أثير- د. محمد بن حمد العريمي
في السنوات الأولى للنهضة العُمانية الحديثة، لم يكن بناء الطرق والمدارس والمستشفيات وحده هو ما يؤسس للدولة الجديدة، بل كان بناء المعرفة بالأرقام والبيانات أحد أهم ركائز التخطيط وصناعة القرار، ومن هذا المنطلق أصدرت هيئة التنمية العامة في عام 1972 أول إصدار من كتاب الإحصاء السنوي، ليصبح أول مرجع إحصائي شامل يوثق ملامح سلطنة عُمان في بداية مرحلة التحول الوطني.
ويكتسب هذا الإصدار أهمية تاريخية كبيرة؛ إذ جاء بعد أقل من عامين على انطلاق النهضة المباركة، في وقت كانت فيه مؤسسات الدولة تتوسع بوتيرة متسارعة، وتحتاج إلى بيانات دقيقة تساعدها على رسم السياسات، وقياس الإنجازات، وتحديد أولويات التنمية في مختلف القطاعات، ويُعد هذا الإصدار اللبنة الأولى لسلسلة الكتاب الإحصائي السنوي التي استمرت حتى يومنا هذا، وأصبحت المرجع الرسمي الأهم للإحصاءات العُمانية.
أول مرجع وطني شامل
مثّل الكتاب خطوة متقدمة في مسيرة العمل المؤسسي، إذ جمع في مجلد واحد بيانات وإحصاءات كانت موزعة بين عدد من الجهات الحكومية، مقدّمًا صورة متكاملة عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والإدارية في سلطنة عمان.
وقد عكس الإصدار إدراك الحكومة المبكر لأهمية الإحصاء باعتباره أداة أساسية للتخطيط، وليس مجرد وسيلة لحفظ الأرقام، فجاء شاملًا لبيانات السكان، والصحة، والتعليم، والزراعة، والثروة الحيوانية، والثروة السمكية، والتجارة، والمالية العامة، والنقل، والاتصالات، وغيرها من القطاعات التي كانت تشهد بدايات نموها.
محتويات الإصدار
يلفت الغلاف الخارجي للإصدار الأول من الكتاب الإحصائي السنوي الأنظار ببساطته التي تعكس طبيعة المرحلة التأسيسية التي كانت تعيشها سلطنة عُمان مطلع السبعينيات، فقد جاء الغلاف بتصميم هادئ، تتصدره عبارة “سلطنة عُمان” باللون الأحمر، يتوسطها اسم هيئة التنمية العامة ودائرة الإحصاءات الوطنية، بينما يبرز عنوان “الكتاب الإحصائي السنوي” بخط عريض في أسفل الغلاف، مع الإشارة إلى أنه “العدد الأول” الصادر عام 1392هـ/1972م. كما زُيّن الغلاف بشعار الدولة آنذاك وشريط أخضر على الجانب الأيمن، في تصميم يجمع بين البساطة والهوية الوطنية، ويعكس اهتمام الدولة الناشئة بإصدار مرجع رسمي يوثق بياناتها وإحصاءاتها.

ومن اللافت أيضًا أن النسخة المطبوعة جاءت في مجلد متوسط الحجم بغلاف ورقي (Paperback)، وهو الأسلوب الشائع في الإصدارات الحكومية خلال تلك المرحلة؛ ما يعكس أن الاهتمام كان منصبًا على توثيق المعلومة وإتاحتها للجهات الحكومية والباحثين أكثر من التركيز على الجوانب الطباعية أو الفاخرة.
وخُصصت الصفحة الثانية لصورة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – طيب الله ثراه، في تقليدٍ اتبعته كثير من الإصدارات الحكومية العُمانية في بدايات النهضة، تعبيرًا عن ارتباط مشروعات الدولة الحديثة بقيادته ورعايته.

وكشفت مقدمة الإصدار الأول من الكتاب الإحصائي السنوي عن الوعي المبكر الذي أولته سلطنة عُمان لبناء منظومة إحصائية وطنية، إذ أوضح رئيس هيئة التنمية العامة كريم بن أحمد الحرمي أن الدولة، مع انطلاق النهضة الحديثة، تبنت برامج تنموية شملت مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية، الأمر الذي استدعى إنشاء جهاز وطني يتولى جمع البيانات وإصدارها بصورة علمية ومنهجية.
وأشار إلى أن دائرة الإحصاءات الوطنية عملت، بالتعاون مع الوزارات والدوائر الحكومية، على تجميع البيانات الخاصة بمختلف الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية، لتكون مرجعًا يخدم أجهزة الدولة والمؤسسات العامة، ويسهم في إعداد الخطط التنموية على أسس علمية دقيقة.
كما أوضح أن هذا الإصدار يمثل العدد الأول من سلسلة الكتاب الإحصائي السنوي، معربًا عن الأمل في أن تتوسع الأعداد اللاحقة لتشمل مجالات إحصائية أكثر تنوعًا، خصوصًا في ظل محدودية البيانات المتوافرة آنذاك، مؤكدًا أن تطوير العمل الإحصائي سيكون عملية تراكمية تواكب اتساع قاعدة المعلومات في السلطنة.

