بالصور: تفاصيل عن (بيت السرّاي) الذي يمثّل نموذجًا حيًا للعمارة العُمانية الراقية

بالصور: تفاصيل عن (بيت السرّاي) الذي يمثّل نموذجًا حيًا للعمارة العُمانية الراقية
بيت السرّاي
أثير- د. محمد بن حمد العريمي
تختزن ولاية صور العديد من المعالم العمرانية التي تروي فصولًا من تاريخها البحري العريق، حيث كانت تضم عددًا من البيوت الكبيرة التي عُرفت محليًا باسم “بيوت السركال”، وغالبًا ما كانت مملوكة لكبار التجار وأرباب السفن وأصحاب الأموال الذين ارتبطت ثرواتهم بالنشاط البحري والتجاري المزدهر للمدينة، ولم تكن أهمية هذه البيوت نابعة من فخامتها المعمارية أو مساحاتها الواسعة فحسب، بل تجاوزت ذلك لتؤدي أدوارًا اجتماعية وإنسانية بارزة جعلتها جزءًا أصيلًا من منظومة التكافل الاجتماعي في المجتمع الصوري.
ففي مواسم السفر البحري الطويلة، حين يغيب الرجال لشهور متتابعة في رحلات التجارة والملاحة، كانت الأسر المالكة لهذه البيوت تقوم بدور الكافل الاجتماعي، إذ تُعد كميات كبيرة من الطعام وتوزعها على الأسر الأقل دخلًا، ولا سيما عائلات البحارة والمسافرين، في صورة تجسد روح التعاون والتراحم التي عُرف بها أهل صور عبر الأجيال.
كما خصصت بيوت السركال غرفًا مهيأة لاستقبال الضيوف والقادمين إلى المدينة من التجار والمسافرين والمتعاملين مع الأسواق المحلية، لتصبح بذلك مراكز للضيافة والتواصل الاجتماعي. وفي المناسبات المختلفة، كالأعياد وحالات الوفاة والأفراح، كانت هذه البيوت تتحول إلى فضاءات مجتمعية يلتقي فيها الأقارب والجيران لتبادل العون وأداء الواجبات الاجتماعية، ولم يقتصر دورها على ذلك، بل كانت توفر الملاذ الآمن لأصحاب البيوت البسيطة عند هبوب العواصف والأمطار الغزيرة، الأمر الذي عزز مكانتها باعتبارها مؤسسات اجتماعية أهلية قبل ظهور الكثير من الخدمات الحديثة.
ولذلك وصفها عدد من المهتمين بتاريخ المدينة ومن بينهم الباحث خالد بن علي المخيني بأنها كانت “حاضنات حقيقية” أسهمت في ترسيخ قيم التضامن والتكافل داخل مجتمع عمل بجد واجتهاد من أجل بناء حياة أكثر استقرارًا وازدهارًا.
وفي وصفه لهذه البيوت، يشير الباحث خالد المخيني إلى أن المنازل الكبيرة في صور كانت تُشيّد وفق الطراز المعماري التقليدي على هيئة مربعات أو مستطيلات، بجدران سميكة من الحجارة والطين يصل عرضها إلى نحو ثلاثة أقدام، وتضم عددًا كبيرًا من الحجرات والغرف المتفاوتة في أحجامها ووظائفها، وكان جزء مهم من هذه الغرف يُستخدم لتخزين البضائع التي تنقلها السفن التجارية حتى يتم بيعها أو توزيعها، بينما خُصصت الغرف العلوية عادةً لسكن كبير الأسرة، لما توفره من خصوصية وإطلالة مباشرة على البحر أو خور صور.
ويعدّ (بيت السرّاي)، بما يضمه من تفاصيل إنشائية وزخرفية، نموذجًا حيًا للعمارة السكنية الراقية التي ازدهرت في مدينة صور خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، حين كانت المدينة إحدى أهم الحواضر البحرية والتجارية في المنطقة.
