اكتشف ثم استثمر وعيش: ثلاثية إستراتيجية ستجعل سلطنة عمان وجهة لرؤوس الأموال

اكتشف ثم استثمر وعيش: ثلاثية إستراتيجية ستجعل سلطنة عمان وجهة لرؤوس الأموال
اكتشف عمان
أثير- محمد الدغيشي
تحمل سلطنة عمان رسالة موحّدة إلى العالم من خلال ثلاث ركائز إستراتيجية متكاملة: “اكتشف عمان”، و“استثمر في عمان“، و“عيش عمان“، فهذه الشعارات الوطنية ليست مجرّد عبارات ترويجية، بل منظومة متناسقة يكمّل كل عنصر فيها الآخر، وتجسّد رؤية موحّدة لموقع السلطنة كوجهة عالمية متكاملة للاكتشاف والاستثمار والعيش.
تنطلق الإستراتيجية من مفهوم بسيط: تبدأ الرحلة بالاكتشاف، حيث يأتي الزائر ليتعرّف نفسه إلى معالم السلطنة وجمالها، وفي هذا السياق، تتحول السياحة إلى أداة لتعريف العالم بإمكانات هذه الأرض الواعدة، فالزائر الذي يأتي لاكتشاف المعالم العمانية قد يجد نفسه أمام خيار إعادة النظر في مدة إقامته؛ حين يكتشف الفرص والإمكانات الاستثمارية المتاحة.
وبهذا التحول تبدأ حلقة اقتصادية جديدة: فرص الاستثمار تجذب الرأسماليين والمشروعات، والمشروعات الاقتصادية الناجحة توجِد الحاجة للقوى العاملة والمقيمين الدائمين، وهكذا تتشكّل سلسلة متصلة لا تنقطع: الاكتشاف يفتح الأبواب أمام الاستثمار، والاستثمار ينجب فرص العيش والاستقرار، وفي النهاية يصبح ازدهار الاقتصاد الوطني وتوسّع فرص العمل للمواطن العُماني والأجنبي على حدّ سواء ثمرة طبيعية لهذا التكامل الإستراتيجي.

“اكتشف عُمان”: النافذة الرقمية إلى عالم الفرص

تبدأ رحلة كل زائر ومستثمر محتمل بخطوة أولى: الاكتشاف، فقد أطلقت وزارة التراث والسياحة صفحتها الخاصة بالسياحة العُمانية وكل ما يتعلق بها من موضوعات ضمن جهودها الرامية لدعم وتطوير القطاع السياحي في جميع المجالات، خصوصًا في مجال التواصل الاجتماعي كونه نافذة مهمة يطلُّ منها العالم للتعرف إلى المستجدات.
تأتي صفحة السياحة العُمانية في منصات التواصل الاجتماعي تحت مسمى “اكتشف عُمان” أو “Experience Oman”، وتوفر تجربة جديدة ومتكاملة للزائر والمطلع على مقومات السلطنة الحضارية والتاريخية والطبيعية، وتتوفَّر الصفحة على كافة منصات التواصل الاجتماعي الأكثر شعبية؛ منها الفيسبوك، وأكس، ويوتيوب، وبنترست، وجوجل بلس، وإنستجرام.

الموقع الإلكتروني الجديد: بوابة متطورة للاكتشاف والاستثمار

عززت وزارة التراث والسياحة جهودها بتدشين موقع إلكتروني جديد، إلى جانب الموقع الترويجي الجديد “اكتشف عمان”، وجاء تطوير هذه المنصات الرقمية بهدف تقريب الخدمات الحكومية من المستثمرين وتوفير معلومات شاملة لمستخدمي البوابة الإلكترونية وللمختصين في قطاعي التراث والسياحة.
وتمثل هذه المنصات الجديدة الهوية التسويقية للسلطنة في العالم الرقمي، وتصبح المصدر الذي يُرجع إليه للإجابة عن كافة الأسئلة والاقتراحات المتعلقة بالسياحة والاستثمار في السلطنة، وتضيف هذه المنصات قيمة للزوّار الحاليين في السلطنة والزوّار المستقبليين الذين يخططون لزيارتها، فضلا عن المستثمرين الباحثين عن فرص في القطاع السياحي.

