إعداد: د. محمد بن حمد العريمي
في السابع والعشرين من سبتمبر عام 1977م، كانت بلدة رخيوت الواقعة في أقصى غرب ظفار على موعد مع حدث لم يكن عاديًا في تاريخها؛ ففي ذلك اليوم افتُتح المبنى الجديد لمدرسة رخيوت الابتدائية، في بلدة كانت قبل سنوات قليلة فقط قد خرجت من أتون الحرب، بعد أن تعرضت للدمار وتشرد عدد من أهلها، ثم عادت إليها الحياة شيئًا فشيئًا.

لم يكن إنشاء المدرسة في رخيوت مجرد مشروع تعليمي جديد ضمن المشروعات التي شهدتها سلطنة عُمان في سبعينيات القرن العشرين، بل يمكن النظر إليه بوصفه واحدًا من الشواهد المبكرة على الانتقال من الحرب إلى التنمية، ومن إعادة إعمار المكان إلى بناء الإنسان.
وكان على المشروع منذ البداية أن يواجه تحديين كبيرين؛ أولهما الطبيعة الجغرافية الصعبة لبلدة تحتضنها الجبال ولا تترك لها سوى مساحات محدودة للبناء، وثانيهما واقع سياسي واجتماعي شديد التعقيد خلّفته سنوات الحرب في المنطقة.