ففي منطقة العيجة بولاية صور، وعلى مقربة من البحر الذي صنع مجد المدينة لقرون طويلة، يقف البيت شامخًا كشاهدٍ على مرحلة من الازدهار الاقتصادي والاجتماعي ارتبطت بعصر الملاحة الشراعية والتجارة البحرية. فهذا البيت العريق ليس مجرد مبنى أثري تجاوز عمره المائة عام، بل يمثل نموذجًا حيًا لبيوت السركال الكبيرة التي شكلت جزءًا مهمًا من النسيج العمراني والاجتماعي لمدينة صور، وأسهمت في ترسيخ قيم التكافل والتعاون بين أفراد المجتمع.
ويحمل البيت بين جدرانه وأروقته تفاصيل كثيرة عن حياة النواخذة وأرباب السفن، وعن العلاقة الوثيقة التي جمعت بين المسكن والبحر والتجارة. كما يعكس مستوى التقدم الذي بلغته العمارة التقليدية في صور، وما صاحبها من ازدهار اقتصادي نتج عن النشاط الملاحي الذي ربط المدينة بمواني الخليج والهند وشرق أفريقيا.
وفي هذا التقرير تقترب “أثير” من بيت السرّاي، لتستكشف تاريخه وموقعه ومكوناته المعمارية، وتسلط الضوء على أدواره الاجتماعية والاقتصادية، بوصفه واحدًا من أبرز المعالم العمرانية التي لا تزال تحفظ جانبًا مهمًا من ذاكرة صور البحرية وتراثها الإنساني.
موقع البيت:
يقع البيت في منطقة العيجة المطلة على خور صور، وهي المنطقة التي ارتبط تاريخها بالنشاط الملاحي وصناعة السفن وحركة التجارة البحرية، الأمر الذي انعكس بوضوح على نمط العمارة السكنية فيها، حيث شُيّدت منازل واسعة ذات طوابق متعددة وأفنية داخلية وغرف عديدة، لتناسب المكانة الاقتصادية والاجتماعية لأصحابها، وتُعد العيجة من أبرز الأحياء التاريخية في المدينة، إلى جانب ما تضمه من معالم معروفة مثل منارة العيجة التي كانت تؤدي دورًا مهمًا في إرشاد السفن القادمة إلى ميناء صور.
أهمية البيت
يمثل بيت السرّاي نموذجًا مهمًا للعمارة السكنية التقليدية في صور، بما تحمله من حلول معمارية تتلاءم مع البيئة الساحلية، من حيث توزيع الغرف، واستخدام مواد البناء المحلية، ووجود عناصر تهوية طبيعية ساعدت على توفير الراحة للسكان في مختلف فصول السنة.
بيت السرّاي
بيت السرّاي
المؤسس الأول للبيت:
ترجع البدايات الأولى لبيت السرّاي إلى أواخر القرن التاسع عشر، حين شيده النوخذا الشيخ خميس بن سالم بن سعيد السرّاي السنيدي العلوي، الذي يُعد المؤسس الأول للبيت، وينحدر الشيخ خميس من أسرة عريقة احترفت البحر وأتقنت فنون الملاحة الشراعية، شأنها شأن العديد من الأسر الصورية التي أسهمت في بناء المكانة التجارية للمدينة عبر المحيط الهندي.
وقد امتلك الشيخ خميس بن سالم عددًا من السفن الشراعية متفاوتة الأحجام والاستخدامات ومن بينها: الوشاح، والحكليّة، والسلامتي، وشارك من خلالها في حركة التجارة البحرية التي ربطت موانئ عُمان بسواحل الخليج العربي والهند وشرق أفريقيا، الأمر الذي مكّنه من تكوين مكانة اقتصادية واجتماعية مرموقة انعكست على حجم البيت الذي شيده في العيجة وما ضمه من مرافق وملاحق متعددة.
وفي مرحلة لاحقة من حياته انتقل إلى ولاية مرباط بمحافظة ظفار، حيث استقر هناك لفترة من الزمن، وشيد منزلًا آخر للأسرة يُعد من البيوت الكبيرة المعروفة في المدينة، وما يزال هذا المنزل قائمًا إلى اليوم، شاهدًا على امتداد نفوذ الأسرة البحري والتجاري خارج صور، وعلى الصلات الوثيقة التي ربطت الموانئ العُمانية بعضها ببعض عبر شبكات التجارة والملاحة التي كان النواخذة العُمانيون أحد أبرز صناعها.
