“بيت الأمان”: متحفٌ عمره قرن يروي ذاكرة السلاطين العُمانيين

افتُتح «بيت الأمان» متحفًا في زنجبار عام 1925م، ويضم صورًا ومقتنيات للسلاطين العُمانيين وشواهد على الروابط التاريخية والثقافية بين عُمان وزنجبار.

عن الكاتب

د.محمد بن حمد العريمي
د.محمد بن حمد العريمي

باحث ومختص في التاريخ العماني

“بيت الأمان”: متحفٌ عمره قرن يروي ذاكرة السلاطين العُمانيين
بيت الأمان
أثير- د. محمد بن حمد العريمي
على طريق الخور في زنجبار، وفي منطقة “منازي مموجا” (Mnazi Mmoja)، يقف مبنى أبيض تعلوه قبة ضخمة تحيط بها قباب أصغر، ليحمل منذ نحو قرن اسمًا عربيًا ما يزال حاضرًا حتى اليوم: “بيت الأمان”، أو ما يُعرف بـمتحف السلام التذكاري، والذي أصبح اليوم متحف زنجبار للفنون.
ولا تقتصر أهمية المبنى على عمارته اللافتة، بل تتجاوزها إلى ما يحتفظ به من شواهد على تاريخ زنجبار وتحولاتها السياسية والاجتماعية والثقافية، وفي مقدمتها مرحلة السلاطين العُمانيين، إلى جانب مقتنيات ملكية وفنية وتراثية وأدوات ارتبطت بالحياة اليومية لسكان الجزيرة.

مبنى للسلام بعد الحرب العالمية الأولى

تعود فكرة المبنى إلى السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، إذ أُقيم تخليدًا لذكرى الذين فقدوا حياتهم في الحرب، واحتفاءً بالسلام الذي أعقبها، وتكشف اللوحة الرخامية المثبتة داخل المبنى -التي وثقتها “أثير”- أنه أقيم في عام 1920م في عهد الملك جورج الخامس، بواسطة أهالي زنجبار، تكريمًا لمن ضحوا بحياتهم في الحرب الكبرى 1914–1918 وتخليدًا للسلام المنتصر.
إلا أن عملية إنشاء المتحف امتدت عدة سنوات، وشهد التصميم تعديلات أثناء التنفيذ، قبل أن يفتح متحف زنجبار أبوابه رسميًا في 11 نوفمبر 1925م، في عهد السلطان السيد خليفة بن حارب البوسعيدي، وتؤكد الدراسات المتخصصة أن المتحف افتتح في ذلك اليوم، فيما تشير مصادر أخرى إلى أن السلطان خليفة بن حارب هو الذي افتتح المبنى وأطلق عليه اسم “بيت الأمان”.
وهنا يمكن التمييز بين بدء إقامة المبنى سنة 1920م، كما توثقه اللوحة التذكارية الموجودة فيه، وبين افتتاحه متحفًا في سنة 1925م، وهو ما يفسر اختلاف التاريخين اللذين يردان عند الحديث عنه.

سنكلير.. مهندس ترك بصمته في زنجبار

ارتبط تصميم “بيت الأمان” بالمهندس والإداري البريطاني جون هيوستن سنكلير J. H. Sinclair، أحد أبرز من تركوا بصمتهم في العمارة العامة بزنجبار خلال مطلع القرن العشرين، وتشير الدراسات إلى أن سنكلير عمل على تصميم عدد من مباني زنجبار، وأن متحف السلام كان أضخم مشروعاته وأكثرها طموحًا، فيما أدت مشكلات حدثت أثناء الإنشاء إلى إدخال تعديلات على التصميم بمشاركة المهندس الحكومي.
ويبدو المبنى من الخارج ذا شخصية معمارية مختلفة عن كثير من مباني المدينة الحجرية؛ فهو مطلي بالأبيض، وتسيطر عليه قبة مركزية كبيرة تحيط بها قباب أصغر، إلى جانب الأقواس والنوافذ ذات الزخارف الهندسية والزجاج الملون.
وتشير وثائق ودراسات إلى تأثر تصميمه بالعمارة الشرقية والإسلامية، مع مقارنته بمعالم كبرى من بينها آيا صوفيا، حتى إن مظهره دفع بعض سكان زنجبار آنذاك إلى تسميته بالسواحيلية “Msikiti ya Bwana Sinclair”، أي “مسجد السيد سنكلير”، قبل أن يستقر اسم “بيت الأمان”.

