الاندماج النووي: سباق جديد بين أمريكا والصين على طاقة المستقبل

الاندماج النووي: سباق جديد بين أمريكا والصين على طاقة المستقبل
الاندماج النووي
رصد- أثير
في الوقت الذي يهيمن فيه التنافس الأمريكي مع الصين على النقاشات المحيطة بالذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة والتجارة والدفاع، ينطلق بعيداً عن الأضواء سباق آخر، وهو سباق قد يحدد الفائز فيه مستقبل الطاقة برمته.
وفي مقال نشرته مجلة نيوزويك ورصدته “أثير”، اعتبرت أن الجائزة الكبرى، وهي الاندماج النووي، قد تشكل مصدراً طويل الأجل لطاقة لا تنضب تقريباً، وتعتمد نظائر الهيدروجين، وهو العنصر الأكثر شيوعاً في الكون، كوقود أساسي لها. وبخلاف الوقود الأحفوري، لا يعتمد الاندماج على الاحتراق كما أنه على عكس الانشطار النووي، لا توجد مخاطر لوقوع انصهار كارثي. كما أن الاندماج لا يخضع لتقلبات الأحوال الجوية كما هو الحال غالباً مع طاقة الرياح والشمس والأمواج.
لم تنجح أي دولة حتى الآن في توليد الكهرباء من الاندماج بالشكل التجاري المأمول. بيد أن هذه التقنية أثارت بالفعل اهتمام عدد متزايد من الشركات المتطلعة للمستقبل، بما في ذلك شركات الذكاء الاصطناعي التي أبرمت صفقات للحصول على الطاقة قبل سنوات من جاهزيتها.

طاقة الشمس

يحدث الاندماج في معظم النجوم عندما تصطدم النوى الذرية الخفيفة، وتتطلب محاكاة هذه العملية على الأرض درجات حرارة تتجاوز 180 مليون درجة فهرنهايت.
ورغم اختبار عدة طرق لتحقيق الاندماج، تُجرى معظم التجارب داخل أجهزة “التوكاماك ” (Tokamak)، وهو مصطلح روسي للتعبير عن بناء على شكل حلقة، فيه ملفات مغناطيسية تحتوي على البلازما الفائقة الحرارة التي تمنع من إتلاف جدار المفاعل.
وعلى الرغم من احتفاظ أمريكا بأسبقية في مجالات الأبحاث والموصلات الفائقة البرمجيات والليزر، إلا أن هذا الفارق يتقلص مع تضييق الصين للفجوة من خلال الاستثمارات الضخمة والتوسع السريع في إنشاء المنشآت الجديدة. ففي يونيو الماضي، أعلن علماء صينيون في معهد فيزياء البلازما، أن جهاز “التوكاماك المتقدم الفائق التوصيل ” (EAST)، الملقب بـ “الشمس الاصطناعية” للصين، قد اختبر بنجاح جزأين تم تطويرهما محلياً وهما حاسمان للمفاعلات التجارية المستقبلية.
وحذر مركز (SCSP) في تقييم صدر في أكتوبر من أن الهيمنة الصينية في التصنيع، والإنتاج المكثف، والعمالة الماهرة، والعناصر النادرة قد تعرقل المساعي الأمريكية في مجال الاندماج.

التجاذب مع الذكاء الاصطناعي

من المتوقع أن يعزز الذكاء الاصطناعي من تقدم الاندماج النووي، في علاقة تكافلية بين الطرفين. فيمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في تسريع تصميم المفاعلات، وتحسين العمليات التشغيلية في الوقت الفعلي، وإجراء محاكاة معقدة لسلوك البلازما وأداء المفاعل، مما قد يتيح للقطاع تجاوز بعض العقبات التقنية التي حالت دون جعل هذه التكنولوجيا مجدية تجارياً.
وقال دينيس وايت، عالم الاندماج والرئيس التنفيذي لمجموعة هيئة الطاقة الذرية في المملكة المتحدة (UKAEA)، لمجلة نيوزويك إن الاندماج قد يوفر في النهاية الكهرباء الموثوقة اللازمة لتشغيل الجيل القادم من البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. وأوضح أن حجم ووثوقية الكهرباء التي تتطلبها مراكز البيانات قد تجعل شركات التكنولوجيا من بين أولى المشتريين الكبار لطاقة الاندماج التجاري.

كيفية تحقيق الاختراق

تتطلب الاستفادة التجارية من طاقة الاندماج ثلاثة أمور أساسية: يجب أن يكون الوقود ساخناً بدرجة كافية، ومكثفاً بدرجة كافية، ومحصوراً لفترة كافية لاستدامة التفاعل وإنتاج طاقة فائضة.
لكن “المحتوى الثلاثي” ليس سوى جزء من الصورة، كما يقول توماس سون بيدرسن، الرئيس التقني لشركة “Type One Energy”، وهي شركة ناشئة في مجال الاندماج تعتمد على أجهزة “الستيلاراتور ” (Stellarators)، وهو تصميم منافس يهدف إلى إبقاء البلازما مستقرة دون الحاجة إلى التيارات الكهربائية الضخمة المستخدمة في أجهزة التوكاماك. وأوضح بيدرسن لمجلة نيوزويك أنه يجب على المفاعل أيضاً الحفاظ على تفاعل الاندماج لفترة طويلة بما يكفي لتوليد إمدادات مستمرة من الكهرباء، وبكلفة تجعل الطاقة التجارية عملية.
وتعد كل من الولايات المتحدة والصين من بين الدول السبع المساهمة في مشروع “إيتر ” (ITER)، وهو قلب مفاعل توكاماك ضخم قيد الإنشاء في جنوب فرنسا، إلى جانب الاتحاد الأوروبي واليابان وكوريا الجنوبية والهند وروسيا. ويهدف المشروع إلى إثبات الاندماج المستدام على نطاق واسع، حيث يحصل المشاركون على إمكانية الوصول إلى الأبحاث والتكنولوجيا والخبرة التشغيلية التي قد تشكل محطاتهم التجارية الخاصة في المستقبل.