وقد توفي النوخذا خميس بن سالم السرّاي ليلة 12 ذي القعدة سنة 1354هـ الموافق 5 فبراير سنة 1936م، وقد كتب على شاهد قبره الموجود في مقبرة مرباط العبارة الآتية: “قبر الرجل الصالح حاج الحرمين خميس بن سالم السراي السنيدي؛ توفي ليلة الجمعة ١٢ ذي القعدة سنة ١٣٥٤هجري “.
قبر النوخذا خميس بن سالم السرّاي
قبر النوخذا خميس بن سالم السرّاي
وقد رزق النوخذة الشيخ خميس بن سالم بن سعيد السرّاي السنيدي العلوي عددًا من الأبناء الذين ساروا على نهجه في البحر والتجارة، وكان من بينهم: سعيد، وعبدالله، وحمد، الذين واصلوا نشاط الأسرة الملاحي وأسهموا في تعزيز مكانتها بين الأسر البحرية المعروفة في مدينة صور.
أبناء النوخذة الشيخ خميس بن سالم بن سعيد السرّاي
أبناء النوخذة الشيخ خميس بن سالم بن سعيد السرّاي
وامتلك الأبناء عددًا من السفن الشراعية الشهيرة التي شاركت في حركة التجارة والنقل البحري بين موانئ عُمان وسواحل الخليج والهند وشرق أفريقيا، ومن أبرزها: أمانة الله (الوانجا)، والشعلة، والميمون، وسماح، والمنتصر، والشراكة، وقد شكلت هذه السفن امتدادًا للإرث البحري الذي أسسه والدهم، وأسهمت في ترسيخ حضور الأسرة في ميدان الملاحة والتجارة خلال النصف الأول من القرن العشرين.
ومع ازدياد عدد أفراد الأسرة واتساع نشاطها التجاري والبحري، استكمل الأبناء مسيرة تطوير بيت السرّاي وتوسعته، فأضافوا إليه مباني ومرافق جديدة في مراحل زمنية متعاقبة، كان أبرزها إنشاء “بيت العمارة” في عام 1355هـ الموافق 1936م، إلى جانب عدد من الملحقات والمخازن والمجالس التي حولت البيت إلى مجمع سكني متكامل يعكس المكانة الاجتماعية والاقتصادية التي بلغتها الأسرة آنذاك.
أقسام بيت السرّاي
ينقسم بيت السرّاي إلى ثلاثة أقسام رئيسة، تعكس المراحل العمرانية التي مرّ بها البيت وتطور احتياجات الأسرة المالكة له عبر الزمن.
أولًا: بيت السركال أو “البيت العود” (الكبير)
ويُعد أقدم أجزاء المجمع السكني، وقد شيده النوخذة خميس بن سالم السرّاي السنيدي في أواخر القرن التاسع عشر، ويتكون من ثلاث غرف رئيسة، ومنقلة (غرفة صغيرة تُخصّص عادة للأطفال أو الاستخدامات اليومية)، وسبلتين (مجلسين) لاستقبال الضيوف، بالإضافة إلى بخّار (مخزن) وعدد من المرافق والخدمات الملحقة.
ثانيًا: بيت العمارة
وهو الجزء الأشهر من البيت في الوقت الحاضر، ويرتبط اسمه بوظيفته الأصلية؛ إذ كان عبارة عن حوش مخصص لحفظ أدوات السفن ومستلزماتها، وهي عادة معروفة لدى النواخذة وأرباب السفن في صور، حيث كانوا يخصصون ما يعرف بـ“العمارات” لتخزين معدات بناء السفن وأدوات الملاحة والأغراض المرتبطة بالرحلات البحرية.
صورة جوية التقطت عام 1935 لمنطقة العيجة وتوضح مكان البيت كحوش قبل البدء في بنائه في العام ذاته
صورة جوية التقطت عام 1935 لمنطقة العيجة وتوضح مكان البيت كحوش قبل البدء في بنائه في العام ذاته
وفي عام 1355هـ الموافق 1936م، حُوّل هذا الحوش إلى منزل سكني كبير على يد الإخوة سعيد وعبدالله وحمد أبناء خميس بن سالم بن سعيد السرّاي السنيدي العلوي، ليصبح أحد أبرز البيوت التاريخية في منطقة العيجة.