رخيوت قبل المدرسة.. آثار حرب وعودة للحياة
يصعب قراءة قصة مدرسة رخيوت بعيدًا عن التاريخ القريب للبلدة في السنوات التي سبقت إنشاءها، فقد كانت المنطقة الغربية من ظفار من أبرز ميادين العمليات العسكرية خلال حرب ظفار، وكانت رخيوت بحكم موقعها الجغرافي إحدى البلدات التي تأثرت بتلك الأحداث، وتعرضت للدمار. كما اضطر عدد من أهلها إلى مغادرتها والتفرق خارجها.
ومع التحولات العسكرية التي شهدتها المنطقة خلال النصف الأول من سبعينيات القرن العشرين، دخلت رخيوت مرحلة جديدة، وبدأت الجهود لإعادة الحياة إليها وتهيئة الظروف لعودة سكانها.
ومن هنا فإن إنشاء مدرسة حديثة فيها بعد سنوات قليلة فقط من تلك الأحداث يحمل دلالة تتجاوز الوظيفة التعليمية للمبنى؛ إذ كان يعني أن الأولوية لم تعد مقتصرة على تثبيت الأمن وإعادة الأهالي وترميم ما دمرته الحرب، وإنما امتدت إلى تأسيس مقومات مجتمع مستقر يستطيع أبناؤه أن يتعلموا ويبنوا مستقبلًا مختلفًا.
الجبل يفرض التحدي
لكن بناء المدرسة اصطدم بعائق آخر فرضته طبيعة رخيوت نفسها، فالبلدة تقع في نطاق جغرافي شديد الخصوصية، تحيط بها المرتفعات الجبلية، بينما تضيق المساحات المنبسطة الصالحة للتوسع العمراني، ولذلك لم يكن اختيار موقع المدرسة قرارًا مكتبيًا أو هندسيًا بسيطًا، وإنما استلزم معاينة الأرض والبحث ميدانيًا عن بقعة يمكن أن تستوعب المشروع.
وتقدم مذكرات الأستاذ عبد القادر بن سالم الغساني، مدير التربية والتعليم في المنطقة الجنوبية آنذاك، شهادة مهمة تكشف لنا تفاصيل تلك المرحلة، ففي يوم الاثنين 17 يناير 1977م توجه الغساني إلى رخيوت برفقة داود، مندوب إحدى الشركات التابعة للمستشار عمر الزواوي، وكانت المهمة محددة: البحث عن أنسب موقع لإقامة المدرسة الجديدة.
ويتذكر الغساني تلك المهمة بقوله: ”ذهبت يوم الاثنين 17 يناير إلى رخيوت مع مندوب شركة رويال الخاصة بمستشار جلالة السلطان، عمر الزواوي، ويدعى المندوب داود لمشاهدة واختيار أنسب موقع لبناء مدرسة هناك“.
لم يكن الاختيار سهلًا، فقد استدعى الأمر استطلاع مواقع البلدة وموازنة الإمكانات المتاحة، حتى استقر الرأي على مساحة تقع في الجهة الغربية باتجاه الجبل.
وهذه الإشارة القصيرة في مذكرات الغساني تختصر جانبًا مهمًا من تحدي المشروع؛ فالموقع لم يُحدد سلفًا، وإنما جرى البحث عنه بين تضاريس رخيوت حتى عُثر على المساحة التي يمكن أن تستوعب المدرسة.
الزواوي يعاين الموقع بنفسه
لكن الأمر لم ينته عند تلك الزيارة؛ ففي مساء اليوم نفسه تلقى مدير التربية والتعليم اتصالًا من معالي وزير الدولة يخبره بأن المستشار عمر الزواوي يرغب في الذهاب بنفسه إلى رخيوت لمعاينة الموقع والتأكد من عدم وجود عوائق تحول دون إقامة المشروع، ورغم إبلاغه بأن الموقع قد جرت معاينته واختياره في ذلك اليوم، أصر الزواوي على الوقوف عليه ميدانيًا.
وفي اليوم التالي، انطلقت عند الساعة الحادية عشرة والنصف صباحًا طائرة من طراز ديفندر باتجاه رخيوت، وكان على متنها عمر الزواوي، والمستر روب مدير الخدمات المدنية بمكتب وزير الدولة ووالي ظفار، وعبدالقادر الغساني، وشخص بريطاني آخر يعمل في مجال العلاقات المالية.
وبعد الوصول، زار الوفد مكتب نائب الوالي الشيخ سعيد بن علي السعدوني والتقى بعدد من المواطنين، ثم اتجه لمعاينة المدرسة والموقع المقترح، قبل أن يقوم بجولة في رخيوت، وفي النهاية وقع الاختيار بصورة نهائية على الموقع نفسه الذي اختاره الغساني في اليوم السابق، ثم غادر الوفد رخيوت في نحو الساعة الواحدة وخمس وأربعين دقيقة ظهرًا على متن طائرة من طراز ”سكايفن“.
قصة موقع تختصر حجم التحدي
قد تبدو هذه التفاصيل الإدارية للوهلة الأولى بسيطة، لكنها عند وضعها في سياق زمانها ومكانها تكتسب أهمية كبيرة، فزيارة الموقع مرتين خلال يومين، وانتقال كبار المسؤولين بالطائرات الصغيرة لمعاينته، والحرص على التأكد من عدم وجود عراقيل أمام البناء؛ كلها تفاصيل تكشف مقدار الاهتمام بإنجاز المشروع، كما تعكس الظروف الجغرافية واللوجستية التي كانت تحيط بالعمل في رخيوت آنذاك.
ففي منطقة جبلية بعيدة خرجت حديثًا من ظروف سياسية وعسكرية استثنائية، كان إنشاء المدرسة يبدأ أولًا بالسؤال: أين يمكن أن نجد لها مكانًا؟
وكانت الإجابة في تلك المساحة الضيقة الواقعة باتجاه الجبل، وهكذا بدأ المشروع بتحدي الطبيعة قبل أن يتحول المكان المختار إلى مدرسة تستقبل أجيالًا متعاقبة من أبناء رخيوت.
27 سبتمبر 1977.. يوم الافتتاح
بعد إنجاز المشروع، جاء اليوم المنتظر، ففي 27 سبتمبر 1977م افتُتح المبنى الجديد لمدرسة رخيوت الابتدائية، ضمن المشروعات التعليمية التي نُفذت في إطار خطة التنمية في المنطقة الجنوبية، وهو الاسم الذي كانت تُعرف به محافظة ظفار في ذلك الوقت.
وأقيم حفل الافتتاح تحت رعاية معالي أحمد بن عبدالله الغزالي، وزير التربية والتعليم آنذاك، الذي توجه إلى رخيوت يرافقه الأستاذ يحيى بن محفوظ المنذري، وكيل الشؤون المالية والإدارية بمكتب وزير الدولة ووالي ظفار، إلى جانب مدير عام شؤون المرافق التعليمية، ومدير التربية والتعليم بالمنطقة الجنوبية، ومدير العلاقات العامة بوزارة التربية والتعليم.
ووصل الوفد إلى رخيوت في نحو الساعة العاشرة صباحًا، حيث كان في استقباله الشيخ سعيد بن علي السعدوني، نائب والي ظفار في رخيوت، والشيخ عبدالله بن عوض السعدوني وعدد من وجهاء البلدة.
وكان المشهد يحمل في ذاته دلالة اجتماعية مهمة؛ إذ اجتمع المسؤولون وأهالي رخيوت في مناسبة لا ترتبط بالحرب أو العمليات العسكرية التي عرفتها المنطقة قبل سنوات قليلة، وإنما بمشروع للتعليم والمستقبل.