وفي كلمة تصديرية للكتاب، أوضح إل. إل. سارين، خبير الإحصاء بدائرة الإحصاءات الوطنية، أن الإصدار الأول من الكتاب الإحصائي السنوي جاء ثمرة عمل امتد لنحو ثلاث سنوات، جُمعت خلالها الإحصاءات الرسمية المتوافرة لدى مختلف الدوائر الحكومية منذ عام 1970، وهو العام الذي تولى فيه السلطان قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه – مقاليد الحكم، لتوثيق ما تحقق خلال السنوات الأولى من النهضة.
وأشار إلى أن هذا الإصدار لا يقتصر على رصد الإنجازات، بل يمثل خط الأساس الذي يمكن من خلاله قياس التقدم الذي ستحققه السلطنة في السنوات اللاحقة، مؤكدًا أن الأرقام الواردة فيه ستكون مرجعًا لتقييم مسيرة التنمية مستقبلًا.
كما لفت إلى أن الكتاب سيسهم في دعم مشروعات جمع المعلومات التي كانت الدائرة تعمل عليها آنذاك، مثل حصر مصادر المياه، وأعمال المسح الزراعي، وتوزيع الأراضي والمدن والقرى، والمسح الشامل للإحصاءات الزراعية الذي نُفذ بالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، وهي مشروعات هدفت إلى بناء قاعدة بيانات وطنية أكثر شمولًا ودقة.
وفي ختام كلمته، أوضح سارين أن دائرة الإحصاءات الوطنية لم يمض على تأسيسها سوى فترة وجيزة وهذا الكتاب أولى ثمرات جهودها، معربًا عن تقديره للتعاون الذي أبدته الجهات الحكومية في توفير البيانات، ومؤكدًا أن استمرار هذا التعاون سيؤدي إلى تحسين جودة المعلومات الإحصائية وتوسيع نطاقها في الإصدارات اللاحقة.

وافتتح الكتاب الإحصائي السنوي مادته العلمية بفصل حمل عنوان “معلومات عامة”، واضعًا بين يدي القارئ مجموعة من البيانات الأساسية التي ترسم الملامح الجغرافية والطبيعية لسلطنة عُمان، باعتبارها نقطة الانطلاق لفهم بقية المؤشرات الإحصائية الواردة في الكتاب.
واستعرضت الصفحة الأولى الموقع الجغرافي للسلطنة، موضحة امتدادها بين دائرتي عرض 16°40′ و26°20′ شمالًا، وبين خطي طول 51°50′ و59°40′ شرقًا، كما أشارت إلى أن طول السواحل يبلغ نحو 1700 كيلومتر، مع ذكر الجزر الرئيسة المواجهة للسواحل، وهي مصيرة وجزر كوريا موريا، إلى جانب الحدود مع اتحاد الإمارات العربية، والمملكة العربية السعودية وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.
كما تضمن الجدول أول تقدير رسمي لمساحة الأراضي في سلطنة عُمان، والتي بلغت 300 ألف كيلومتر مربع، موزعة بحسب طبيعتها إلى مناطق قفار، وسهول ساحلية، وأراضٍ جبلية، وسهول داخلية، وأودية ومناطق صحراوية ورملية، في محاولة لتقديم وصف جغرافي دقيق يساعد الباحثين وصناع القرار على فهم الخصائص الطبيعية للبلاد وربطها ببرامج التنمية.

لم يكتفِ الإصدار الأول من الكتاب الإحصائي السنوي بعرض البيانات في جداول رقمية، بل حرص على توظيف الرسوم البيانية لتبسيط المعلومات وإظهار التطور الذي شهدته السلطنة خلال السنوات الأولى من النهضة، وقد عكست هذه الخطوة وعيًا مبكرًا بأهمية العرض البصري للبيانات، بما يتيح للمسؤولين والباحثين استخلاص المؤشرات بسرعة ودقة.
ومن بين الرسوم الواردة في الكتاب رسمٌ بياني يقارن أعداد المستشفيات والمراكز الصحية والمستوصفات خلال الأعوام 1970 و1971 و1972، ويكشف بوضوح عن التوسع المتسارع في الخدمات الصحية خلال تلك الفترة.

ومن الرسوم اللافتة التي تضمنها الإصدار الأول من الكتاب الإحصائي السنوي رسمٌ دائري يوضح التناسب النسبي للمساحات المزروعة بالمحاصيل الزراعية في سلطنة عُمان، في محاولة لتقديم صورة بصرية عن طبيعة الإنتاج الزراعي في البلاد خلال السنوات الأولى من النهضة.
ويستعرض الرسم توزيع المساحات المزروعة بين عدد من المحاصيل، من بينها التمور، والبرسيم، والليمون، والبصل، والقمح، والتبغ، والموز، والمانجو، وجوز الهند، إضافة إلى محاصيل أخرى، الأمر الذي يعكس التنوع الزراعي الذي عُرفت به السلطنة، واختلاف البيئات الزراعية بين محافظاتها.

