من الضمان إلى الحماية: إليك تفاصيل أول خطوة عُمانية لبناء منظومة الرعاية الاجتماعية

بدأت منظومة الضمان الاجتماعي في عُمان بمعاش للفرد قدره 10 ريالات عام 1977، ثم اتسعت الفئات والمنافع حتى صدر قانون الحماية الاجتماعية عام 2023.

عن الكاتب

د.محمد بن حمد العريمي
د.محمد بن حمد العريمي

باحث ومختص في التاريخ العماني

من الضمان إلى الحماية: إليك تفاصيل أول خطوة عُمانية لبناء منظومة الرعاية الاجتماعية
من الضمان إلى الحماية: إليك تفاصيل أول خطوة عُمانية لبناء منظومة الرعاية الاجتماعية
أثير- د. محمد بن حمد العريمي
في الثلاثين من أغسطس عام 1977م، خطت سلطنة عُمان خطوة مهمة في بناء منظومة الرعاية الاجتماعية، بصدور قانون الضمان الاجتماعي بالمرسوم السلطاني رقم (61/77)، الذي وضع للمرة الأولى إطارًا تشريعيًا منظمًا لتقديم المعاشات والمساعدات الاجتماعية للمواطنين المستحقين.
واشتمل القانون على خمسة أبواب ضمت 28 مادة، واقتصر الانتفاع بأحكامه على المواطنين العُمانيين، وحدد الفئات التي يحق لها الحصول على معاش في: الأولاد، والأيتام، والأرامل والمطلقات، والمواطنين العاجزين عن الكسب.
ونص القانون على عدم جواز الجمع بين المعاشات المستحقة بموجبه والمعاشات المستحقة وفق قانون العمل أو أي قوانين أخرى حالية أو مستقبلية تتعلق بالمعونات والتأمينات بأنواعها المختلفة.
كما قرر أن يستحق طالب المعاش معاشًا كاملًا إذا لم يكن له أو لأسرته دخل، أما إذا كان لديه دخل فيخفض المعاش بمقداره، مع استثناء بعض الموارد من احتساب الدخل، ومنها المساعدات غير المنتظمة التي يقدمها غير الأقارب، وبعض المساعدات العينية أو النقدية التي تقدمها المؤسسات العلاجية أو الاجتماعية.
معاش يبدأ من 10 ريالات
معاش يبدأ من 10 ريالات

معاش يبدأ من 10 ريالات

عكست المبالغ التي حددها القانون طبيعة المرحلة الاقتصادية والاجتماعية في سبعينيات القرن العشرين؛ إذ نص على ألا يقل المعاش عن 15 ريالًا شهريًا للأسرة، و10 ريالات للفرد الواحد.
أما جدول المعاشات الملحق بالقانون، فحدد معاش الأسرة المكونة من فرد واحد بـ10 ريالات، ومن فردين بـ15 ريالًا، وثلاثة أفراد بـ18 ريالًا، وأربعة بـ21 ريالًا، وخمسة بـ24 ريالًا، ليرتفع تدريجيًا حتى يصل إلى 35 ريالًا للأسرة المكونة من عشرة أفراد.
ولم يقتصر القانون على تحديد المستحقين والمبالغ، وإنما فصّل إجراءات طلب المعاش وتقديره وصرفه، ونص على أن يصدر وزير الشؤون الاجتماعية والعمل لائحة بالإجراءات المتبعة في صرف المعاشات.
كما ألزم الوزارة بإجراء متابعة دورية للحالة الاجتماعية والمالية لمستحقي المعاشات، بحيث لا تقل المتابعة عن مرة واحدة سنويًا لمن يتسلمون معاشاتهم بانتظام، مع زيادة مرات المتابعة للمستحقين الذين يتخلفون عن الاستلام.