إزاحة الستار عن اللوحة التذكارية
بدأت مراسم الافتتاح بإزاحة معالي أحمد بن عبدالله الغزالي الستار عن اللوحة التذكارية لإنشاء المدرسة، إيذانًا بافتتاح المبنى رسميًا، بعد ذلك قام الوزير ومرافقوه بجولة داخل المدرسة، اطلعوا خلالها على مرافقها وما وفرته من إمكانات تعليمية لخدمة أبناء رخيوت.
ولعل الصور التي بقيت من تلك المرحلة تقدم جانبًا آخر من المشهد لا تستطيع الأخبار المكتوبة وحدها نقله؛ إذ يظهر أبناء المنطقة مصطفين لاستقبال الزائرين. كما يظهر الطلاب في ساحة المدرسة وأمام سارية العلم، بينما ترتفع خلفهم جبال رخيوت.
وبعد انتهاء زيارة المدرسة قام الوزير ومرافقوه بجولة استطلاعية بالطائرة في المنطقة، ونزلوا خلالها في قاعدة صرفيت العسكرية.
وتحمل هذه المحطة الأخيرة دلالة رمزية لافتة عند قراءتها اليوم؛ ففي رحلة واحدة اجتمع مبنى المدرسة وقاعدة صرفيت العسكرية، وكأن تفاصيل ذلك اليوم تختصر المرحلة الانتقالية التي كانت تعيشها المنطقة الغربية من ظفار: من موقع ارتبط بسنوات الحرب إلى مؤسسة تؤسس لجيل جديد.

البدايات الأولى للتعليم في رخيوت
لم يكن المبنى الجديد الذي افتُتح في سبتمبر 1977م بداية التعليم النظامي في رخيوت، فقد سبقته تجربة تعليمية متواضعة في إمكاناتها، لكنها شكلت النواة الأولى للمدرسة، ومهدت للمرحلة التي أعقبتها، ويروي الأستاذ ناصر بن محمد السعدوني، وهو أحد المعلمين الذين عاصروا نشأة المدرسة وعملوا فيها، أن الدراسة كانت قبل إنشاء المبنى الحديث تتم في منزل أحد المواطنين جرى استخدامه مقرًا للمدرسة، ولم يكن يضم سوى فصلين دراسيين، في صورة تعكس بساطة الإمكانات المتاحة في تلك المرحلة والحرص في الوقت نفسه على بدء التعليم وعدم انتظار اكتمال المباني الحديثة.
ويذكر السعدوني أن الهيئة التدريسية في تلك البداية كانت تتكون من معلمين اثنين فقط؛ هما الأستاذ محمد عبد اللطيف، مصري الجنسية، والأستاذ ناصر بن محمد السعدوني نفسه، الذي كان قد تلقى جانبًا من تعليمه في اليمن، ثم واصل تأهيله التربوي فالتحق بمعهد المعلمين ضمن أول دفعة به في عام 1976 وهو على رأس عمله، وفي مرحلة لاحقة تولى إدارة المدرسة الأستاذ أحمد توفيق، فلسطيني الجنسية، وهو ما يعكس طبيعة البدايات الأولى للتعليم النظامي في المنطقة، التي قامت على مشاركة الكوادر العُمانية إلى جانب عدد من المعلمين العرب.

ويستعيد الأستاذ ناصر السعدوني كذلك الأجواء الاجتماعية التي رافقت الانتقال إلى المدرسة الجديدة، مؤكدًا أن الأهالي والطلاب استقبلوا افتتاحها بفرح كبير؛ فلم يكن المبنى بالنسبة إليهم مجرد فصول ومرافق جديدة، وإنما كان يمثل استقرار التعليم وترسخه في رخيوت بعد مرحلة البداية البسيطة، وتزداد أهمية المدرسة، وفق روايته، من كونها مثّلت لبنة أساسية للتعليم في المنطقة الغربية من ظفار آنذاك، فلم يقتصر أثرها على سنوات التأسيس، وإنما امتد عبر أجيال متعاقبة من الطلاب.

