تفاصيل حدث تربوي كبير في السابع من أكتوبر من عام 1978م

جمع المؤتمر التربوي في مسقط مسؤولين وخبراء من داخل السلطنة وخارجها لبحث فلسفة المناهج العُمانية وربط التعليم بالهوية والمجتمع ومتطلبات العصر.

عن الكاتب

د.محمد بن حمد العريمي
د.محمد بن حمد العريمي

باحث ومختص في التاريخ العماني

تفاصيل حدث تربوي كبير في السابع من أكتوبر من عام 1978م
تفاصيل حدث تربوي
أثير- د. محمد بن حمد العريمي
في مرحلة كانت فيها سلطنة عُمان تمضي بخطوات متسارعة لبناء منظومتها التعليمية الحديثة، شهدت العاصمة مسقط في السابع من أكتوبر عام 1978م حدثًا تربويًا لافتًا تمثل في انعقاد المؤتمر التربوي للتعريف بالمناهج العُمانية، الذي جمع نخبة من المسؤولين والخبراء والمتخصصين في التربية والمناهج من داخل السلطنة وخارجها، لعرض تجربة المناهج العُمانية الجديدة ومناقشة أسسها وأهدافها وسبل تطويرها.
وانعقد المؤتمر خلال الفترة من 7 إلى 12 أكتوبر 1978م، وافتتح تحت رعاية صاحب السمو السيد ثويني بن شهاب الممثل الخاص للسلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- آنذاك، وسط حضور رسمي وتربوي واسع؛ ليشكّل واحدًا من المؤتمرات المتخصصة المبكرة التي عُقدت في السلطنة لمناقشة قضية المناهج والتعليم، في وقت لم يكن قد مضى فيه سوى سنوات قليلة على الانطلاقة الواسعة للتعليم الحديث بسلطنة عمان.
جريدة عمان. الثلاثاء 10 أكتوبر 1978م

مؤتمر للتعريف بالتجربة العُمانية

جاء المؤتمر في سياق التحولات الكبيرة التي شهدها قطاع التعليم خلال سبعينيات القرن العشرين؛ فلم يعد التحدي مقتصرًا على نشر المدارس وزيادة أعداد الطلبة والمعلمين، وإنما امتد إلى بناء مناهج عُمانية تتناسب مع احتياجات المجتمع وتطلعاته، وتحافظ في الوقت نفسه على هويته وثقافته وقيمه.
وتشير التغطيات المنشورة آنذاك إلى أن المؤتمر استهدف التعريف بالمناهج العُمانية الجديدة، وشرح فلسفتها وخصائصها، وفتح المجال أمام الخبراء والمختصين لمناقشتها وتبادل الآراء حولها، إلى جانب الاستفادة من التجارب العربية والدولية في مجال إعداد المناهج والكتب المدرسية.
وقد حظي الحدث باهتمام خاص؛ إذ أفردت له صحيفة “عُمان” ملحقًا خاصًا بمناسبة افتتاحه، وتابعت جلساته ومناقشاته والفعاليات المصاحبة له.
مجلة النهضة. عدد (94)، 15 أكتوبر 1978

ثويني بن شهاب يفتتح المؤتمر

في الجلسة الافتتاحية، نقل صاحب السمو السيد ثويني بن شهاب إلى المشاركين تحيات السلطان قابوس وتمنياته للمؤتمر بالنجاح، مؤكدًا أهمية اللقاء بالنسبة لمسيرة التعليم في سلطنة عمان.
وتضمنت كلمته إشارات إلى التحولات التي شهدها التعليم، وإلى التوجه نحو إقامة نظام تربوي جديد يواكب حاجات المجتمع العُماني، مع المحافظة على الشخصية الوطنية ومقوماتها.
كما أشار إلى أهمية المناهج بوصفها جزءًا أساسيًا من العملية التعليمية، وأن تطوير التعليم لا يقتصر على التوسع في إنشاء المدارس، وإنما يتطلب بناء محتوى تربوي قادر على إعداد الأجيال للتعامل مع متطلبات الحياة الحديثة.