كما توضح الخريطة التالية انتشار المزارع والمراكز الزراعية من الباطنة ومسقط والداخلية والشرقية وصولًا إلى ظفار، في صورة تعكس الجهود الحكومية الرامية إلى نقل التقنيات الزراعية الحديثة إلى المزارعين، ونشر الإرشاد الزراعي في مختلف البيئات العُمانية، بما يتناسب مع طبيعة كل منطقة ومحاصيلها.

توثيق لمرحلة التأسيس
تكمن القيمة الحقيقية لهذا الإصدار في أنه لا يقتصر على عرض أرقام مجردة، بل يوثق واقع سلطنة عُمان كما كانت في السنوات الأولى للنهضة، قبل أن تشهد القفزات التنموية اللاحقة.
فمن خلال صفحاته يمكن للباحث أن يتتبع حجم الخدمات الحكومية آنذاك، وأعداد المدارس والطلبة، والمنشآت الصحية، وحركة التجارة، والإنتاج الزراعي والسمكي، إلى جانب المؤشرات السكانية والإدارية التي أصبحت فيما بعد أساسًا للمقارنات والدراسات التاريخية.
ولهذا يعد الكتاب وثيقة وطنية بامتياز، إذ يحفظ صورة دقيقة لعُمان في بداية مسيرتها الحديثة، ويوفر مادة علمية موثقة للباحثين والمؤرخين والمهتمين بتاريخ التنمية.
هيئة التنمية العامة ودورها
جاء إصدار الكتاب ضمن جهود هيئة التنمية العامة التي اضطلعت في تلك المرحلة بدور محوري في إعداد الخطط التنموية، وجمع البيانات اللازمة لدعم عملية اتخاذ القرار.
وكان توفير قاعدة بيانات وطنية من أبرز متطلبات التخطيط، خصوصًا مع إطلاق مشروعات التنمية في مختلف المحافظات، الأمر الذي جعل العمل الإحصائي يتطور تدريجيًا حتى أصبح لاحقًا جزءًا من منظومة وطنية متخصصة في الإحصاء والمعلومات.
وكانت الهيئة قد تأسست في 25 أبريل 1973م حيث أصدر السلطان قابوس بن سعيد طيّب الله ثراه في ذلك اليوم قرارًا بتأسيس هيئة للتنمية العامة برئاسة الأستاذ كريم بن أحمد الحرمي على أن يكون الأستاذ علي داؤد نائبًا لرئيس الهيئة، وأن تشمل الهيئة الدوائر الآتية: مركز التخطيط الاقتصادي والإنمائي (التخطيط الوطني، الإحصاء)، ودائرة شؤون النفط والمعادن، ودائرة التجارة والصناعة، ودائرة الزراعة والمياه، ودائرة شؤون البلديات (شؤون البلديات، تخطيط المدن).
وكان لهيئة التنمية العامة عدد من الأهداف سعت إلى تحقيقها خلال الفترة القصيرة من عمرها، ومن بينها: بناء المشروعات الهيكلية للأنشطة الاقتصادية والاجتماعية المختلفة من طرق وموانئ ومطارات، ومدارس، ومراكز صحية وإعلام، وغيره، وتخفيض تكاليف المعيشة للمواطنين من خلال زيادة حجم الإنتاج الزراعي ورفع مستوى خدمة تسويقه محليًا، واتباع السياسات المالية التي تسهم في خفض الأسعار، وزيادة مستوى الدخل القومي عن طريق إقامة الصناعات التي تتمتع بها سلطنة عمان بميزة نسبية في إنتاجها مثل الصناعات الزراعية، وتنمية الصناعات التقليدية، وقطاع الأسماك، وإقامة صناعة الاسمنت، وزيادة الإنتاج الحيواني والسمكي، وزيادة الإنتاج البترولي من مناطق الاكتشاف الحديثة.

إرثٌ يمتد لأكثر من نصف قرن
على مدى أكثر من خمسة عقود، تطور الكتاب الإحصائي السنوي من إصدار محدود الإمكانات إلى مرجع وطني شامل يعتمد عليه الباحثون وصناع القرار والمؤسسات الحكومية والقطاع الخاص، مع توسع كبير في حجم البيانات ودقتها وأساليب عرضها.
وفي لفتة تعكس أهمية هذا الإرث، عرض المركز الوطني للإحصاء والمعلومات النسخة الأولى الصادرة عام 1972 ضمن مشاركته في معرض مسقط الدولي للكتاب، بوصفها إحدى الوثائق التي تؤرخ لبدايات العمل الإحصائي المؤسسي في سلطنة عُمان.






