كيف تتحول سلطنة عُمان من سوق محلي إلى وجهة عقارية عالمية؟

تنتقل سلطنة عُمان بالقطاع العقاري من توزيع الأراضي إلى منظومة استثمارية تدعم التملك والإقامة والمدن المتكاملة، وسط نمو التداولات وتحديات الضريبة والمنافسة.

كيف تتحول سلطنة عُمان من سوق محلي إلى وجهة عقارية عالمية؟
كيف تتحول سلطنة عُمان من سوق محلي إلى وجهة عقارية عالمية؟
أثير- محمد الدغيشي
شهدت أسواق العقار في منطقة الخليج العربي على مدى عقود مسارين متباينين؛ تمثل الأول في سباق المدن الكبرى نحو إنشاء ناطحات السحاب باستثمارات ضخمة، بينما اعتمد المسار الثاني على نمط تقليدي لإدارة المخططات السكنية قائم على توزيع الأراضي الفضاء عبر الاقتراع، وتداولها بين المواطنين بعد انتظار الامتداد الخدمي والبنية التحتية. وأدى هذا النمط إلى استنزاف الموارد الحكومية دون أن يحقق قيمة مضافة ملموسة للاقتصاد المحلي.
وفي هذا السياق، تتجه مسقط نحو إعادة هيكلة القطاع العقاري، عبر تفعيل دور الأراضي كعنصر مجدد للتدفقات النقدية ورؤوس الأموال الأجنبية، متجاوزة النموذج التقليدي. فما الذي يتطلبه الانتقال إلى أن تصبح العقارات ساحة تنافس لرؤوس الأموال؟

إطار تشريعي جديد يعيد تعريف العلاقة بالعقار

صَدَر قانون السجل العقاري الجديد لينهي القانون السابق الذي امتد لنحو 28 عاماً، في خطوة لتجاوز الأطر القديمة وتحسين البيئة الاستثمارية. حيث يتضمن التشريع الجديد تسهيلات جوهرية للمستثمرين الأجانب، ويُتيح لهم حق التملك والبدء في إجراءات الإقامة لهم ولعائلاتهم فور توفير السيولة المالية وقبل البدء الفعلي في تنفيذ المشروعات. وتستهدف هذه الخطوة الانتقال من نظام “الكفيل التقليدي” إلى الاعتماد على الضمانات القانونية المباشرة التي يوفرها التشريع.
كما ينص القانون على تخفيض رسوم “التخارج” بين الورثة إلى مبالغ رمزية، بهدف إنهاء النزاعات حول الملكيات المعطلة في محاكم التركات والتي تُقدر بمليارات الريالات وإعادة ضخ تلك الأصول والسيولة في السوق المالية.

من “قطع الأراضي” إلى المجمعات المتكاملة: فلسفة التحول العمراني

لم تعد وزارة الإسكان والتخطيط العمراني تكتفي بمسح الأراضي ورسم الخطوط على الخرائط. المعركة الحقيقية أصبحت في إيجاد “نموذج حياة” يغري المشتري العالمي بالبقاء. وتظهر هذه الفلسفة بوضوح في ضخ استثمارات ضخمة لبناء مدن مستقبلية كـ “مدينة السلطان هيثم” و“مدينة الثريا“، ومشاريع “صروح”، إلى جانب التوسع في المناطق الاقتصادية في الدقم وخزائن. فالمشتري هنا لم يعد يبحث عن أمتار مربعة، بل عن بيئة مجهزه بالخدمات وترتبط بالمشروعات الاقتصادية الكبرى في البلاد مثل مركز عُمان المالي العالمي ومنطقة الذكاء الاصطناعي الخاصة بمحافظة مسقط وغيرها. هذا التحول السلوكي لدى المستثمر يفسر تسجيل بعض الوحدات المطروحة نسب مبيعات بلغت 100% فور إطلاقها، في مؤشر على وجود سيولة تبحث عن ملاذات آمنة خارج حدود أسواقها.

مؤشرات تعكس ثقة متنامية

شهد القطاع العقاري في سلطنة عُمان انتعاشاً ملحوظاً بتسجيله تداولات تجاوزت 678 مليون ريال عُماني، محققاً نسبة نمو بلغت أكثر من 18%، في إشارة عملية إلى تحول السيولة الائتمانية من مسار التحفظ والادخار نحو التداول والتدفق الفعلي في السوق.
ويأتي هذا الأداء بالتزامن مع خطوات داعمة من مؤسسات التقييم الدولية؛ حيث رفعت وكالة “ستاندرد آند بورز” التصنيف الائتماني للسلطنة إلى “BB+” مع نظرة مستقبلية مستقرة، وهو ما ينعكس مستقبلاً على خفض تكلفة الإقراض للمطورين العقاريين وتقليل مخاطر التأمين للمستثمرين الأجانب.
كما عززت السلطنة جاذبيتها الاستثمارية بتحقيقها أكثر من 92 نقطة في مؤشرات الاستقرار المؤسسي، لتؤكد للمؤسسات المالية الدولية بيئة العمل الآمنة لرؤوس الأموال في مسقط واستقرارها بعيداً عن التقلبات السياسية أو الفجوات التشريعية.

الاختبار الحقيقي: الضريبة والمنافسة الإقليمية

هل الطريق ممهد بالكامل؟ المطورون العقاريون والمستثمرون يواجهون اليوم تحديًا متمثلاً في ضريبة القيمة المضافة.
ففي الوقت الذي يتم فيه استقطاب المستثمرين من الشرائح المختلفة مثل متوسطة الدخل وعالية الدخل، تقدم دول مجاورة إعفاءات ضريبية على المسكن الأول. تصبح الضريبة هنا ليست مجرد اقتطاع مالي، بل عامل مفاضلة قد يدفع المستثمر لإعادة التفكير. الاستثمار العقاري لا ينشأ من وجود مبانٍ حديثة فقط، بل يتطلب تناغمًا كاملاً بين الكلفة الضريبية، وحرية حركة رؤوس الأموال، وجودة الخدمات اللوجستية التي تقدمها الدولة.

إلى أين يتجه القطاع العقاري في السلطنة؟

بين قوانين مرنة، وتسهيلات غير مسبوقة للتملك والإقامة، ومدن مستقبلية متكاملة، ومؤشرات ائتمانية واقتصادية متصاعدة، تبني سلطنة عُمان اليوم منظومة عقارية متكاملة تتجاوز فكرة “البيع والشراء” إلى نموذج استثماري شامل يراهن على جودة الحياة والاستدامة كمحرك رئيسي لجذب رؤوس الأموال العالمية، في مسار يبدو أنه لا يزال في بداياته مع استمرار طرح المشاريع النوعية وتوسّع الشراكات الدولية.
المصادر:

شارك هذا الخبر