الفرص الاستثمارية في قطاع السياحة

تشهد خطة الخطة الخمسية الحادية عشرة (2026-2030) توسعًا ملحوظًا في الاستثمارات السياحية، حيث تستهدف الخطة الاستثمارية لوزارة التراث والسياحة تنويع الأنماط السياحية، ورقمنة القطاع بنسبة 80%، وتعزيز دور السياحة في التنويع الاقتصادي من خلال فرص استثمارية كبرى.
وتركز الخطة على تطوير القلاع، والحصون، وسياحة المغامرات، وتوفير خدمات متطورة، وتتوقع الوزارة أن يرفد القطاع الخاص بنحو 50 ألف فرصة عمل سنويًا؛ ما يعكس حجم الفرص التي يتحملها هذا القطاع الحيوي في جذب الاستثمارات الأجنبية والمحلية.

“استثمر في عُمان”: البيئة التشريعية التي تستقطب رؤوس الأموال

بعد أن يكتشف الزائر جمال السلطنة وإمكاناتها، تأتي الخطوة الثانية: فتح الباب أمام الاستثمار، وتمثل مبادرة “استثمر في عُمان” التجسيد الحقيقي لهذه الرسالة، وهي نتاج إستراتيجية واضحة لبناء بيئة استثمارية جاذبة وموثوقة.
بدأت هذه المبادرة رسميًا في فبراير 2023م عندما افتتحت وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار صالة “استثمر في عُمان” كنافذة موحدة لخدمات المستثمرين والفرص الاستثمارية التي تتجاوز قيمتها مليون ريال عُماني، وجمعت الصالة 14 جهة حكومية و6 جهات خاصة تحت مظلة واحدة، بهدف اختصار رحلة المستثمر وتسهيل إجراءات تأسيس المشروع وتشغيله، ومتابعة التحديات التي قد تعترضه.

من جذب الأموال إلى صناعة القيمة

شهد الاستثمار الأجنبي المباشر في سلطنة عُمان نموًا مطردًا ومتسارعًا، فارتفع حجم الاستثمارات بنسبة 8.7% بنهاية الربع الأول من 2026م مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، ليتجاوز 32 مليارًا و197 مليون ريال عُماني، لكن الأرقام المليارية لا تحكي القصة كاملة؛ فما يهم حقا هو نوعية الاستثمار وأثره على الاقتصاد الوطني.
بدأت هندسة جديدة للاستثمار الأجنبي منذ صدور قانون استثمار رأس المال الأجنبي بالمرسوم السلطاني رقم 50/2019، الذي أتاح الملكية الأجنبية بنسبة تصل إلى 100%، وألغى شرط الحد الأدنى لرأس المال، ومنح المشروعات الأجنبية مزايا وحوافز وضمانات مماثلة للمشروعات الوطنية، ومع اتساع قاعدة الأنشطة المتاحة للمستثمرين وتبسيط إجراءات التأسيس، بدأت مرحلة يمكن وصفها بـ “هندسة الجاذبية”، أي إزالة العوائق التي قد تدفع المستثمر إلى اختيار سوق أخرى.
وأصبح بإمكان المستثمر الأجنبي تأسيس مختلف أنواع الشركات وممارسة أكثر من 1700 نشاط تجاري وصناعي عبر منصة عُمان للأعمال، مع إلغاء شرط الحد الأدنى لرأس المال، إلى جانب تخصيص الأراضي والعقارات اللازمة للمشروعات الاستثمارية.

