أثير- إعداد: د. محمد بن حمد العريمي
المرسِل: عبد الرحمن بن سنجك الرئيسي والي مصيرة
المستقبِل: علي بن عيسى بن خميس الزدجالي
تاريخ الرسالة: 29 سبتمبر 1958م
مصدر الرسالة: أرشيف أسرة علي بن عيسى الزدجالي
قد تبدو الرسائل الإدارية والشخصية القديمة في ظاهرها مجرد وسيلة لتبادل الأخبار بين أصحابها، إلا أن بعضها يتحول بعد مرور العقود إلى سجل تاريخي يختزن تفاصيل ربما لا نجدها مجتمعة في المصادر الأخرى، ومن هذا النوع رسالة بعث بها عبد الرحمن بن سنجك، والي مصيرة، إلى الشيخ علي بن عيسى الزدجالي بتاريخ 29 سبتمبر 1958م، حملت بين سطورها أخبارًا متفرقة عن حوادث بحرية شهدتها السواحل العُمانية، إلى جانب إشارة لافتة إلى حدث سياسي مهم وقع في العام نفسه، وهو انتقال جوادر من السيادة العُمانية إلى باكستان.

صورة أرشيفية لعبدالرحمن بن سنجك والي مصيرة تعود إلى عام 1962م
رسالة من مصيرة
كُتبت الرسالة في مرحلة كانت فيها المراسلات الشخصية والرسمية وشبه الرسمية إحدى الوسائل المهمة لانتقال الأخبار بين الولايات العُمانية، ولا سيما في ظل محدودية وسائل الاتصال مقارنة بما أصبحت عليه لاحقًا.
ويبدو من مضمونها أن والي مصيرة أراد أن يطلع علي بن عيسى الزدجالي على جملة من الأخبار التي وصلت إليه أو وقعت في نطاق الجزيرة والمناطق البحرية القريبة منها، فجاءت الرسالة أشبه بـ “نشرة أخبار” صغيرة، جمعت بين حادثة اصطدام بحري، وغرق سفينة شراعية، ثم خبر سياسي يتصل بجوادر، وأخبار عن أعمال تطوير، وزيارة القنصل البريطاني.
اصطدام سفينتين قرب مصيرة
أولى الحوادث التي سجلتها الوثيقة تعود إلى 13 سبتمبر 1958م، أي قبل نحو أسبوعين من كتابة الرسالة، إذ يخبر والي مصيرة بوقوع حادثة اصطدام بين سفينتين بالقرب من جزيرة مصيرة.
ووفقًا لما جاء في الرسالة، فقد أسفر الحادث عن وقوع عدد من الإصابات، وتم إنزال بعض الجرحى في محطة مصيرة، قبل أن يُنقلوا لاحقًا لتلقي العلاج في مستشفى البحرين، وبلغ عدد الذين نُقلوا بحسب الرسالة تسعة أشخاص، إلا أن أحد المصابين، وكان فرنسي الجنسية، توفي متأثرًا بإصابته، ودُفن في جزيرة مصيرة.
وتمنحنا هذه التفاصيل الصغيرة صورة عن جانب من الدور الذي كانت تؤديه مصيرة في التعامل مع الحوادث البحرية التي تقع في محيطها؛ فالجزيرة لم تكن مجرد موقع جغرافي في بحر العرب، وإنما كانت بحكم موقعها ومحطتها نقطة يمكن أن يلجأ إليها المصابون والناجون من الحوادث التي تقع في البحر.
كما تفتح الإشارة إلى دفن البحار الفرنسي في مصيرة بابًا للبحث في تاريخ المدافن المرتبطة بالأجانب الذين توفوا في الجزيرة خلال القرن العشرين، ومحاولة التعرف إلى هوية هذا الشخص والسفينتين اللتين اصطدمتا وظروف الحادث بصورة أكثر تفصيلًا.