ويتكون البيت من طابقين يربط بينهما ثلاثة سلالم، وعند الدخول من الباب الرئيس يواجه الزائر دهليزا مفتوحا، على غرار ما هو معروف في القلاع والحصون العُمانية، يقود إلى الفناء الداخلي للبيت، وعلى يمين المدخل يقع المجلس الكبير المخصص لاستقبال الضيوف، بينما يقابله مخزن واسع كان يستخدم لحفظ الأدوات والسلع الأساسية.
ويضم الطابق الأرضي كذلك مجلسًا داخليًا خاصًا بالأسرة، ومخزنين لحفظ المؤن والاحتياجات المنزلية، إضافة إلى فناء داخلي مفروش بالحصحيص، وهي حجارة مرجانية بيضاء صغيرة اشتهرت بها بيوت صور القديمة، وكانت تُجلب من عدة مواقع ساحلية أبرزها منطقة رأس القاد. كما يحتوي هذا الطابق على عدد من الملحقات السكنية التي أضيفت على مراحل زمنية متعاقبة، وزُودت بصباحات وليوانات تنوعت أشكالها الهندسية والزخرفية.
أما الطابق العلوي فيتكون من خمس غرف رئيسة، تضم كل واحدة منها مطهارًا (حمامًا خاصًا)، بالإضافة إلى منقلتين، وتتقدم الغرف صباحات مطلة على الفناء الداخلي، فيما تربط الممرات المختلفة بين أجنحة الطابق بصورة تعكس حسن التخطيط والتنظيم المعماري.
كما اشتمل البيت على عدد من البخاخير (المخازن الخارجية) التي خُصصت لحفظ الأدوات والمعدات المتعلقة بسفن الأسرة ورحلاتها البحرية.
وتكشف هذه المكونات العمرانية المتعددة عن طبيعة الحياة التي عاشتها الأسر البحرية الثرية في صور، حيث امتزجت الوظيفة السكنية بالأنشطة التجارية والبحرية، ليصبح البيت وحدة متكاملة تجمع بين السكن والإدارة والتخزين والضيافة.
ويزخر بيت السرّاي بالعديد من العناصر التي تجسد أصالة فن العمارة العُمانية التقليدية، وتعكس في الوقت ذاته المكانة الاقتصادية التي تمتعت بها الأسرة المالكة له، فقد استخدمت في بنائه مواد محلية متنوعة، من أبرزها الجصّ والحصى والأحجار المرجانية التي اشتهرت بها المباني الساحلية في صور، وأسهمت في منح البيت متانته وطابعه المعماري المميز.
كما سُقفت غرف البيت ومجالسه بخشب الكندل المستورد من سواحل شرق أفريقيا، وهو من الأخشاب التي حظيت بمكانة خاصة في العمارة العُمانية التقليدية نظرًا لقوتها ومقاومتها للعوامل المناخية. أما الأبواب فقد صُنعت من خشب الساج الفاخر، وزُين عدد منها بنقوش وكتابات متنوعة، على غرار ما كان شائعًا في بيوت السركال والبيوت الكبيرة التي حرص أصحابها على إضفاء لمسات جمالية وفنية تعكس مكانتهم الاجتماعية.
وتتوزع في أرجاء البيت مجموعة من الأسطوانات العريضة والعقود المقوسة التي تضفي على فضاءاته رحابة وجمالًا، وتبرز المستوى المتقدم الذي بلغته العمارة العُمانية في المناطق الساحلية. كما تكشف هذه العناصر عن مهارة البنّائين العُمانيين في توظيف المواد المحلية والمستوردة معًا لإنتاج نمط معماري يجمع بين الوظيفة والجمال، ويعكس التأثيرات الحضارية التي حملتها حركة الملاحة والتجارة البحرية بين عُمان وموانئ المحيط الهندي.
ثالثًا: البيت الصغير
يقع هذا القسم ملاصقًا لبيت العمارة، وكان يُعد أحد المساكن التابعة لمجمع بيت السرّاي، وقد أُعيد بناؤه في الوقت الحاضر وفق الطراز المعماري الحديث، إلا أن هيئته الأصلية كانت تمثل امتدادًا للعمارة التقليدية السائدة في صور خلال مطلع القرن العشرين.
