أثير - مـحـمـد الـعـريـمـي
تخيل أن تذهب إلى مقهى لمتابعة مباراة منتظرة، تطلب مشروبك الذي اعتدت عليه، وتجلس لمشاهدة الدقائق الأخيرة، وكل شيء يبدو طبيعيًا، إلى أن تصل الفاتورة.
سعر المشروب الذي تعرفه جيدًا أصبح أعلى من المعتاد، أو يُقال لك: “الطاولة برسوم”؛ هنا لا تعود المفاجأة في قيمة الفاتورة فقط، بل في السؤال الذي تفرضه: ماذا يدفع المستهلك بالضبط؟ ثمن ما طلبه، أم ثمن المكان الذي جلس فيه أيضًا؟
وقد يصبح هذا السؤال أكثر حضورًا في مناسبات تشهد إقبالًا كبيرًا على المقاهي، كالمباريات والفعاليات الجماهيرية، خصوصًا مع اقتراب انطلاق بطولة كأس الخليج في نهاية سبتمبر الجاري وما تحمله مبارياتها المرتقبة والمصيرية من زحام متوقع في أماكن المشاهدة.
فهل يمكن أن يتحول ارتفاع الطلب إلى مبرر لرفع الأسعار أو فرض رسوم إضافية على الطاولات، وأين تنتهي حرية التاجر في التسعير، وتبدأ حماية المستهلك؟
هل أصبحت المباريات الكبرى فرصة لرفع الأسعار؟
الأحداث الجماهيرية تجلب معها زبائن أكثر، وهذا يعني بطبيعة الحال حركة بيع أكبر للمطاعم والمقاهي، ولكن زيادة الإقبال لا تعني بالضرورة أن كل ما في الفاتورة يمكن أن يرتفع معه.
المشكلة تظهر عندما تتحول المناسبة إلى فرصة لفرض أسعار لم يعتدها الزبون، أو رسوم جديدة لم تكن جزءًا من التجربة المعتادة، فقد يجد المستهلك نفسه أمام مشروب ارتفع سعره فجأة، أو وجبة أصبحت أغلى لمجرد أن المباراة تُعرض في المكان، ثم يفاجأ برسوم أخرى مقابل الطاولة التي جلس عليها.
هنا يتغير شكل العلاقة قليلًا؛ فالمقهى لم يعد يبيع الطعام والشراب فقط، وإنما يضع سعرًا منفصلًا للمساحة التي يجلس فيها الزبون، وهذا تحديدًا ما يجعل السؤال عن مشروعية هذه الممارسة مهمًا، خصوصًا عندما لا تكون التكاليف الإضافية واضحة منذ البداية.
متى تتحول الطاولة من خدمة إلى “إيجار”؟
عندما يدخل المستهلك مقهى ويطلب مشروبًا، يفترض أن يعرف سعره وما يرتبط به من رسوم قبل أن يقرر الشراء، أما أن يكتشف في نهاية الجلسة مبلغًا إضافيًا لم يكن يعرف عنه شيئًا، فهنا تظهر مشكلة الشفافية.
والأمر يصبح أكثر حساسية عندما ترتبط الرسوم بحدث معين؛ كأن تكون الطاولة مجانية في الأيام العادية، ثم تتحول إلى مقابل مالي في ليلة مباراة، من دون أن يكون ذلك واضحًا للزبون قبل جلوسه.
ببساطة، لا تكمن المشكلة في وجود مقابل لخدمة إضافية إذا كانت مشروعة ومعلنة، وإنما في أن يعرف المستهلك ما الذي سيدفعه قبل أن يجلس، لا بعد أن تصل الفاتورة.
ماذا يقول القانون عندما ترتفع الفاتورة فجأة؟
وضع المشرّع العُماني ضوابط واضحة للعلاقة بين التاجر والمستهلك، من بينها ما جاء في قانون حماية المستهلك الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (66 / 2014)، ولائحته التنفيذية الصادرة بالقرار رقم (77 / 2017).
التوضيح:
- المرسوم السلطاني رقم (66 / 2014): يُعتبر المظلة التشريعية الأم في السلطنة، ويضمن حقوق المستهلك الأساسية مثل الحق في المعرفة والشفافية وحرية الاختيار، ويجرم الاستغلال المالي والمعاملات غير العادلة.