وبعد عقود من تلك البداية التي انطلقت من بيت متواضع بفصلين ومعلمين اثنين، ظهرت ثمار التجربة في أبناء المدرسة أنفسهم؛ إذ يشير السعدوني إلى أن عددًا كبيرًا من خريجيها واصلوا تعليمهم وأصبحوا لاحقًا أطباء ومهندسين ومعلمين وغيرهم من الكفاءات، وهكذا تبدو المسافة بين الفصلين الصغيرين في بيت أحد المواطنين والمبنى الجديد الذي افتُتح عام 1977م جزءًا من قصة أوسع لتحول رخيوت نفسها؛ فكما انتقلت البلدة خلال سنوات قليلة من آثار الحرب والدمار إلى البناء والاستقرار، انتقل تعليم أبنائها من الإمكانات المحدودة إلى مؤسسة تعليمية أسهمت في صناعة أجيالها اللاحقة.
مدرسة بين الجبال
تكشف الصور القديمة للمدرسة بوضوح طبيعة البيئة التي أقيمت فيها، فالطلاب يصطفون في الساحة، ومن خلفهم ترتفع الكتل الجبلية الكبيرة التي تكاد تلامس حدود المكان. وما يظهر في الصورة يفسر ما ورد في مذكرات الأستاذ عبد القادر الغساني عن رحلة البحث عن موقع مناسب للبناء. لقد كانت المدرسة، بالمعنى الحرفي تقريبًا، مساحة للتعليم اقتُطعت من بين الجبال.

وإذا كانت المدارس في المدن والسهول تجد مجالًا أوسع للامتداد، فإن مدرسة رخيوت نشأت في بيئة فرضت عليها حدودها الطبيعية منذ البداية، ومع ذلك أصبح الموقع الذي استدعى رحلات المعاينة والبحث مقرًا لمؤسسة تعليمية استمرت عقودًا.
التحدي الأكبر.. بناء مدرسة في مدينة خرجت من الحرب
غير أن قصة الموقع ليست سوى نصف الحكاية، فالتحدي الأعمق كان أن المدرسة أقيمت في مجتمع كان ما يزال يتجاوز الآثار السياسية والاجتماعية والإنسانية للحرب.
وقبل سنوات قليلة من افتتاحها كانت الأولويات في رخيوت مختلفة تمامًا: الأمن، وعودة السكان، وتأمين الغذاء، وإعادة بناء المساكن والمرافق، واستعادة انتظام الحياة اليومية، ثم جاء التعليم سريعًا ضمن عملية إعادة البناء.
وهنا تكمن الأهمية التاريخية لمدرسة رخيوت؛ فإعادة إعمار مدينة تعرضت للدمار لا تكتمل بإعادة بناء منازلها وحدها. فالبيت يعيد الأسرة إلى مكانها، لكن المدرسة تعيد للمجتمع قدرته على الاستمرار. وكان افتتاح المدرسة دليلًا على أن رخيوت لم تكن تعود إلى ما كانت عليه قبل الحرب فحسب، وإنما كانت تدخل مرحلة جديدة.

من جيل الحرب إلى جيل المدرسة
لعل أكثر ما يمنح الصور التاريخية لمدرسة رخيوت قيمتها اليوم هم أولئك الأطفال الذين يظهرون فيها، فخلف كل طالب وقف في طابور المدرسة كانت هناك أسرة عاشت بصورة أو بأخرى التحولات الصعبة التي مرت بها المنطقة، وبعض هؤلاء الأطفال ولد في سنوات الحرب، وبعضهم عاش سنواته الأولى في ظلها، ثم وجد نفسه بعد فترة قصيرة يحمل كتبه ويتوجه إلى مدرسة جديدة.
إنها مفارقة تاريخية تختصر التحول الذي شهدته رخيوت في سنوات قليلة: جيل شهد آباؤه الحرب وتداعياتها، أصبح أبناؤه يقفون في طابور الصباح أمام سارية العلم.
ولذلك فإن افتتاح مدرسة رخيوت لا يمكن اختزاله في تاريخ إنشاء مبنى، أو في عدد الفصول والطلاب، بل ينبغي وضعه ضمن مسيرة التحول الاجتماعي التي عاشتها المنطقة الغربية من ظفار في النصف الثاني من سبعينيات القرن العشرين.

