المواد الحافظة في غذائنا: ضرورة أم مصدر قلق؟

المواد الحافظة في غذائنا: ضرورة أم مصدر قلق؟
المواد الحافظة في غذائنا: ضرورة أم مصدر قلق؟
أثير - ريما الشيخ
في ظل التوسع المتزايد في إنتاج الأغذية المصنعة والجاهزة للاستهلاك، تتزايد تساؤلات المستهلكين حول المواد الحافظة المستخدمة في المنتجات الغذائية، ومدى تأثيرها على الصحة، خاصة مع انتشار معلومات متباينة بين التحذير من مخاطرها والتأكيد على أهميتها في حفظ الغذاء وضمان سلامته.
وتؤدي المواد الحافظة دورًا رئيسيًا في الحد من نمو الكائنات الحية الدقيقة المسببة لفساد الأغذية أو التسممات الغذائية، كما تسهم في إطالة فترة صلاحية المنتجات والمحافظة على خصائصها أثناء التخزين والنقل والتوزيع، الأمر الذي يجعلها جزءًا أساسيًا من منظومة سلامة الغذاء الحديثة.
وحول هذا الموضوع، حاورت “أثير” المهندسة فاطمة بنت يوسف العريمية، رئيسة قسم المطابقة بدائرة المواصفات الغذائية والمطابقة في مركز سلامة وجودة الغذاء، التي أوضحت عددًا من الجوانب المتعلقة باستخدام المواد الحافظة وضوابط سلامتها وتأثيراتها الصحية.
المواد الحافظة.. أداة لحفظ الغذاء
أوضحت العريمية أن المواد الحافظة تُعرف بأنها مواد تضاف إلى الأغذية بهدف الحد من أو إبطاء التغيرات الميكروبية أو الكيميائية أو الإنزيمية التي قد تؤدي إلى فساد الغذاء أو انخفاض جودته أو تقصير فترة صلاحيته.
وأضافت أن استخدامها يهدف إلى منع نمو البكتيريا والخمائر والعفن، وإطالة فترة الصلاحية، والمحافظة على جودة المنتج أثناء النقل والتخزين والتوزيع، إلى جانب الحد من الفاقد والهدر الغذائي والحفاظ على الخصائص الحسية للغذاء مثل اللون والطعم والرائحة.
وأكدت أن المواصفات المعتمدة تشترط أن يكون استخدام المادة الحافظة مبررًا فنيًا، وأن يقتصر على أقل كمية تحقق الغرض المطلوب وفق مبدأ ممارسات التصنيع الجيد.
هل تمثل المواد الحافظة خطرًا على الصحة؟
بيّنت المهندسة فاطمة لـ “أثير” أن المواد الحافظة المسموح باستخدامها في الأغذية خضعت لتقييمات علمية دقيقة من قبل الجهات الدولية المختصة، وعلى رأسها لجنة الخبراء المشتركة للمواد المضافة الغذائية التابعة لمنظمتي الأغذية والزراعة والصحة العالمية.
وأشارت إلى أن هذه الجهات تقوم بدراسة البيانات السمية والغذائية لكل مادة وتحديد الجرعة المقبولة يوميًا أو اعتماد استخدامها وفق ضوابط علمية محددة.
وأكدت أن وجود مادة حافظة في الغذاء لا يعني بالضرورة وجود خطر صحي، موضحة أهمية التمييز بين مفهوم “الخطر” ومفهوم “المخاطر الفعلية”، حيث يعتمد التأثير الصحي على مستوى التعرض والكميات المستهلكة مقارنة بالحدود الآمنة المعتمدة.
وأضافت أن المواد الحافظة المصرح بها تعتبر آمنة عند استخدامها ضمن الحدود القصوى المقررة علميًا وتنظيميًا، مع الالتزام بالمواصفات الفنية المعتمدة.
ضوابط صارمة لاستخدام المواد الحافظة
وأوضحت المهندسة أن استخدام المواد الحافظة تحكمه مجموعة من الضوابط التنظيمية، من أبرزها أن تكون المادة مدرجة ضمن المواد المسموح بها في المواصفات المعتمدة، وأن يحدد لكل مادة حد أقصى للاستخدام بحسب نوع الغذاء.
كما يشترط وجود مبرر تقني لاستخدام المادة، والالتزام بممارسات التصنيع الجيد، بالإضافة إلى الإفصاح عنها بوضوح على البطاقة الغذائية بما يضمن شفافية المعلومات المقدمة للمستهلك.
الطبيعية والصناعية.. هل هناك فرق في الأمان؟
وحول الفرق بين المواد الحافظة الطبيعية والصناعية، أوضحت أن المواد الحافظة الطبيعية تشمل مواد مثل الملح والسكر والخل وعصير الليمون وبعض المستخلصات النباتية وحمض الأسكوربيك المعروف بفيتامين “ج”.
أما المواد الحافظة الصناعية فتشمل مواد يتم إنتاجها أو تحضيرها بطرق صناعية مثل سوربات البوتاسيوم وبنزوات الصوديوم وثاني أكسيد الكبريت والنيتريت والنيترات المستخدمة في بعض المنتجات الغذائية المخصصة لذلك.
وأكدت أن سلامة المادة لا تُحدد بناءً على كونها طبيعية أو صناعية، وإنما تعتمد على نتائج التقييم العلمي والجرعات المستخدمة وطبيعة الغذاء الذي تضاف إليه، مشيرة إلى أن بعض المواد الطبيعية قد تكون ضارة عند الإفراط في استخدامها، في حين أثبتت مواد صناعية عديدة سلامتها عند الالتزام بالحدود التنظيمية المعتمدة.