“منازي مموجا”.. اسم زنجباري نجده في مطرح

من التفاصيل التي تلفت انتباه الزائر العُماني موقع المتحف في منطقة “منازي مموجا”، وهي عبارة سواحيلية تعني “نارجيلة واحدة” أو “نخلة جوز هند واحدة”.
واللافت أن الاسم نفسه معروف في ولاية مطرح، حيث توجد حارة عُرفت باسم “منازي مموجا” خلف سور اللواتيا، مقابل الباب الصغير وبالقرب من سوق الذهب.
ويفتح تطابق الاسم بابًا مهمًا للبحث في انتقال أسماء الأماكن والمصطلحات بين زنجبار وعُمان نتيجة حركة السكان والتجار والعائلات بين ضفتي المحيط الهندي، وقد يكون الاسم في مطرح واحدًا من الشواهد اللغوية على التأثير الزنجباري والسواحيلي في البيئة العُمانية، وإن كان إثبات مسار انتقال التسمية بصورة قاطعة يحتاج إلى توثيق تاريخي مستقل.

متحف يعود إلى الحياة

مرّ “بيت الأمان” بتحولات متعددة في وظائفه ومقتنياته، وأُغلق لفترة من الزمن. كما انتقل جزء من مجموعاته إلى مواقع أخرى، ومن بينها “بيت العجائب”، ثم أعيد فتح المتحف في مايو 2024م بعروض متجددة تتيح للزائر التعرف بصورة أوسع إلى تاريخ زنجبار وعادات أهلها.
واليوم يحمل الموقع لافتة تعرفه باسم “Peace Memorial Building – Zanzibar Museum of Arts”، فيما بقي “بيت الأمان” حاضرًا في الذاكرة التاريخية للمكان.
وتشير المصادر الزنجبارية إلى أن مجموعاته التاريخية ارتبطت منذ وقت مبكر بتاريخ الجزيرة، بما في ذلك عهد السلاطين العُمانيين والفترة البريطانية، فضلًا عن الآثار والتجارة والمساجد والقصور والحرف التقليدية والعملات والطوابع وغيرها.

مقتنيات السلاطين.. ذاكرة عُمانية داخل المتحف

وفي جولة “أثير” داخل المتحف، تحضر مرحلة السلاطين العُمانيين في عدد من المعروضات والصور والمقتنيات، فتبدو القاعة وكأنها تجمع بين تاريخ زنجبار الاجتماعي وذاكرتها السياسية والملكية.
وتظهر بين المعروضات صور للسلاطين، وأثاث ومقاعد ملكية، وسروج وأدوات مرتبطة بالبلاط، وصناديق خشبية مزخرفة، وأوانٍ خزفية، ومنسوجات وأزياء تقليدية، وآلات وأدوات قديمة، إلى جانب هدايا ومقتنيات تعكس اتساع العلاقات التي ربطت سلطنة زنجبار بالعالم.
ومن القطع اللافتة كرسي خشبي يحمل شعارًا منحوتًا وعبارات بالسواحيلية من بينها “Serikali ya Mapinduzi ya Zanzibar”، أي “حكومة زنجبار الثورية”، في شاهد على طبقة أخرى من تاريخ الجزيرة تلت مرحلة السلطنة.
كما تظهر في القاعات مقاعد ملكية مزخرفة، وصور وشواهد ترتبط بالأسرة الحاكمة، إلى جانب سرج السلطان ورايته، بما يمنح الزائر تصورًا ماديًا عن مظاهر الحياة الرسمية والبلاط السلطاني.