مأساة أخرى في بحر الجازر
لم تكن حادثة مصيرة الخبر البحري الوحيد في الرسالة؛ إذ انتقل الوالي إلى الحديث عن مأساة بحرية أخرى، تبدو من حيث عدد الضحايا المحتملين أكبر بكثير؛ فبحسب ما نقله، تمكنت إحدى السفن العالمية الناقلة للنفط من التقاط 60 شخصًا من بحر الجازر بعد تحطم السفينة الشراعية التي كانوا على متنها.
وتشير الرسالة إلى أن السفينة المنكوبة كانت تقل نحو مائتي راكب، وهو عدد كبير بمقاييس السفن الشراعية، وأن ما تردد آنذاك يفيد بأن بقية ركابها قد لقوا حتفهم.
وإذا أخذنا الأرقام التي أوردتها الوثيقة كما هي، فإن الحديث يدور عن نحو 140 شخصًا بين مفقود ومتوفى محتمل، مع ضرورة التعامل مع هذا الرقم بوصفه خبرًا نقلته الرسالة في حينه، وليس حصيلة نهائية موثقة للحادث؛ فالوالي نفسه استخدم صيغة تفيد بأن مصير بقية الركاب كان مما “يُقال”، وهو ما يعكس طبيعة انتقال الأخبار البحرية في ذلك الزمن، خصوصًا في الأيام الأولى التي تلي حوادث الغرق.
ومع ذلك، فإن ورود الخبر في رسالة معاصرة للحادث يمنحه أهمية تاريخية، وقد يساعد في تتبع واحدة من حوادث الملاحة الشراعية التي شهدها بحر العرب والسواحل العُمانية في النصف الثاني من القرن العشرين.
من أخبار البحر إلى السياسة
المثير للاهتمام أن رسالة والي مصيرة لم تقتصر على أخبار البحر والحوادث، بل انتقلت في فقرة أخرى إلى قضية سياسية كانت تشغل المنطقة في تلك الفترة؛ فقد أشار عبد الرحمن بن سنجك إلى أن السلطان قد تنازل عن جوادر، وأضاف عبارة موجزة ذات دلالة بأن “المسألة سياسية”.
وتكتسب هذه الإشارة أهميتها من توقيت الرسالة؛ فقد كُتبت في 29 سبتمبر 1958م، أي في الشهر نفسه الذي انتقلت فيه جوادر من السيادة العُمانية إلى باكستان.
وكانت جوادر، الواقعة على ساحل مكران، قد ارتبطت بعُمان منذ أواخر القرن الثامن عشر، وظلت تحت السيادة العُمانية لأكثر من قرن ونصف، قبل انتقالها إلى باكستان في عام 1958م.
ولذلك فإن عبارة والي مصيرة، على قصرها، تكتسب قيمة خاصة؛ لأنها تقدم لنا صدى محليًا معاصرًا للحدث، وتوضح أن خبر جوادر كان متداولًا في الأوساط العُمانية فور وقوعه، وأن تفسيره لدى كاتب الرسالة ارتبط بالاعتبارات السياسية.
توسعة مطار مصيرة وحركة الطيران إلى ظفار
لم تقتصر الأخبار التي حملتها رسالة والي مصيرة على الحوادث البحرية وقضية جوادر، بل تضمنت إشارات أخرى تكشف جانبًا من النشاط الذي كانت تشهده الجزيرة ومحطتها الجوية في تلك الفترة، وأهميتها في حركة الاتصال بين عُمان والخارج.
فقد أشار عبد الرحمن بن سنجك في رسالته إلى وصول مهندسين من لندن إلى مصيرة، موضحًا أن مهمتهم تتصل بـتوسعة المطار وتخطيط المحطة، وتكتسب هذه الإشارة أهمية خاصة؛ إذ تقدم شهادة معاصرة على أعمال التطوير التي كانت تشهدها مرافق الطيران في جزيرة مصيرة في عام 1958م، في وقت أخذت فيه الجزيرة تكتسب أهمية متزايدة بحكم موقعها الإستراتيجي في بحر العرب.
