ماذا كشفت دراسة عن تدخين المراهقين العُمانيين؟

ماذا كشفت دراسة عن تدخين المراهقين العُمانيين؟
ماذا كشفت دراسة عن تدخين المراهقين العُمانيين؟
رصد- أثير
يعد تدخين سجائر التبغ الطريقة الأساسية لاستهلاك التبغ، ويمثل خطراً كبيراً يمكن تجنبه على الصحة العامة. وفقاً لتقارير منظمة الصحة العالمية، يتسبب تدخين التبغ في وفاة أكثر من 8 ملايين شخص سنوياً حول العالم. وتشير التوقعات العلمية الحديثة إلى أن الأسباب المرتبطة بالتبغ ستؤدي إلى حوالي 10 ملايين حالة وفاة سنوياً بحلول عام 2030، مع حدوث أغلبية كبيرة تقارب 70% من هذه الوفيات في الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط، فضلاً عن تسببه في أمراض مزمنة وإعاقات جسيمة تشمل الضعف الإدراكي وتراجع وظائف الرئة والقلب.
لا يزال استهلاك التبغ في إقليم شرق المتوسط، الذي يضم العديد من الدول العربية بما في ذلك سلطنة عمان، يفرض تحديات قاسية على أنظمة الصحة العامة. ويبرز هذا الإقليم كواحد من أسرع إقليمين نمواً على مستوى العالم من حيث استهلاك منتجات التبغ، حيث تشير التوقعات إلى احتمال ارتفاع معدلات الانتشار بنسبة 25% بحلول عام 2025. ويأتي هذا في تناقض صارخ مع ما تشهده أوروبا وأمريكا وآسيا من انخفاض تدريجي ومستمر في استخدام التبغ خلال نفس الفترة.
في سلطنة عمان، لا تقتصر أضرار التبغ على الجانب الصحي فحسب، بل تمتد لتشكل عبئاً اقتصادياً هائلاً. ففي عام 2016، بلغت التكاليف الصحية المرتبطة باستخدام التبغ والتعرض للتدخين السلبي أكثر من 600 مليون دولار أمريكي، وهو ما يمثل حوالي 1% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. ويؤكد هذا الرقم الضخم على الضرورة الملحة لمواجهة هذه الظاهرة. وقد ارتفع معدل انتشار استخدام التبغ في عمان بشكل ملحوظ من 10.9% في عام 2000 إلى 13.5% في عام 2025.
أما بين الشباب العماني، فيبلغ معدل انتشار استخدام التبغ حوالي 1.7%، مع تسجيل معدلات أعلى بكثير بين الذكور مقارنة بالإناث. وتشير الأدبيات الطبية الحالية في عمان ودول مجلس التعاون الخليجي إلى أن فترة المراهقة هي النافذة الزمنية الحرجة التي يبدأ فيها معظم الأفراد رحلتهم مع التبغ. وبدء التدخين في هذا العمر المبكر يرتبط ارتباطاً وثيقاً بارتفاع مخاطر الإصابة بمشكلات صحية مزمنة في المستقبل، بما في ذلك أنواع مختلفة من السرطانات، ناهيك عن ارتباطه بسلوكيات غير صحية أخرى. يتأثر الشباب العماني بتفاعل معقد من العوامل الاجتماعية والبيئية، مثل وجود مدخنين داخل الأسرة، والأصدقاء المدخنين، بالإضافة إلى المعتقدات الخاطئة حول جاذبية التدخين في التجمعات الاجتماعية.