من الانفتاح المطلق إلى الانتقائية الحكيمة

لكن التطور لم يتوقف عند هذا الحد، ففي مايو 2024م بدأ تطبيق قرار يقضي بتخفيض رسوم السجل التجاري للمستثمر الأجنبي ومعاملته معاملة المستثمر العُماني، مقابل إلزامه بتوظيف موظف عُماني واحد على الأقل، وهذا لم يكن مجرد حافزة مالية، بل رسالة واضحة: الاستثمار الأجنبي يجب أن يضيف قيمة حقيقية للاقتصاد الوطني.
وقيّمت الوزارة شركات الاستثمار الأجنبي للتأكد من التزامها بالضوابط، وسجلت 2039 شركة غير ملتزمة بشرط التوظيف العُماني بعد مرور عام على تأسيسها؛ ما استدعى إجراءات لتصحيح أوضاعها، وفي سبتمبر 2024م أضاف القرار الوزاري رقم 435/2024 عددًا من الأنشطة إلى قائمة الأنشطة المحظور على المستثمر الأجنبي مزاولتها، ليرتفع إجماليها إلى 123 نشاطًا مخصصًا للمستثمر العُماني، شملت أنشطة مرتبطة بالصناعات الحرفية واللبان والبخور، إلى جانب بعض أنشطة التجزئة والخدمات.

الحماية القانونية والاستقرار

عزّز هذا التوجه إنشاء محكمة الاستثمار والتجارة في 1 أكتوبر 2025م بموجب المرسوم السلطاني رقم 35/2025، حيث تختص المحكمة بالمنازعات التجارية والاستثمارية، بما في ذلك المنازعات الناشئة عن عقود الاستثمار، والخلافات بين الشركاء والمساهمين، وقضايا الملكية الفكرية والمنافسة والإفلاس، وتقلل المحكمة من حالة عدم اليقين التي قد ترافق الاستثمارات الكبيرة؛ ما يعطي المستثمرين الثقة بحماية حقوقهم وبيئة استثمارية مستقرة.

“عيش عُمان”: الخطوة الأخيرة نحو موطن جديد

بعد أن يكتشف الزائر سلطنة عمان وينجح في استثماره، يأتي الاستقرار الطبيعي: العيش الدائم، وتأتي مبادرة “عيش عمان (Live Oman) كأول وجود استثماري وتسويقي مباشر لسلطنة عُمان في قطاع المدن المستقبلية والتطوير العقاري على الساحة العالمية، وقد اختارت السلطنة العاصمة البريطانية لندن كنقطة انطلاق لهذه المبادرة، لكونها أحد أهم المراكز المالية العالمية ونقطة التقاء رئيسية للنخب الاستثمارية وصناديق إدارة الثروات والمطورين الدوليين.
ويجسد هذا الاختيار إستراتيجيًا حسابيًا دقيقًا؛ فلندن توفر منصة إستراتيجية لترويج العقار العماني أمام شريحة ذات ملاءة مالية عالية تبحث عن وجهات استثمارية آمنة ومستقرة، وتمثل المبادرة خطوة عملية حقيقية لنقل الفرص العقارية العُمانية إلى الأسواق الدولية وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر في قطاع العقارات والمدن المستقبلية.

معرض في قلب لندن: منصة للحوار المباشر

يضم المعرض الذي يُقام تحت عنوان “لا يزال ممكنًا” (Still Possible) في متجر فيوتشر ستورز بشارع أكسفورد في العاصمة البريطانية من 21 سبتمبر إلى 4 أكتوبر 2026م مساحة مميزة تبلغ 200 متر مربع مغطاة بالكامل بـ 400 متر مربع من شاشات تفاعلية عالية الدقة.
وما يجعل الموقع استثنائيًا أنه يتمتع بواجهات زجاجية ممتدة يمر أمامها حوالي نصف مليون شخص يوميًا؛ ما يوفر تعريضًا لا مثيل له أمام النخب المستهدفة والمستثمرين والمقيمين المحتملين، وقد تم تصميم الموقع ليكون نقطة الجذب المركزية ضمن نطاق حيوي قريب يبلغ 20 دقيقة، حيث يستهدف 59 موقعًا تم التحقق منها تتضمن نوادي الأعضاء الخاصة والفنادق الفاخرة ومكاتب إدارة الثروات في مناطق مايفير وماريليبون وبلجرافيا.