ويكشف الخبر كذلك أن أعمال التطوير لم تكن مقتصرة على تحسينات محدودة، وإنما شملت -وفق تعبير الرسالة- توسعة المطار وتخطيط المحطة، وهو ما يستدعي البحث بصورة أوسع في طبيعة هذه المشروعات، والجهات التي تولت تنفيذها، وما إذا كانت مرتبطة بتطور استخدام القاعدة الجوية في مصيرة خلال تلك المرحلة.
وتحمل الرسالة خبرًا آخر يرتبط بحركة الطيران عبر الجزيرة، إذ يذكر الوالي مرور القنصل البريطاني برفقة مجموعة من الضباط، وكان مقصدهم مقابلة السلطان سعيد بن تيمور في ظفار، حيث واصلوا رحلتهم بالطائرة انطلاقًا من قاعدة مصيرة.
وتضيف هذه المعلومة بُعدًا آخر إلى أهمية الجزيرة؛ إذ تظهر مصيرة بوصفها محطة عبور واتصال جوي بين المسؤولين البريطانيين والسلطان سعيد بن تيمور في ظفار، وتوضح الدور الذي أدته قاعدتها الجوية في تسهيل الانتقال إلى جنوب عُمان في مرحلة كانت فيها وسائل النقل والاتصال الداخلي محدودة قياسًا بالسنوات اللاحقة.

خمسة أخبار في وثيقة واحدة
تكمن قيمة هذه الرسالة في أنها لا توثق حدثًا واحدًا فحسب، وإنما تجمع في ورقة واحدة خمسة أخبار متباينة: اصطدام سفينتين بالقرب من مصيرة، ومأساة تحطم سفينة شراعية في بحر الجازر، وانتقال جوادر من السيادة العُمانية، وتوسعة مطار مصيرة، وحركة الطيران إلى ظفار.
وهذا التنوع يجعلها نموذجًا لما يمكن أن تقدمه المراسلات الخاصة من مادة تاريخية تتجاوز الغرض الذي كُتبت من أجله؛ فهي تكشف طريقة انتقال الأخبار، والموضوعات التي كانت تحظى بالاهتمام، وصلات الولايات الساحلية بما يجري في البحار المحيطة بها، إلى جانب تفاعل الناس والمسؤولين المحليين مع التطورات السياسية الكبرى.
كما تبرز الرسالة أهمية موقع مصيرة في شبكة الملاحة ببحر العرب؛ فالأخبار الواردة فيها مرتبطة بالبحر بصورة مباشرة، سواء من خلال الحادث الذي وقع بالقرب من الجزيرة، أو الناجين من حادثة بحر الجازر، في وقت كانت فيه السفن التجارية وناقلات النفط والسفن الشراعية التقليدية تتقاطع في مسارات بحرية واحدة.
الوثيقة ذاكرة للخبر
بعد ما يقارب سبعة عقود على كتابة هذه الرسالة، لم تعد أخبارها مجرد معلومات بعث بها والي مصيرة إلى شخص في مدينة صور، بل أصبحت شاهدًا على أيام من سبتمبر 1958م اجتمع فيها البحر والمأساة والسياسة في ورقة واحدة.
وهي في الوقت نفسه تكشف جانبًا من أهمية أرشيف الشيخ علي بن عيسى الزدجالي؛ فاحتفاظه بمثل هذه المراسلات أتاح بقاء أخبار وتفاصيل صغيرة ربما غابت عن الذاكرة العامة، لكنها اليوم تساعد الباحث على إعادة تركيب صورة الحياة في عُمان وصلاتها بمحيطها البحري والإقليمي.
وهكذا تتحول رسالة عابرة بعث بها والي مصيرة في 29 سبتمبر 1958م إلى وثيقة لها تاريخ؛ تاريخ لسفن اصطدمت وغرقت، وناجين حملهم البحر إلى بر الأمان، وفرنسي انتهت رحلته ودفن في مصيرة، وحدث سياسي كبير اختصره كاتب الرسالة في كلمات قليلة: جوادر و“المسألة السياسية“.

صورة أرشيفية لعلي بن عيسى الزدجالي