1984.. توسع في مفهوم الضمان

بعد سبع سنوات من التجربة، شهد التشريع نقلة جديدة؛ ففي 3 نوفمبر 1984م صدر المرسوم السلطاني رقم (87/84) بإصدار قانون جديد للضمان الاجتماعي، ملغيًا المرسوم السلطاني رقم (61/77).
واشتمل القانون الجديد على 26 مادة موزعة على خمسة أبواب: التعريفات، والمعاشات والمساعدات، وإجراءات طلب المعاش وتقرير صرفه، والتأهيل المهني ودور الرعاية الاجتماعية، والأحكام العامة.
ولم يكن قانون 1984 مجرد تعديل مالي للقانون السابق، وإنما مثّل توسيعًا لنطاق الضمان الاجتماعي ومفهوم الرعاية؛ إذ اتسعت تعريفات المستحقين وأضيفت فئات وحالات اجتماعية جديدة.
فإلى جانب الأيتام والأرامل والمطلقات والعاجزين عن العمل، شمل القانون المهجورة، والبنت غير المتزوجة، والشيخوخة، وأسرة المسجون، مع تفصيل أكبر لمفهوم الأسرة وشروط استحقاق أفرادها للمعاش.

ارتفاع المخصصات

رافق التطور التشريعي تحسن في قيمة المخصصات المالية. ووفق قانون 1984 أصبح الحد الأدنى للمعاش 25 ريالًا للأسرة و20 ريالًا للفرد، بينما بدأ جدول المعاشات بـ20 ريالًا للأسرة المكونة من فرد واحد، وتصاعد ليصل إلى 45 ريالًا للأسرة المكونة من عشرة أفراد.
غير أن رفع المخصصات لم يبدأ عام 1984؛ فقد سبقه المرسوم السلطاني رقم (21/80) الذي عدّل المعاشات الشهرية الواردة في قانون 1977، وهو ما يكشف أن مراجعة قيمة المساعدات بدأت بعد سنوات قليلة فقط من إنشاء النظام.

من المعاش إلى الرعاية

ومن أوجه التطور المهمة في قانون 1984 اتساع نطاق المساعدات الاجتماعية؛ إذ أتاح صرف مساعدات نقدية أو عينية مؤقتة للأسر والأفراد المحتاجين الذين لا يتقاضون معاشًا وفق القانون أو أي قانون آخر، ومساعدات في الحالات الطارئة، وأخرى في حالات الكوارث والنكبات الفردية والجماعية وغيرها.
كما أتاح صرف معاشات لأسر الشهداء وأسر المصابين بسبب العمليات العسكرية، وأولى اهتمامًا أكبر بالتأهيل المهني، وأدخل دور الرعاية الاجتماعية ضمن بنية القانون، بما يعكس اتساع مفهوم تدخل الدولة من تقديم المعاش النقدي إلى منظومة تشمل جوانب أخرى من الرعاية والتأهيل الاجتماعي.
وبذلك يمكن القول إن قانون 1977 وضع الأساس التشريعي للضمان الاجتماعي في سلطنة عُمان، بينما جاء قانون 1984 ليطور ذلك الأساس ويوسع نطاقه، سواء من حيث الفئات المستفيدة أو قيمة المعاشات أو صور المساعدة والتأهيل والرعاية.

تعديلات مستمرة وزيادات في المعاشات

لم يتوقف تطور منظومة الضمان عند قانون 1984، بل خضع القانون على امتداد العقود التالية لسلسلة من التعديلات التي استجابت للتغيرات الاجتماعية والاقتصادية ووسعت بعض أحكامه ورفعت المخصصات المقررة للمستفيدين.
ومن أبرز تلك التشريعات المرسوم السلطاني رقم (21/80) بتعديل المعاشات الشهرية الواردة بقانون 1977، ثم المرسوم رقم (38/85) الذي عدل بعض مواد قانون 1984، والمرسوم رقم (83/88) بزيادة المعاشات الشهرية، والمرسوم رقم (78/91) بإجراء تعديلات في القانون.
وتواصلت التعديلات لاحقًا بالمرسوم السلطاني رقم (74/2005)، ثم المرسوم رقم (100/2007) بتعديل بعض أحكام القانون، والمرسوم رقم (48/2009) الذي أضاف مادتين جديدتين برقمي (27) و(28).
ويكشف تتبع جداول المعاشات عن جانب مهم من هذا التطور؛ فبعد أن كان معاش الفرد الواحد 10 ريالات عام 1977، ارتفع في مراحل لاحقة، كما تحرك معاش الأسرة المكونة من عشرة أفراد من 35 ريالًا عند بداية النظام إلى مبالغ أعلى مع التعديلات المتعاقبة.
وهنا تبرز أهمية النظر إلى تلك الزيادات ليس بوصفها أرقامًا منفصلة فحسب، وإنما باعتبارها مؤشرًا على المراجعة المستمرة لشبكة الأمان الاجتماعي ومواكبتها للتحولات الاقتصادية والاجتماعية واحتياجات الأسر.