- القرار رقم (77 / 2017): يُشكل اللائحة التنفيذية للقانون، وتحدد أحكامه التفصيلية واجبات المزودين مثل الآلية المتبعة للشفافية وتحديد قواعد التسعير والتفتيش والتأكد من إشهار البيانات الأساسية.
هل يمكن رفع سعر المشروب والسبب “مباراة أو حدث معين”؟
تخضع أسعار السلع والخدمات للضوابط والإجراءات المعمول بها، ومن بينها قرار حظر رفع أسعار السلع والخدمات رقم (12 / 2011)؛ ولذلك فإن رفع الأسعار بصورة مفاجئة بسبب الإقبال على حدث جماهيري ليس مسألة يمكن التعامل معها باعتبارها حقًا مطلقًا للمنشأة.
التوضيح:
- القرار رقم (12 / 2011): يحظر حظرًا تامًا على كافة التجار والمزودين رفع أسعار أي سلعة أو خدمة دون الحصول على موافقة كتابية مسبقة من هيئة حماية المستهلك، ولا تُمنح هذه الموافقة إلا بناءً على أسباب اقتصادية ومبررات موضوعية ومثبتة. وبالتالي، فإن رفع السعر لمجرد وجود “مباراة” أو “موسم” دون موافقة يعد مخالفة صريحة للقرار.
ماذا عن “رسوم الطاولة”؟
الأصل أن يعرف المستهلك سعر السلعة أو الخدمة وما يترتب عليها من مبالغ قبل إتمام عملية الشراء. وتتناول المادة (24) من اللائحة التنفيذية هذه المسألة، إلى جانب التعديلات الصادرة بالقرار رقم (1 / 2022).
التوضيح:
- المادة (24) من اللائحة التنفيذية: تنص صراحة على إلزام المطاعم والمقاهي والأماكن المماثلة بوضع قائمة أسعار معلنة وبشكل بارز ومفهوم للزبائن متضمنة كل المبالغ والضرائب المترتبة.
- القرار رقم (1 / 2022): جاء كـتعديل ليعزز منع تقاضي أية مبالغ أو رسوم تفوق السعر المعلن في القائمة. وبناءً عليه: لا يحق للمقهى فرض “رسم طاولة” أو “رسوم مشاهدة” إلا إذا كانت مدرجة بوضوح في قائمة الأسعار المعلنة مسبقًا ويشاهدها الزبون قبل طلب الخدمة، ولا يحق له ابتداع أية رسوم مستترة عند صدور الفاتورة.
هل يملك المستهلك وسيلة لرفض الفاتورة المفاجئة؟
كثير من المستهلكين قد يختارون الدفع بدل الدخول في نقاش، خصوصًا بعد انتهاء المباراة أو الجلسة، أو أمام الأصدقاء والعائلة، وقد يبدو مبلغ إضافي صغير غير مستحق للعناء.
لكن تراكم هذه المبالغ الصغيرة هو ما يجعل الممارسة قابلة للتحول إلى أمر معتاد، لذلك؛ يمكن للمستهلك أن يبدأ بخطوة بسيطة: يسأل عن الأسعار والرسوم قبل الطلب، خصوصًا في المناسبات التي يُتوقع فيها ارتفاع الإقبال، وإذا وجد رسمًا إضافيًا، فمن حقه الاستفسار عن أساسه والتأكد من أنه معلن بوضوح.
ماذا تفعل إذا اكتشفت “ثمن الجلوس” في فاتورتك؟
لا تنتظر حتى تصل الفاتورة لتكتشف ما الذي دُفع مقابل الخدمة؛ اسأل عن قائمة الأسعار قبل الطلب، وتحقق من أي رسوم إضافية مرتبطة بالجلوس أو بالحدث، واحتفظ بالفاتورة إذا وجدت مبلغًا غير واضح أو غير معلن، ثم قم بتبليغ الجهات المختصة عبر قنواتها الرسمية لمراجعة ذلك؛ فالرقابة لا تبدأ دائمًا من جهة حكومية؛ أحيانًا تبدأ من سؤال بسيط يطرحه المستهلك: “كم ولماذا؟”