من “الدشاديش” و“الوزرة” إلى الموسيقى السواحيلية

لا يقتصر المتحف على التاريخ السياسي؛ إذ يحتفظ بمجموعة من القطع التي تعكس الحياة الاجتماعية والثقافية لسكان زنجبار، ومنها المنسوجات والملابس التقليدية، بما في ذلك الدشاديش و“الوزرة” و“اللواسي“، إلى جانب الأثاث القديم والقطع الزخرفية التي تعكس أنماط الحياة خلال عصر السلطنة وما بعده.
ويضم كذلك مجموعة من الآلات الموسيقية التقليدية التي ارتبطت بالتعبير الثقافي السواحيلي عبر أجيال، وهو ما يجعل مقتنيات المتحف أقرب إلى سجل بصري ومادي لحياة مجتمع متعدد المؤثرات العربية والإفريقية والهندية.
وفي جانب آخر، تعرض القاعات نماذج من الصناعات والحرف التقليدية، والأواني الفخارية والخزفية، وقطعًا من الأثاث، إضافة إلى أبواب ومنحوتات خشبية تذكّر بفن أبواب زنجبار الشهيرة، التي تتميز بكثافة الزخارف ودلالاتها الاجتماعية والجمالية.

مرساة من ميناء ماليندي

خارج المبنى تستوقف الزائر مرساة حديدية ضخمة وسلسلتها، وتوضح البطاقة التعريفية المرافقة لها أنها مرساة بريطانية تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر أو أوائل القرن العشرين، وكانت تستخدم لتثبيت الصنادل العائمة التي تنقل البضائع من السفن الكبيرة التي لا تستطيع دخول المياه الضحلة.
وتذكر البطاقة أن المرساة عُثر عليها في سنة 1991م أثناء أعمال تعميق المياه في ميناء ماليندي بزنجبار، لتتحول من أداة بحرية إلى شاهد على التاريخ التجاري والملاحي للجزيرة.

ذاكرة للحرف والطباعة والحياة اليومية

من بين المعروضات التي تلفت الانتباه أيضًا آلات وأدوات قديمة تمثل جوانب من التطور التقني والحرفي في زنجبار، ومن بينها آلة كبيرة ذات هيكل خشبي وآليات معدنية، فضلًا عن صناديق وأثاث وأدوات منزلية وعربات نقل قديمة.
ويكشف تنوع هذه القطع عن أن المتحف لا يروي تاريخ الحكام وحدهم، وإنما يحاول تقديم صورة أشمل للمجتمع: حرفُه وصناعاته وملابسه وموسيقاه وتجارته وأثاثه وعلاقاته بالعالم.

بيت يحمل تاريخًا يتجاوز جدرانه

بعد أكثر من مائة عام على بدء تشييده، يبقى “بيت الأمان” واحدًا من المباني التي تختصر طبقات متعددة من تاريخ زنجبار؛ فقد وُلد من ذاكرة الحرب العالمية الأولى، وافتتح في عهد السلطان خليفة بن حارب، وحمل اسمًا عربيًا، ثم عاش تحولات الجزيرة السياسية، قبل أن يستعيد دوره متحفًا يعرض اليوم جوانب من فنونها وتراثها.
وبالنسبة للزائر العُماني، فإن للمكان معنى إضافيًا؛ إذ لا تبدو مقتنياته العُمانية وصور السلاطين والأثاث الملكي مجرد معروضات من زمن مضى، وإنما شواهد على مرحلة تاريخية تشكلت خلالها شبكة كثيفة من العلاقات الإنسانية والثقافية والتجارية بين عُمان وزنجبار.
ومن “بيت الأمان” في “منازي مموجا” الزنجبارية، إلى الاسم نفسه الذي بقي في إحدى حارات مطرح، ومن الأزياء والأثاث إلى السروج والصور والقطع الملكية، تتناثر داخل هذا المبنى وخارجه تفاصيل صغيرة، لكنها حين تجتمع ترسم جانبًا مهمًا من الذاكرة العُمانية–الزنجبارية المشتركة؛ ذاكرة لم يصنعها البحر حاجزًا بين المكانين، بل كان على مدى قرون طريقًا يصل أحدهما بالآخر.

شارك هذا الخبر