المناهج والهوية العُمانية

من أبرز القضايا التي حضرت في كلمات المؤتمر ومناقشاته التأكيد على أن المناهج الجديدة ينبغي أن تستند إلى الخصائص التاريخية والحضارية للمجتمع العُماني، وأن تجمع بين الأصالة ومتطلبات العصر.
وفي كلمة وزير التربية والتعليم آنذاك أحمد بن عبدالله الغزالي أكد أن المناهج العُمانية قامت على أساس متين من المبادئ، وأنها جاءت لتواكب مرحلة بناء الدولة الحديثة، مع الاهتمام باللغة العربية والتربية الإسلامية، وربط المتعلم بمجتمعه وبيئته وتاريخه.
وأكدت الكلمات المصاحبة للمؤتمر أهمية ألا يكون المنهج مجرد كتاب مدرسي أو مجموعة من المعلومات، بل منظومة متكاملة تشمل الأهداف والمحتوى وطرائق التدريس وأساليب التقويم والأنشطة التعليمية.
كما تناولت المناقشات ضرورة أن تساعد المناهج الطالب على التفكير والمناقشة والاستنتاج والاكتشاف، بدلًا من الاقتصار على الحفظ والتلقين، وهي قضية تربوية كانت تمثل آنذاك أحد الاتجاهات الحديثة في تطوير المناهج.

أهداف متعددة للمؤتمر

حدد المؤتمر مجموعة من الأهداف التي تكشف عن طبيعة الاهتمام التربوي في تلك المرحلة، وكان في مقدمتها التعريف بالمناهج العُمانية الجديدة وفلسفتها، وبيان الأسس والاتجاهات العامة التي قامت عليها، ومناقشة محتواها ومدى ارتباطه بالبيئة والمجتمع.
كما استهدف اللقاء تمكين المشاركين من التعرف إلى الكتب المدرسية الجديدة، وتبادل الخبرات بشأن طرق إعدادها وتأليفها واستخدامها، إلى جانب مناقشة أساليب تدريس المواد المختلفة وطرق تقويم العملية التعليمية.
واهتم المؤتمر كذلك بتطوير قدرة المعلم على التعامل مع المنهج الحديث؛ انطلاقًا من أن نجاح أي منهج لا يتوقف على جودة الكتاب المدرسي وحده، وإنما يعتمد بدرجة كبيرة على قدرة المعلم على فهم فلسفته وتحويل أهدافه إلى ممارسة داخل الفصل.
جريدة عمان. الثلاثاء 10 أكتوبر 1978م

مشاركة عربية ودولية

لم يقتصر المؤتمر على المختصين العُمانيين، بل شهد مشاركة عدد من الخبراء والمسؤولين التربويين العرب، إلى جانب ممثلين عن مؤسسات ومنظمات تربوية.
وتكشف التغطيات الخاصة بالمؤتمر وقتها عن مشاركة ممثلين وخبراء من جهات بينها مكتب التربية العربي لدول الخليج والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، فضلًا عن متخصصين في المناهج والتعليم من عدد من الدول العربية.
وقد أتاح هذا الحضور فرصة لعرض التجربة العُمانية أمام متخصصين من خارج السلطنة، والاستماع إلى ملاحظاتهم ومناقشاتهم، والاستفادة من التجارب التربوية القائمة في المنطقة العربية.

مناهج تتجاوز الكتاب المدرسي

كشفت أوراق المؤتمر وكلماته عن مفهوم متقدم نسبيًا للمنهج في تلك المرحلة؛ إذ لم يُنظر إليه باعتباره كتابًا يحفظه الطالب ويختبر فيه، وإنما بوصفه تجربة تعليمية متكاملة.
وتناولت المناقشات أهمية ربط التعليم بالحياة والمجتمع، ومراعاة الفروق الفردية بين الطلبة، وتحديث أساليب التعليم، وتدريب المعلمين على استخدام المناهج الجديدة، فضلًا عن الاهتمام بالتقويم المستمر للعملية التعليمية.
كما حضرت قضية البيئة المحلية بقوة؛ إذ كان من أهداف المناهج أن يجد الطالب العُماني نفسه ومجتمعه وتاريخه وواقعه في المادة التي يدرسها، بدل الاعتماد الكامل على مناهج أعدت لبيئات مختلفة.
جريدة عمان. الثلاثاء 10 أكتوبر 1978

معرض للكتاب المدرسي

رافق المؤتمر معرض للكتاب المدرسي افتتحه صاحب السمو السيد ثويني بن شهاب، وشكّل جانبًا عمليًا من فعاليات اللقاء، حيث أتاح للمشاركين الاطلاع على نماذج الكتب والمناهج التي كانت السلطنة تعمل على تطويرها.
وقام السيد ثويني بن شهاب بتفقّد الكتب والوسائل المعروضة، برفقة عدد من المسؤولين والمختصين، في مشهد يوثق جانبًا من الجهود المبكرة الرامية إلى بناء محتوى تعليمي عُماني يتناسب مع التوسع الكبير الذي كانت تشهده المدارس.