كيف أُجريت الدراسة وما هي أدواتها؟

لسد الفجوة في البيانات الحديثة، أجرى ستة باحثين من جامعة السلطان قابوس والجامعة الوطنية للعلوم والتكنولوجيا والمجلس العُماني للاختصاصات الطبية دراسة بعنوان “انتشار استخدام التبغ والتدخين السلبي بين المراهقين الذكور العُمانيين والارتباطات الاجتماعية والديموغرافية: دراسة مقطعية”. وأُجريت بين شهري يناير ومارس 2024، بهدف تحديد معدل انتشار تدخين التبغ والتعرض للتدخين السلبي بين المراهقين في ولاية صحار. استهدف الباحثون مجتمعاً دراسياً يتألف من الطلاب الذكور في الصفوف من التاسع إلى الثاني عشر، والذين تتراوح أعمارهم بين 14 و 21 عاماً، والمسجلين في المدارس الحكومية للبنين في صحار.
لضمان أعلى معايير الدقة العلمية، تم الاعتماد على استبيان مقتبس من “المسح العالمي للتبغ بين الشباب”، وهو أداة تم تطويرها بالشراكة بين منظمة الصحة العالمية والمراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، وتم التحقق من صحتها باللغة العربية. استخدم الباحثون نهج أخذ العينات العنقودية على مرحلتين؛ في المرحلة الأولى، تم اختيار ست مدارس حكومية عشوائياً بناءً على حجم الالتحاق بها، وفي المرحلة الثانية تم اختيار فصول دراسية محددة داخل تلك المدارس.

أرقام وحقائق: ماذا كشفت الدراسة؟

شارك في الدراسة 227 طالباً أكملوا الاستبيانات بنسبة استجابة بلغت 100%. تراوحت أعمار المشاركين بين 15 و 18 عاماً بمتوسط عمر يقارب 16.8 عام. أظهرت النتائج التي اطلعت عليها “أثير”، مجموعة من المؤشرات الديموغرافية والاجتماعية، حيث أفاد حوالي 75% من الطلاب برغبتهم في متابعة مهن احترافية مستقبلية في مجالات كالطب والهندسة، مما يعكس طموحات عالية لديهم.
أما فيما يخص السلوكيات المرتبطة بالتبغ، فقد كشفت الدراسة عن معطيات بالغة الأهمية:
  • التجربة والاستخدام الفعلي: أفاد 17.6% (40 طالباً) أنهم جربوا استخدام منتجات التبغ في مرحلة ما من حياتهم، وكانت أعمار الأغلبية عند التجربة الأولى تتراوح بين 14 و 15 عاماً، وهي مرحلة حرجة تتطلب تدخلاً توعوياً. في حين بلغ معدل التدخين الحالي (أي الاستخدام خلال الشهر الذي سبق الدراسة) نسبة 9.7% من المشاركين، وأشار أغلبهم إلى أن التدخين يحدث عادة في أماكن خاصة مثل منازلهم أو منازل أصدقائهم بعيداً عن الرقابة.
  • التعرض للتدخين السلبي: كانت معدلات التعرض للتدخين السلبي من بين أكثر النتائج إثارة للقلق، حيث واجه 42.3% من الطلاب هذا النوع من التعرض في الأماكن العامة المغلقة، و41.4% في الأماكن الخارجية المفتوحة. والأخطر من ذلك، أن 34.8% من الطلاب تعرضوا للتدخين السلبي داخل الحرم المدرسي خلال الأسبوع الذي سبق جمع البيانات، بينما أبلغ 10.1% عن تعرضهم له يومياً في الأماكن العامة المغلقة.
  • الوعي بالمخاطر والتواصل الأسري: أظهر 61.7% من المشاركين وعياً جيداً بأن التبغ ضار بالتأكيد بصحتهم، وأكد 68.2% منهم وجود نقاشات أسرية حول أضرار التبغ، بينما تلقى 66.1% تعليماً مدرسياً حول هذا الموضوع. ورغم ذلك، كان إدراك مخاطر “التدخين السلبي” منخفضاً بشكل لافت، حيث لم ينظر 60.8% منهم إلى التدخين السلبي على أنه خطر حقيقي يهدد صحتهم.