2023.. نهاية “الضمان” وبداية “الحماية”

بعد نحو 46 عامًا من صدور أول قانون للضمان الاجتماعي، دخلت منظومة الرعاية الاجتماعية في سلطنة عُمان مرحلة جديدة مع صدور قانون الحماية الاجتماعية بالمرسوم السلطاني رقم (52/2023).
ومثّل القانون الجديد تحولًا أكبر من مجرد تعديل لقانون الضمان الاجتماعي؛ إذ انتقلت المنظومة من الإطار التقليدي للضمان إلى مفهوم أشمل للحماية الاجتماعية، وجُمعت أنظمة ومنافع اجتماعية وتأمينية ضمن إطار مؤسسي وتشريعي جديد يديره صندوق الحماية الاجتماعية.
وحل قانون الحماية الاجتماعية محل قانون الضمان الاجتماعي، وأصبحت منظومته الجديدة تشمل عددًا من المنافع الاجتماعية النقدية غير القائمة على الاشتراكات، من أبرزها: منفعة كبار السن، ومنفعة الطفولة، ومنفعة الأشخاص ذوي الإعاقة، ومنفعة الأيتام والأرامل، ومنفعة دعم دخل الأسر.
وبموجب النظام الجديد تبلغ منفعة كبار السن 115 ريالًا شهريًا لكل عُماني بلغ سن الستين، فيما تبلغ منفعة الطفولة 10 ريالات شهريًا لكل طفل عُماني حتى بلوغ سن الثامنة عشرة، وتبلغ منفعة الأشخاص ذوي الإعاقة 130 ريالًا شهريًا لمن تنطبق عليهم شروط الاستحقاق.
أما منفعة دعم دخل الأسر، فتمثل امتدادًا أكثر تطورًا لفكرة حماية الأسر الأقل دخلًا؛ إذ ترتبط قيمتها بعدد أفراد الأسرة ومستوى دخلها، بدلًا من الاعتماد على جدول ثابت للمعاش كما كان معمولًا به في المراحل الأولى من الضمان الاجتماعي.
من 1977 إلى 2023.. ماذا تغير؟
من 1977 إلى 2023.. ماذا تغير؟

من 1977 إلى 2023.. ماذا تغير؟

تكشف رحلة التشريع الاجتماعي خلال هذه العقود عن تحول تدريجي في فلسفة الحماية الاجتماعية في سلطنة عُمان، ففي عام 1977م كانت البداية بقانون من 28 مادة يستهدف فئات محددة، وبمعاش يبدأ من عشرة ريالات، ثم جاء قانون 1984م ليوسع دائرة المستحقين ويضيف أشكالًا جديدة من المساعدة والرعاية والتأهيل.
وتواصلت بعد ذلك مراجعة المخصصات والأحكام عبر سلسلة من المراسيم والتعديلات، إلى أن جاء عام 2023 ليضع إطارًا جديدًا أكثر شمولًا، انتقل بالمفهوم من «الضمان الاجتماعي» إلى “الحماية الاجتماعية”.
وبين قانون 1977 وقانون 2023 مسيرة امتدت قرابة نصف قرن، لم يكن التطور خلالها ماليًا فقط، وإنما شمل الفئات المستفيدة، وأنواع المنافع، وآليات الاستحقاق، ومفهوم الرعاية ذاته؛ في مسار يعكس تطور الدور الاجتماعي للدولة واتساع شبكة الحماية الموجهة للمواطن في مختلف مراحل حياته.

المراجع

  • موقع قانون. https://qanoon.om/
  • جريدة عمان. العدد (341)، السبت 3 سبتمبر 1977.
  • جريدة عمان. الثلاثاء 6 سبتمبر 1977.

شارك هذا الخبر