أهداف طموحة وعقارات رائدة

تسعى المبادرة إلى تحقيق مبيعات إجمالية مستهدفة تصل إلى 35 مليون ريال عُماني وتأمين بيع 500 وحدة، مع توقيع 300 حجز وسند حجز مؤكد ومسترد خلال فترة المعرض، وتخصص إستراتيجية التوزيع الترويجي 20% لتعزيز الهوية والترويج الشامل لمعيشة عُمان، بينما توجه 80% للمبيعات المباشرة لحقوق الانتفاع والتملك الحر.
وتركز المبادرة على عرض 7 إلى 10 مشروعات عقارية رائدة، مع منح الأولوية القصوى لمشروعات المدن المستقبلية مثل مدينة السلطان هيثم، وتليها مشروعات صروح السكنية المتكاملة. كما يشارك في المعرض مجموعة من أبرز المطورين العقاريين المحليين منهم مجموعة طلعت مصطفى، وشركة الأهلي صبور، وشركة أدانت، وشركة الأبرار العقارية، والصاروج تثمير، والنماء العقارية.

التكامل الإستراتيجي: دورة حياة المستثمر والمقيم

تجتمع هذه المبادرات الثلاث في منظومة متناسقة تُحقق أهدافًا مشتركة، لأنها تتبع منطق الرحلة الطبيعية للإنسان: فـ “اكتشف عُمان” تعمل كمحفز أولي يثير الفضول، حيث يبدأ الزائر رحلة الاكتشاف عبر المنصات الرقمية والاتصالات الترويجية، مستكشفًا جمال السلطنة وإمكاناتها، و“استثمر في عُمان" توفر الإطار القانوني والتسهيلات الإدارية التي تحول الاهتمام إلى فرص حقيقية للعمل والنمو الاقتصادي، مع ضمانات وحماية قانونية للمستثمرين، و“عيش عُمان" تفتح الآفاق الإنسانية والعقارية، جاذبة الراغبين في تغيير نمط حياتهم والبحث عن موطن آمن مستقر يوفر جودة حياة عالية وفرص عمل متاحة.
والربط بينها يوجِد حلقة متكاملة لا تُنسى: الزائر يكتشف جمال السلطنة، وفي أثناء هذا الاكتشاف يرى فرص استثمارية واعدة، فيقرر البقاء والعمل، وبالتالي العيش الدائم مع عائلته، وهذا السيناريو ليس افتراضيًا بل هو ما تعمل هذه المبادرات الثلاث لتحقيقه بطريقة منسقة وفعّالة.

نحو مستقبل اقتصادي مستدام ومتكامل

تنطلق هذه المنظومة من رؤية عُمان 2040، التي ترتكز على تنويع الاقتصاد وبناء منظومة متكاملة تستند إلى تشريعات شفافة وبنية أساسية متقدمة وممكنات رقمية حديثة، حيث تتمتع السلطنة ببيئة استثمارية مستقرة، وموقع جغرافي إستراتيجي يربط آسيا وأفريقيا وأوروبا، وقوى عاملة متعددة اللغات ومؤهلة.
وما يميز هذه الإستراتيجية أنها لا تسعى فقط إلى جذب رؤوس الأموال أو السياح، بل إلى إيجاد قيمة حقيقية مستدامة، فالاستثمار الأجنبي الذي تستقطبه السلطنة يجب أن يحقق أثرًا حقيقيًا من خلال تطوير الصناعة، ونقل المعرفة، وإيجاد فرص العمل، وتنويع الاقتصاد، والسياحة يجب أن تتحول من مجرد قطاع خدمات إلى محرّك حقيقي للاستثمار والتطوير العقاري.
وعندما يأتي الزائر لاكتشاف السلطنة ويجد نفسه مستثمرًا، ثم يقرر أن يستقر فيها، تصبح كل هذه المبادرات أجزاء من قصة واحدة متماسكة: قصة تحويل العائد والزائر والمستثمر إلى مقيم دائم ومسهم في بناء الاقتصاد الوطني.
وهكذا تتحول السلطنة من مجرد وجهة جغرافية على الخريطة إلى نموذج متكامل للاكتشاف والاستثمار والعيش الكريم، حيث تلتقي طموحات الأفراد والشركات والاقتصادات في منظومة واحدة منسقة تحقق الازدهار المشترك.
ويصبح الاستثمار الأجنبي أكثر من أموال تدخل السوق؛ بل جزءًا من قصة حقيقية لتنويع اقتصادي تحمل منتجاتها وخدماتها وأحلام أصحابها عبارة واحدة: “صُنع وعيش في سلطنة عُمان”.

المصادر:

شارك هذا الخبر