وقد شيد هذا البيت ابن عمّهم النوخذة عبدالله بن علي بن سالم السنيدي، وآل لعبدالله بن خميس السرّاي بعد ذلك بالشراء، وكان يتكون من طابق ونصف، يضم غرفتين رئيسيتين ومنقلة وعددًا من المرافق والملحقات الخدمية، ورغم بساطة حجمه مقارنة ببيت السركال وبيت العمارة، فإنه كان يؤدي وظيفة سكنية متكاملة ضمن المنظومة العمرانية لأسرة السرّاي.
حيث وُلدت السفن
ارتبطت أسرة السرّاي بتاريخ مدينة صور البحري ارتباطًا وثيقًا، إذ لم يكن البيت مجرد مسكن للأسرة، بل كان جزءًا من منظومة النشاط الملاحي التي اشتهرت بها المدينة، ويُروى أن الساحة الواقعة أمام البيت شهدت بناء عدد من سفن الأسرة الشراعية، من بينها سفينة الوانجا “أمانة الله” التي تعد من السفن المعروفة في تاريخ الأسرة البحري، والتي تحطمت على ساحل بحر العرب بين صوقرة وشربثات عام 1378هـ الموافق 1958م.
كما تبرز روح الاقتصاد والاستفادة من الموارد التي تميز بها النواخذة وأرباب السفن في صور من خلال قصة سفينة الشراكة أو “الغانم” وهو اسمها الأصلي، التي وشرت شراكة بين عدد من النواخذة عام 1938م وهم النوخذا عبدالله بن سالم بن عيسى الفارسي، والنوخذا عبدالله بن محمد بن مسلم العلوي، والثلث الباقي لأسرة السرّاي، إذ صُنعت من الأخشاب المتبقية من بناء سفينة “أمانة الله”، في دلالة على حرص البنّائين وأصحاب السفن على استثمار المواد المتاحة وتوظيفها في إنشاء سفن جديدة تخدم الحركة التجارية والبحرية. وقد تحطمت السفينة على ساحل جزيرة مافيا جنوب زنجبار.
وثيقة تحمل إشارة إلى انكسار السفينة “الشراكة” في يونيو 1949م
وثيقة تحمل إشارة إلى انكسار السفينة “الشراكة” في يونيو 1949م
وتعكس هذه التفاصيل مدى الارتباط العضوي بين البيت والبحر؛ فالمسكن لم يكن منفصلًا عن النشاط الاقتصادي للأسرة، بل كان شاهدًا على مراحل بناء السفن وتجهيز الرحلات البحرية، ومركزًا لإدارة شؤون التجارة والملاحة التي شكلت مصدر الرزق الرئيس لأجيال متعاقبة من أبناء الأسرة.
واليوم، لا ينظر إلى بيت السرّاي بوصفه مبنى أثريًا فحسب، بل باعتباره وثيقة عمرانية حية تختزل جانبًا من تاريخ صور الاجتماعي والاقتصادي. فهو يروي قصة مدينة صنعت مجدها من البحر، واحتضنت عبر بيوتها الكبيرة قيم الضيافة والتكافل والتواصل الإنساني، التي ظلت تشكل أحد أبرز ملامح المجتمع الصوري عبر الأجيال.
ويبقى بيت السرّاي، بما يحمله من قيمة تاريخية ومعمارية واجتماعية، شاهدًا على مرحلة ازدهار استثنائية عاشتها صور، ودليلًا ملموسًا على الدور الذي أدته البيوت التقليدية في صناعة الحياة العامة، وحفظ الذاكرة الجماعية للمدينة وأهلها.
المراجع
  • المخيني، خالد بن علي. الطريق إلى صور، دار الغشّام، سلطنة عمان، 2019.
  • علي بن خميس السرّاي العلوي. معلومات شفويّة ،الأحد 7 يونيو 2026.
  • طارق بن خميس السرّاي العلوي. ملاحظات مكتوبة عن طريق تطبيق الواتس آب، الاثنين 8 يونيو 2026.

شارك هذا الخبر