قرابة مليوني مركبة على طرقاتنا: فهل تكفي التوسعات أم نحتاج إلى تغيير طريقة تنقّلنا؟

عن الكاتب

جميلة العبري
جميلة العبري

محرر وكاتب صحفي

قرابة مليوني مركبة على طرقاتنا: فهل تكفي التوسعات أم نحتاج إلى تغيير طريقة تنقّلنا؟
قرابة مليوني مركبة على طرقاتنا: فهل تكفي التوسعات أم نحتاج إلى تغيير طريقة تنقّلنا؟
أثير - جميلة العبرية
حين يقترب عدد المركبات المسجلة في سلطنة عمان من مليوني مركبة، يصبح الازدحام الذي نراه على بعض الطرق جزءًا من معضلة أكبر تتشكل في السؤال الآتي:
هل تستطيع المدن الاستمرار في إضافة الحارات والجسور والتقاطعات كلما ارتفع عدد المركبات، أم أن استدامة التنقل تتطلب تقليل الحاجة إلى الرحلة بالمركبة من الأساس؟
تشير الأرقام إلى أن عدد المركبات المسجلة في سلطنة عُمان حتى نهاية يونيو 2026م يبلغ نحو 1.9 مليون مركبة، بنمو سنوي 5.5%، وتشكل المركبات الخاصة الكتلة الأكبر بأكثر من 1.5 مليون مركبة، تليها المركبات التجارية بأكثر من 281 ألف مركبة، وإذا استمر هذا النمو بالوتيرة نفسها، فإن الضغط لن يقتصر على مساحة الطريق، وإنما يمتد إلى المواقف والوقود والصيانة وزمن الرحلات، وصولًا إلى الإنتاجية وجودة الحياة.

طرق تتوسع ومشروعات في جميع المحافظات

في موازاة هذا النمو، تشهد شبكة الطرق في سلطنة عمان مشروعات للإنشاء والتوسعة والازدواجية ورفع الكفاءة في مختلف المحافظات، وتبرز حاليًا عدة مشروعات ترتبط بمحاور تشهد كثافة مرورية أو نموًا عمرانيًا متسارعًا منها في محافظة مسقط، حيث أُسند مشروع توسعة طريق مسقط السريع من القرم إلى حلبان بقيمة تتجاوز 157 مليون ريال عُماني، ويشمل المشروع توسعة الطريق وتطوير التقاطعات والمداخل والمخارج والطرق الجانبية وإنشاء جسور علوية مستقلة، بهدف رفع كفاءة أحد أهم المحاور المرورية في العاصمة.
كما يجري تنفيذ مشروع تطوير طريق الموج والجزء المرتبط بطريق 18 نوفمبر، ويتضمن إضافة حارات وتطوير عدد من التقاطعات ومعالجة الحركة في مواقع من بينها دوارا الموج والبهجة.
وخارج العاصمة، يتواصل تنفيذ مشروع ازدواجية طريق إزكي–بركة الموز–نزوى، لتحسين الحركة ورفع كفاءة أحد المحاور الرئيسية في محافظة الداخلية.
وتمثل هذه المشروعات نماذج من أبرز مشروعات الطرق الجاري تنفيذها أو المجدولة حاليًا، ولا تحصر خريطة تطوير الطرق في سلطنة عُمان؛ إذ تتوزع مشروعات أخرى للإنشاء والازدواجية ورفع الكفاءة والصيانة على مختلف المحافظات.
وتوضح هذه المشروعات الحاجة الضرورية لمعالجة الاختناقات القائمة واستيعاب الحركة والنمو العمراني، لكن استمرار زيادة المركبات يفتح السؤال الأهم: هل تستطيع شبكة الطرق أن تتوسع بالمعدل نفسه كلما ظهرت اختناقات جديدة؟

هل توسعة الطريق وحدها تكفي؟

حملت “أثير” هذا السؤال إلى وزارة الإسكان والتخطيط العمراني، التي من جهتها تضع القضية في إطار أوسع؛ فالإستراتيجية العمرانية والمخططات الهيكلية تنظر إلى التنقل بوصفه جزءًا من طريقة بناء المدينة وتوزيع السكن والعمل والخدمات، وليس قضية طريق فقط.
وترى الوزارة أن النمو المطرد للمركبات يمثل دافعًا لإعادة تشكيل نمط التنقل، إذ لا تستطيع توسعة شبكات الطرق والبنية الأساسية التقليدية وحدها مواكبة هذا النمو بصورة مستدامة.
وفي مسقط الكبرى، يستهدف المخطط الهيكلي إعادة تصنيف 978 كيلومترًا من شبكة الطرق الحالية، بحيث لا يذهب التطوير كله إلى زيادة مساحة الطريق، وإنما يشمل تحسين التقاطعات والأرصفة وممرات الدراجات، إلى جانب التوسعة في المواقع التي تحتاج إليها.
وهنا يظهر الفرق بين معالجة الازدحام بعد وقوعه، ومحاولة تقليل الضغط الذي سيصل إلى الطريق من الأساس.