التعليم وبناء الإنسان

من اللافت في خطاب المؤتمر أن قضية المناهج ارتبطت بمفهوم أوسع هو بناء الإنسان العُماني، فالتوسع الكمي في المدارس كان قد حقق خطوات واسعة خلال السنوات الأولى من النهضة، لكن المرحلة التالية تطلبت تعزيز الجانب النوعي: ماذا يتعلم الطالب؟ وكيف يتعلم؟ وما القيم والمعارف والمهارات التي ينبغي أن يخرج بها من المدرسة؟
ومن هنا جاءت الدعوة إلى منهج يجمع بين العلوم الحديثة والقيم الدينية والوطنية، ويعزز الانتماء، وفي الوقت نفسه ينمي قدرات الطالب على التفكير والفهم والتعامل مع المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية.
ويعكس ذلك انتقال الاهتمام التعليمي تدريجيًا من مواجهة مشكلة محدودية فرص التعليم إلى التفكير في جودة التعليم ومضمونه وفاعليته.

إشادة بالتجربة العُمانية

أظهرت كلمات عدد من المشاركين تقديرًا للجهد المبذول في بناء المناهج الجديدة خلال فترة زمنية قصيرة، ولا سيما في ظل الظروف التي صاحبت البداية الحديثة للتعليم في سلطنة عمان.
وكتب الأستاذ طالب بن سعيد المعولي في “النهضة” مقالًا ختاميًا تحت عنوان “المناهج العُمانية.. وهذا الإنجاز الكبير” مشيرًا إلى أن المؤتمر أتاح التعرف عن قرب إلى المناهج العُمانية، ورأى فيها تجربة تسعى إلى تحقيق التكامل بين المواد، وترسيخ القيم الدينية والاجتماعية، مع الاهتمام بالعلوم وأساليب التعليم الحديثة.
كما أشار إلى ما اتسمت به المناهج من مرونة وقابلية للتطوير والتجديد، وهي مسألة كانت ضرورية في دولة تشهد تحولات اجتماعية وتنموية سريعة.
مجلة النهضة. العدد (94)، 15 أكتوبر 1978

ستة أيام من النقاش التربوي

على مدى الفترة من 7 إلى 12 أكتوبر 1978م تحولت مسقط إلى ملتقى تربوي للنقاش حول المناهج والكتب المدرسية والتعليم وطرائق التدريس وإعداد المعلم، بمشاركة مسؤولين وخبراء ومختصين.
ولم يكن المؤتمر مجرد مناسبة للتعريف بمجموعة من الكتب الجديدة، بل جاء ليطرح أسئلة أوسع حول طبيعة التعليم الذي تحتاج إليه السلطنة، وعلاقة المدرسة بالمجتمع، ودور المناهج في الجمع بين الهوية الوطنية ومتطلبات التنمية الحديثة.
وبالنظر إلى توقيته، فإن المؤتمر يعكس مرحلة مهمة من تاريخ التعليم في سلطنة عُمان؛ فبعد سنوات من التركيز على إتاحة التعليم ونشر المدارس، أخذ الاهتمام يتجه بصورة متزايدة إلى مضمون التعليم ونوعيته وبناء المناهج الوطنية.
وهكذا وثق المؤتمر التربوي للتعريف بالمناهج العُمانية في أكتوبر 1978م جانبًا من مرحلة مبكرة في بناء النظام التعليمي الحديث في السلطنة، حين بدأت الأسئلة تنتقل من كم مدرسة وكم طالبًا؟ إلى أسئلة أكثر عمقًا: ماذا نعلّم؟ وكيف نعلّم؟ وأي إنسان تسعى المدرسة العُمانية إلى إعداده للمستقبل؟

المراجع

  • جريدة عمان. الثلاثاء 10 أكتوبر 1978
  • مجلة النهضة. العدد (94)، 15 أكتوبر 1978

شارك هذا الخبر