الشيخ سعيد السعدوني والمدرسة
برز في تلك المرحلة دور الشيخ سعيد بن علي السعدوني، نائب والي رخيوت آنذاك، الذي ارتبط اسمه بعدد من الجهود الإدارية والاجتماعية المصاحبة لإعادة الاستقرار إلى المدينة، فقد كان من ضمن الفريق المكلّف باختيار موقع المدرسة وكان له دورٌ مهم في ذلك بسبب معرفته الواسعة بطبيعة المنطقة.
ويتذكر الشيخ سعيد يوم افتتاح المدرسة بقوله: ”اشتركت في اختيار الموقع، وكان في الافتتاح أحمد الغزالي، وعبدالقادر الغساني، والشيخ عبدالله السعدوني، ويحيى بن محفوظ المنذري، وقد حضروا عن طريق الطائرة لعدم وجود طرق برية، وقمت بتوثيق الحفل من خلال الصور“.
ويشير الشيخ سعيد إلى أن الوصول إلى رخيوت في تلك الفترة لم يكن يسيرًا بسبب عدم وجود طريق بري يصل إليها، وهو ما جعل الطائرة وسيلة أساسية لتنقل المسؤولين والوفود الحكومية، ويكشف في الوقت ذاته حجم التحديات التي أحاطت بتنفيذ المشروعات التنموية في المنطقة الغربية من ظفار.
ولم تنته علاقة الشيخ سعيد بالمدرسة عند افتتاحها؛ إذ تشير المعلومات المتوافرة إلى اهتمامه بأنشطتها وحرصه على دعمها، وكان يدعو في بعض الأحيان أعضاء الهيئة الإدارية والطلاب إلى منزله لعرض مواد مرئية ذات مضامين تاريخية وتوعوية. كما شارك في رعاية احتفالات المدرسة، ووثّق بكاميرته عددًا من أنشطتها.

مدرسة خرّجت أجيالًا
مضت السنوات، وأدت المدرسة الدور الذي أنشئت من أجله، وتعاقبت عليها أجيال من أبناء رخيوت، وانتقل خريجوها إلى مراحل تعليمية أعلى، ثم إلى مجالات العمل المختلفة، وأصبح بعض أولئك الأطفال الذين وقفوا في ساحتها في سنواتها الأولى جزءًا من الكفاءات التي أسهمت في خدمة مجتمعهم ووطنهم.

وتغيرت المدرسة وتطورت مرافقها ومراحلها التعليمية، وأصبحت اليوم تحمل اسم مدرسة رخيوت للتعليم الأساسي، لكن ذاكرة المبنى الأول تبقى مرتبطة بمرحلة تأسيسية مهمة من تاريخ البلدة.

عندما انتصرت إرادة البناء
بعد قرابة نصف قرن، تبدو قصة مدرسة رخيوت أكبر من قصة مؤسسة تعليمية، فقد كان أمام إنشائها جبل ينبغي العثور بين تضاريسه على مساحة للبناء، وماضٍ قريب من الحرب ينبغي تجاوزه، ومدينة تحتاج إلى إعادة إعمار، وأسر عائدة تبحث عن الاستقرار، وأطفال ينتظرون مقاعدهم الدراسية.
وفي يناير 1977 خرج المسؤولون يبحثون بين تضاريس رخيوت عن موضع للمدرسة، وفي 27 سبتمبر 1977م وقف وزير التربية والتعليم أمام المبنى ليزيح الستار عن لوحته التذكارية. وبين المشهدين كانت هناك قصة بناء.
أما المسافة الأهم، فلم تكن بين صلالة ورخيوت، ولا بين الجبل والبحر، وإنما كانت المسافة التي قطعتها البلدة في سنوات قليلة من الدمار والتشرد إلى الطابور المدرسي والفصل والكتاب.
وهنا ربما تكمن أجمل دلالات مدرسة رخيوت التاريخية؛ فقد أثبتت أن الإنسان يستطيع أن يجد للعلم مكانًا حتى عندما تضيق به الجبال، وأن المدينة التي هدمتها الحرب تستطيع أن تعود أقوى حين تبدأ إعادة بنائها من الإنسان.
وهكذا، لم تكن المدرسة التي افتُتحت في رخيوت صباح 27 سبتمبر 1977م مجرد مبنى جديد بين الجبال، بل كانت واحدة من العلامات التي أعلنت أن زمنًا قد انقضى، وأن زمن المدرسة قد بدأ.
المراجع
- مقيبل، سالم بن عقيل. الأستاذ عبدالقادر بن سالم الغساني مقتطفات من يومياته، مكتب دار الكتاب العامة، صلالة، سلطنة عمان، 2018.
- الشيخ سعيد بن علي السعدوني. مقابلة شخصية، الثلاثاء، 3 سبتمبر 2024، عوقد، صلالة، سلطنة عمان.
- جريدة عمان. عدد 4 أكتوبر 1977
- الشيخ سعيد بن علي السعدوني عكعاك. مقابلة شخصية، عوقد، صلالة، السبت 5 سبتمبر 2026.
- الأستاذ ناصر بن محمد السعدوني عكعاك، مقابلة شخصية، عوقد، صلالة، السبت 5 سبتمبر 2026.
* الصور من أرشيف الشيخ سعيد بن علي السعدوني