لماذا نحتاج المركبة لكل رحلة؟

تقود إجابات الوزارة إلى أصل المشكلة؛ فإذا كان المنزل في طرف من المدينة والعمل في طرف آخر، والمدرسة والخدمات والتسوق تحتاج إلى رحلات منفصلة، تصبح المركبة الخاصة ضرورة يومية صنعتها طريقة توزيع المدينة نفسها؛ لذا يركز مخطط مسقط الكبرى على ربط السكن بمقرات العمل وإيجاد تكتلات اقتصادية جديدة تقرب الوظائف والأنشطة التجارية من الأحياء السكنية؛ فكلما أصبحت الوجهات اليومية أقرب، قصرت الرحلات وقل الضغط على المحاور الرئيسية.
ويمتد ذلك إلى مفهوم أحياء الــ15 دقيقة، الذي يقوم على تقريب المدارس والخدمات والعمل والاحتياجات اليومية من السكان، بحيث يمكن الوصول إلى نسبة أكبر منها خلال وقت قصير دون الحاجة إلى رحلة طويلة بالمركبة.
ويأتي النقل العام ضمن الحل نفسه، من خلال توجيه التنمية العمرانية حول محطاته ورفع الكثافة السكانية والعمرانية بالقرب من مراكز العبور؛ لأن توفير الحافلة وحده لن يجعلها بديلًا عمليًا إذا كان الوصول إلى المحطة صعبًا، أو كانت أماكن العمل والخدمات بعيدة عن مساراتها.
وتشير الوزارة كذلك إلى تجربة بعض الحلول والمشروعات على أرض الواقع وقياس فاعليتها قبل التوسع فيها، بما يسمح بتطويرها استنادًا إلى نتائج الاستخدام الفعلي.

هل نقيس النجاح بعدد الطرق؟

هذا التحول يغير كذلك طريقة قياس نجاح التنقل، فبدل أن يكون السؤال محصورًا في عدد الحارات وسعة الطريق وسرعة المركبات، يصبح المهم: كم يستغرق الوصول إلى العمل أو المدرسة أو المستشفى؟ وهل يستطيع الإنسان الوصول إلى احتياجاته مشيًا أو بالنقل العام أو بوسيلة أخرى؟
ويطمح مخطط مسقط الكبرى إلى رفع إسهامات النقل العام إلى 26% بحلول 2040، بالتوازي مع زيادة الرحلات القصيرة التي يمكن إنجازها مشيًا أو بوسائل التنقل الخفيف، وتقليل استهلاك الوقود والانبعاثات، والهدف في النهاية ليس منع استخدام المركبة الخاصة، وإنما ألا تصبح الخيار الوحيد لكل رحلة.

مبادرات

“رُبّ ضارة نافعة”؛ فالازدحام المروري وصعوبة الحصول على مواقف للأفراد والتي ترافق عادة المواقع الحيوية، كانت حاضرة في المستشفى السلطاني، الذي تمكّن من إيجاد حل بالتعاون مع شركاء لتوفير نقل عام؛ فالمستشفى المرجعي الذي يرتاده آلاف الزوار ومواقفه محدودة نوعًا ما، أعلن عن مبادرة في ديسمبر الماضي، مقدمًا شكره إلى وزارة الثقافة والرياضة والشباب على التعاون الإستراتيجي، لإنجاح خدمة النقل المجاني بالتعاون مع “مواصلات”، حيث تضمنت المبادرة توفير مواقف إضافية لمرتادي المستشفى في مجمع السلطان قابوس الرياضي في بوشر، مع توفير حافلات تنقل هؤلاء الزوار ومن وإلى المواقف.

2040 ماذا لو استمر الوضع بالطريقة نفسها؟

وفق الوزارة فإن دراسة الحركة المرورية للمخطط توضح لماذا تصبح هذه الحلول ضرورية؛ فاستمرار النمو دون تغيير طريقة التخطيط والتنقل يعني بحلول 2040 رحلات أطول وحركة أبطأ واستهلاكًا أكبر للوقود، إلى جانب ارتفاع الوقت الضائع والخسائر المرتبطة بالازدحام.
وتقدر الدراسة أن الخسائر الإنتاجية السنوية في السيناريو الذي لا يطبق فيه المخطط، قد تصل إلى 566 مليون ريال عماني، بينما تنخفض في السيناريو الذي يفترض تطبيقه إلى نحو 29 مليون ريال عماني؛ وهو فارق يكشف أن تكلفة الازدحام لا تُقاس بالوقت الذي يقضيه الفرد خلف المقود وحده، وهكذا تبدو معالجة نمو المركبات في مسارين متوازيين تنتج تطوير شبكة الطرق لمعالجة ضغط اليوم، وإعادة تخطيط المدن حتى لا يصبح توسيع الطرق الاستجابة الدائمة لضغط الغد.
فالاختبار الحقيقي بحلول 2040 لن يكون في عدد الكيلومترات التي أضيفت إلى الطرق، وإنما في عدد الرحلات التي استطاعت المدينة اختصارها، وكم وظيفة ومدرسة ومتجر وخدمة أصبحت أقرب إلى السكان، وما إذا كان المواطن سيجد أمامه خيارًا عمليًا آخر غير استخدام مركبته الخاصة لكل رحلة.

المراجع:

• إجابات وزارة الإسكان والتخطيط العمراني لـ“أثير”

شارك هذا الخبر