويت وقطر. هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل هي شهادة دولية على أن النهج الدبلوماسي العماني القائم على الاستقرار والحياد يُنتج سلاماً حقيقياً، لا شعارات.
حرب الأساليب: صدام الدبلوماسية الهادئة مع راديكالية الضغط
في قراءة موضوعية للمشهد، لا يمكن تفسير التصعيد الأمريكي باعتباره نتاج عداء تاريخي؛ فليس بين البلدين ما يبرر ذلك. ما يجري هو شيء مختلف: صدام بين “الواقعية الدبلوماسية العمانية” التي ترفض الانحياز وتتمسك بحق الوساطة مع جميع الأطراف و”الراديكالية السياسية” لأسلوب ترامب الذي يتعامل مع الحلفاء بمنطق الضغط قبل منطق الشراكة.
عمان التي تسهل مفاوضات الملف النووي اليوم هي ذاتها التي فتحت القنوات السرية عام 2013 بين واشنطن وطهران، وهي التي أتاحت للملاحة الأمريكية حرية الحركة عبر مضيق هرمز على مدى عقود. الخلاف الآني لا يمحو هذا الرصيد، لكنه يكشف أن عمان تؤدي دورها الأصعب في أكثر اللحظات توترا؛ أن تكون جسرا حين يريد الجميع حرقه.
المصادر:

شارك هذا الخبر