الأسبقية الضئيلة للولايات المتحدة

مع الاختراق الذي حققته منشأة الإشعال الوطنية الأمريكية (National Ignition Facility - NIF) وهي مجمع أبحاث علمي أمريكي متطور يقع في مختبر لورانس ليفرمور الوطني بولاية كاليفورنيا في عام 2022، تظل الولايات المتحدة الدولة الوحيدة التي حققت إشعال الاندماج، وهذا لم يحدث بين عشية وضحاها، بل كان ثمرة عقود من التمويل الفيدرالي المستمر والاستثمارات في البحث والتطوير“. وقد اتسمت الجهود الأمريكية في مجال الاندماج حتى الآن بالاستثمار الخاص إلى جانب التمويل الفيدرالي للأبحاث. حيث تلقى برنامج علوم طاقة الاندماج التابع لوزارة الطاقة الأمريكية 790 مليون دولار العام الماضي.
وكان لدى الولايات المتحدة 42 شركة اندماج بحلول عام 2025. وتُظهر تقييمات سبتمبر الصادرة عن مرصد “F4E Fusion”، وهو جزء من منظمة الاتحاد الأوروبي التي تدير المساهمات في مشروع “إيتر”، أنّ هذه الشركات جمعت إجمالاً نحو 8.05 مليار دولار، وهو ما يمثل نحو 53% من التمويل العالمي لشركات الاندماج الخاصة. ومن حيث التمويل الخاص، يُعتقد أن الصين تحتل المركز الثاني بفارق كبير، باستثمارات بلغت نحو 5.14 مليار دولار موزعة على ثماني شركات، أي نحو 34% من الإجمالي، وفقاً للتقرير.

الصعود المتنامي للمواهب في الصين

تسعى الصين لتحقيق الأهداف نفسها التي تسعى إليها الولايات المتحدة، ولكن بأسلوب تشرف عليه الدولة بدرجة أكبر. ولا توجد قيود تقريباً على قدرة الصين على حشد الاستثمارات لهذه التقنية وقد صُنّف الاندماج كـ “صناعة مستقبلية” في خطة التنمية الخمسية للحزب التي أُعلن عنها في يناير.
فاعتباراً من العام الماضي، حشدت الصين ما لا يقل عن 6.5 مليار دولار نحو مشاريع الاندماج ذات الصلة بالتسويق التجاري منذ بداية عام 2023، وهو ما يمثل نحو ثلاثة أضعاف ما تلقاه برنامج الاندماج التابع لوزارة الطاقة الأمريكية خلال الفترة نفسها.
وتفخر الصين بقاعدة متنامية من الكوادر المدربة تدريباً عالياً في مجالات العلوم والهندسة. فقد منحت البلاد نحو 50,000 شهادة دكتوراه في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM) في عام 2022، مقارنة بأقل من 34,000 في الولايات المتحدة، وفق ما ذكرته مجلة fDi Intelligence التابعة لصحيفة فاينانشال تايمز العام الماضي.

العائق الأكبر أمام أمريكا

تستفيد الصين من قاعدة تصنيعية راسخة، وقدرة بناء على مستوى إنساني وصناعي، وخبرة واسعة في بناء البنية التحتية للطاقة النووية في الداخل والخارج. ويكتسب هذا الأمر أهمية لأن الاندماج لا يمكن تسويقه تجارياً بالاكتفاء بالاكتشافات العلمية وحدها. وقال بيدرسن من شركة “Type One Energy” إنه سيتعين على الولايات المتحدة تصنيع المواد المتخصصة اللازمة للمفاعلات محلياً أو الحصول عليها عبر سلاسل إمداد آمنة.
وأضاف بيدرسن: “لا يمكننا جميعاً الاعتماد على الصين لإنتاج كل شيء لنا”، مشيراً إلى أن الدول الغربية أصبحت مفرطة الاعتماد على المصانع الصينية. وقد اتخذت الحكومة الأمريكية إجراءات بناءً على إحدى توصيات مركز (SCSP) العام الماضي بتأسيس مكتب مخصص للاندماج في وزارة الطاقة، لكن مستويات التمويل لم تصل إلى المستوى المطلوب بعد، وفقاً لـ لين، مستشار المركز.
وقد دعا مركز الأبحاث الحكومة الفيدرالية إلى ضخ 10 مليارات دولار في منظومة الاندماج، وهو تمويل من شأنه تقليل المخاطر في المحطات التجريبية للقطاع الخاص، وبناء بنية تحتية مشتركة، وتطوير سلسلة إمداد محلية لا تستطيع أي شركة بمفردها بناءها، لكن لا يزال هناك الكثير من العمل لإقناع المستثمرين بأن هناك مساراً لطاقة الاندماج ضمن إطار زمني واضح.

شارك هذا الخبر