قراءة في النتائج: التأثيرات الاجتماعية وتحديات الوعي

رأى الباحثون بأن هذه النتائج تتوافق بشكل كبير مع الاتجاهات المرصودة في جميع أنحاء دول مجلس التعاون الخليجي، حيث يواصل استهلاك منتجات التبغ بكافة أشكاله (السجائر، الشيشة، والتبغ عديم الدخان) تصاعده بين الشباب. وتلتقي هذه البيانات مع تقارير منظمة الصحة العالمية التي تؤكد أن الفئة العمرية من 13 إلى 15 عاماً تمثل ساحة المعركة الحقيقية في جهود مكافحة التبغ.
والنتيجة المتمثلة في عدم إدراك حوالي ثلثي المشاركين لمخاطر التدخين السلبي تحمل دلالات خطيرة على مستوى الصحة العامة. فهذا النقص في الوعي يعكس تحديات ثقافية وتعليمية أوسع، ويدل على أن الرسائل التوعوية الحالية قد تركز على المدخن المباشر وتغفل الضحايا الصامتين للتدخين السلبي. ورغم الجهود المبذولة في السلطنة، لا تزال هناك حاجة لسياسات أكثر صرامة تستهدف حماية المراهقين في بيئاتهم اليومية.
إضافة إلى ذلك، تبرز ظاهرة انتشار استخدام وسائل التدخين البديلة كالشيشة والسجائر الإلكترونية. تاريخياً، كان تدخين الشيشة مقتصراً على كبار السن في مقاهي إقليم شرق المتوسط، لكنه تحول اليوم إلى ظاهرة شبابية بامتياز. وتشير دراسات إقليمية أخرى إلى أن استخدام المراهقين للشيشة يضاعف احتمالية انتقالهم لتدخين السجائر العادية بمقدار 2.5 مرة، نظراً لما تسببه من اعتماد سريع على النيكوتين.

خطوات نحو مستقبل خالٍ من التبغ

رأى الباحثون بأنه بناء على ما تم التوصل إليه، فإن هناك حاجة ملحة لتحويل المعرفة إلى ممارسة فعلية من خلال التوصيات التالية:
  1. تصحيح المفاهيم الخاطئة: ضرورة إطلاق حملات تثقيفية مكثفة ومبتكرة تركز تحديداً على إبراز الأضرار الكارثية “للتدخين السلبي” في الأماكن المفتوحة والمغلقة على حد سواء، لتغيير القناعة القائلة بأن التدخين في الهواء الطلق لا يضر بالآخرين.
  2. التدخل الوقائي المبكر: تصميم برامج توعوية متخصصة تستهدف المراهقين في الفئة العمرية (14-15 عاماً)، وهي مرحلة التجربة الأولى، مع تزويدهم بالمهارات النفسية والاجتماعية اللازمة لمقاومة ضغط الأقران ورفض إغراءات التبغ.
  3. تعزيز الأبحاث المستقبلية: يوصى بإجراء دراسات طولية لتتبع سلوكيات المراهقين عبر الزمن، مع ضرورة إشراك الإناث وطلاب المدارس الخاصة، بالإضافة إلى إجراء دراسات نوعية متعمقة لفهم الدوافع الثقافية والاجتماعية التي تجعل الشباب العماني يقبل على هذه العادة، مما يسهم في تطوير تشريعات وطنية متكاملة وحاسمة لمكافحة التبغ في سلطنة عمان.
يُذكر أن جهاز الضرائب أصدر قرارًا في 9 أغسطس 2026م بإعفاء عدد من منتجات المساعدة على الإقلاع عن التدخين من الضريبة الانتقائية، وأبرزها
  • منتجات فموية: كعلكة النيكوتين، والأقراص المساعدة على ترك التبغ.
  • منتجات جلدية: كاللصقات المساعدة على الإقلاع.
  • منتجات أخرى: كالبخاخات وقطرات الأنف والحقن المساعدة على ترك التدخين.

شارك هذا الخبر