الإفراط في الأغذية فائقة التصنيع
وفيما يتعلق بالتأثيرات الصحية المحتملة على المدى الطويل، أوضحت العريمية أن الهيئات العلمية الدولية تؤكد أن التعرض للمواد الحافظة ضمن الحدود المسموح بها لا يمثل خطرًا صحيًا على المستهلك.
وأضافت أن بعض الدراسات الحديثة تربط التأثيرات الصحية الناتجة عن الإفراط في استهلاك الأغذية فائقة التصنيع بعوامل متعددة تشمل ارتفاع محتواها من السكر والدهون والملح والسعرات الحرارية، إضافة إلى نمط الاستهلاك الغذائي بشكل عام، وليس بالضرورة بالمواد الحافظة وحدها.
وأشارت إلى أن الاعتماد المفرط على الأغذية عالية المعالجة قد يزيد من التعرض لبعض المضافات الغذائية مقارنة بالأنماط الغذائية المتوازنة، كما قد تظهر لدى بعض الأفراد الحساسين آثار غير مرغوبة مرتبطة بأنواع محددة من المواد الحافظة.
الفئات الأكثر حساسية
قد تكون بعض الفئات أكثر حساسية لبعض المواد المضافة مقارنة بغيرها، ومن بينها الأطفال بسبب انخفاض وزن الجسم مقارنة بالبالغين، وكبار السن الذين قد يعانون من تغيرات فسيولوجية تؤثر على عمليات التمثيل الغذائي.
مشيرة إلى أن ل هذه الفئات قد تشمل بعض المصابين بالحساسيات الغذائية أو الربو أو بعض الحالات الصحية الخاصة التي قد تتأثر بأنواع محددة من المواد الحافظة.
وأكدت أن تقييمات السلامة الدولية تراعي هذه الفئات عند تحديد الجرعات المقبولة يوميًا، من خلال اعتماد هوامش أمان مرتفعة تهدف إلى حماية جميع فئات المجتمع.
كيف يقرأ المستهلك البطاقة الغذائية؟
وأوضحت العريمية أن المستهلك يستطيع التعرف على المواد الحافظة الموجودة في المنتج من خلال قائمة المكونات المدونة على البطاقة الغذائية.
وأضافت أن المادة الحافظة قد تُذكر باسمها الكامل أو بصفتها الوظيفية متبوعة باسم المادة، أو من خلال رقم التصنيف الدولي المعروف باسم INS Number، مثل سوربات البوتاسيوم (INS 202) أو بنزوات الصوديوم (INS 211).
ونصحت المستهلكين بقراءة قائمة المكونات بعناية ومقارنة المنتجات المختلفة واختيار ما يتناسب مع احتياجاتهم الغذائية والصحية، مؤكدة أن التشريعات الغذائية تلزم المصنعين بالإفصاح عن المضافات المستخدمة لضمان الشفافية.
هل المنتج الخالي من المواد الحافظة أفضل؟
وحول المنتجات التي تحمل عبارة “خالٍ من المواد الحافظة”، أكدت المهندسة فاطمة أن هذه العبارة لا تعني بالضرورة أن المنتج أكثر أمانًا أو أفضل صحيًا.
وأوضحت أن سلامة الغذاء تعتمد على عوامل عديدة تشمل جودة المواد الخام وطرق التصنيع وظروف التعبئة والتخزين والنقل والالتزام بالاشتراطات الصحية، مشيرة إلى أن بعض الأغذية يمكن حفظها بوسائل أخرى مثل التبريد أو التجفيف أو المعالجة الحرارية دون الحاجة إلى إضافة مواد حافظة.
وأضافت أن وجود مواد حافظة مصرح بها وضمن الحدود المقررة لا يجعل المنتج أقل أمانًا، كما أن خلو المنتج منها لا يعني تلقائيًا أنه الخيار الصحي الأفضل في جميع الحالات.
دور مركز سلامة وجودة الغذاء
وأكدت المهندسة أن مركز سلامة وجودة الغذاء يؤدي دورًا محوريًا في ضمان سلامة الأغذية المتداولة في الأسواق، من خلال المشاركة في إعداد وتحديث المواصفات واللوائح الفنية الوطنية والخليجية المتعلقة بالمضافات الغذائية.
وأضافت أن المركز ينفذ برامج للرصد المبني على المخاطر، ويتحقق من مطابقة المنتجات الغذائية للمواصفات واللوائح المعتمدة، ويراجع المضافات المستخدمة للتأكد من أنها ضمن المواد المسموح بها والحدود القصوى المقررة.
كما يشمل دوره تنفيذ برامج الرقابة والتفتيش وأخذ العينات والتحليل المخبري، ومتابعة المستجدات العلمية والتشريعية الدولية، إلى جانب تعزيز وعي المستهلكين والمصنعين بالاستخدام السليم للمضافات الغذائية.
واختتمت المهندسة فاطمة العريمية حديثها لـ“أثير” بالتأكيد على أن المواد الحافظة المستخدمة في الأغذية المتداولة تخضع لمنظومة رقابية وتشريعية متكاملة تهدف إلى ضمان سلامة الغذاء وحماية صحة المستهلك وتعزيز الثقة بالمنتجات الغذائية المتوفرة في الأسواق.

شارك هذا الخبر