من زنجبار إلى مسقط.. حكاية بيت فاطمة بنت علي بن سالم: زوجة سلطان وأم سلطان وجدّة سلطان

يجمع منزل السيدة فاطمة بنت علي بن سالم في المدينة الحجرية بزنجبار بين تاريخ الأسرة البوسعيدية والعمارة السكنية ودور لاحق للمبنى في التعليم، وسط حاجة إلى الترميم.

عن الكاتب

د.محمد بن حمد العريمي
د.محمد بن حمد العريمي

باحث ومختص في التاريخ العماني

من زنجبار إلى مسقط..  حكاية بيت فاطمة بنت علي بن سالم: زوجة سلطان وأم سلطان وجدّة سلطان
حكاية بيت فاطمة بنت علي بن سالم
زاره ووثّق معالمه: د. محمد بن حمد العريمي
في أحد أحياء المدينة الحجرية في زنجبار، وبين مبانيها التي تختزن طبقات متراكمة من التاريخ العُماني والزنجبارِي، ما يزال منزل السيدة فاطمة بنت علي بن سالم بن ثويني قائمًا، وإن بدت على بعض أجزائه آثار الزمن والحاجة إلى الترميم. ولا تنبع أهمية هذا البيت من قيمته المعمارية وحدها، بل من ارتباطه بسيدة تنتمي إلى فرعين بارزين من الأسرة البوسعيدية، وأصبحت لاحقًا زوجة للسلطان تيمور بن فيصل ووالدة للسلطان سعيد بن تيمور، وجدّة للسلطان قابوس بن سعيد.
وتضيف إلى أهمية المنزل قصة أخرى لا تقل دلالة؛ إذ خرج في مرحلة لاحقة من وظيفته السكنية، واستُخدم مقرًا لإحدى المؤسسات الرسمية المسؤولة عن التعليم في زنجبار، ليرتبط المكان بتاريخ الأسرة من ناحية، وبتاريخ التعليم الزنجباري من ناحية أخرى.

منزل عُماني الملامح في قلب زنجبار

تكشف الصور الحديثة للمنزل عن مبنى كبير متعدد الطوابق، يقوم حول مساحة خضراء داخلية، وتظهر في واجهاته الشرفات الخشبية الطويلة والممرات المسقوفة والأعمدة والأبواب والنوافذ الخشبية، وهي عناصر تنتمي إلى البيئة المعمارية التي تشكلت في زنجبار خلال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين نتيجة تفاعل التأثيرات العُمانية والسواحلية والهندية والأوروبية.
وينقسم البيت إلى قسمين أساسيين: قسم للسكن ويقع في الجانب الأيسر من البيت، وقسم آخر في الجانب الأيمن يتكون من قاعات واستراحات لاستقبال الضيوف والزوار.
وتبدو في الواجهة المطلة على الحديقة شرفة ممتدة تقوم على أعمدة خشبية طويلة، بينما تحتفظ أجزاء أخرى من المبنى بدعامات زخرفية دقيقة تحمل سقوف الممرات. كما تكشف الصور عن نوافذ ذات مصاريع خشبية وشبكات حديدية، وأبواب مقوسة، وجدران سميكة.
وفي المقابل، تسجل الصور الحالية بوضوح ما تعرض له المبنى من تقادم؛ فهناك تساقط لأجزاء من طبقات الجص، وانكشاف لمواد البناء في أسفل بعض الجدران، وصدأ في الشبكات الحديدية، وتآكل في أجزاء من العناصر الخشبية. وهي مظاهر تجعل البيت وثيقة معمارية قائمة بذاتها، وفي الوقت نفسه تطرح مسألة المحافظة عليه بوصفه جزءًا من ذاكرة المدينة الحجرية.

من هي السيدة فاطمة؟

السيدة فاطمة هي فاطمة بنت السيد علي بن سالم بن ثويني بن سعيد البوسعيدي، وتنحدر من أسرة ارتبط تاريخها مباشرة بتاريخ الحكم في عُمان وزنجبار؛ فجدها السلطان سالم بن ثويني تولى حكم مسقط وعُمان في ستينيات القرن التاسع عشر، وجد أبيها السلطان ثويني بن سعيد، أحد أبناء السيد سعيد بن سلطان تولى الحكم خلال الفترة من 1856 وحتى 1866، وعم والدها، السلطان حمد بن ثويني تولى حكم زنجبار في العقد الأخير من القرن التاسع عشر، وابن عم والدها السلطان خليفة بن حارب تولى حكم زنجبار خلال الفترة من 1911 وحتى عام 1960.
وتذكر الباحثة الدكتورة أحلام بنت حمود الجهورية أن السيدة فاطمة وُلدت في زنجبار سنة 1308هـ/1891م، وأن والدتها توفيت وهي صغيرة، فتولت رعايتها السيدة علياء بنت السلطان برغش بن سعيد، ولم تطل إقامة السيدة فاطمة بنت علي بن سالم في زنجبار طوال سنوات طفولتها؛ ففي عام 1898م، وكانت في نحو السابعة من عمرها، انتقلت إلى عُمان في أعقاب إبعاد والدها السيد علي بن سالم من زنجبار إلى مسقط لأسباب سياسية. وبذلك تركت السيدة فاطمة البيت والبيئة التي شهدت سنوات نشأتها الأولى في زنجبار، لتبدأ مرحلة جديدة من حياتها في مسقط، قبل أن تتزوج لاحقًا من السيد تيمور بن فيصل، الذي أصبح سلطانًا لعُمان سنة 1913م، وتنجب السلطان سعيد بن تيمور، والد السلطان قابوس بن سعيد -طيّب الله ثراه
صورة أرشيفية للسيدة فاطمة وهي في حوالي الثامنة من عمرها
صورة أرشيفية للسيدة فاطمة وهي في حوالي الثامنة من عمرها
وتكشف الوثيقة المرفقة المتعلقة بزواجها أن عقد قران السيد تيمور بن فيصل عليها تم في 11 شعبان 1322هـ، الموافق 21 أكتوبر 1904م. وجاء ذلك في رسالة بعث بها السلطان فيصل بن تركي في 15 شعبان إلى الشيخ صالح بن علي بن صالح الشيباني في زنجبار، فقال فيها: “وفي يوم 11 شعبان الساعة 10 من النهار صار عقد الولد تيمور على ابنة علي بن سالم”.
الوثيقة المرفقة المتعلقة بزواج السيدة فاطمة
الوثيقة المرفقة المتعلقة بزواج السيدة فاطمة
وتكتسب هذه الوثيقة قيمة خاصة لأنها لا تكتفي بإثبات الزواج، بل تحدد هوية العروس بوصفها ابنة السيد علي بن سالم، وتربط مباشرة بين أسرة السلطان فيصل بن تركي وأسرة السيد علي بن سالم. ويحدد التقرير المرفق العروس بأنها السيدة فاطمة بنت علي بن سالم، والدة السلطان سعيد بن تيمور.
ومن هذا الزواج ولد في مسقط في 13 أغسطس 1910م السيد سعيد بن تيمور، الذي تولى حكم عُمان عام 1932م، وظل سلطانًا حتى عام 1970م، وهو والد السلطان قابوس بن سعيد.
وهكذا فإن صاحبة هذا البيت الزنجباري لم تكن شخصية هامشية في تاريخ الأسرة البوسعيدية، وإنما كانت حلقة نسب مهمة تصل بين تاريخ الأسرة في زنجبار ومسقط.

والدها.. السيد علي بن سالم

أما والدها، فهو السيد علي بن سالم بن ثويني بن سعيد البوسعيدي، المولود في مسقط عام 1861م. وتشير المصادر إلى أنه نشأ في كنف والده السلطان سالم بن ثويني وجده السلطان ثويني، ثم انتقل إلى شرق أفريقيا وزنجبار في ظل الاضطرابات السياسية التي أعقبت التحولات التي شهدتها عُمان خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
السيد علي بن سالم بن ثويني بن سعيد البوسعيدي
السيد علي بن سالم بن ثويني بن سعيد البوسعيدي
وتساعد الوثائق البريطانية على رسم جانب أكثر تفصيلًا من حياته. فقد كان السيد علي يقيم في مسقط بعد نفيه إليها سنة 1895م، بينما بقيت أسرته في زنجبار. وتشير الوثائق إلى أن سلطان زنجبار كان يرسل إليه مبلغًا ماليًا، وأن مسألة عودته إلى زنجبار تحولت خلال السنوات التالية إلى موضوع مراسلات ومفاوضات سياسية متكررة.
وفي عام 1903 قدم السيد علي تعهدًا مكتوبًا يؤكد فيه أنه إذا سُمح له بزيارة زنجبار فسيقتصر وجوده على أسرته، وألا يقوم بأي نشاط تعترض عليه الحكومة. وفي ضوء ذلك وافقت حكومة زنجبار على عودته، وغادر مسقط في 17 مايو 1904م متجهًا إلى زنجبار عبر بومباي، وفق ما تسجله الوثيقة البريطانية المرفقة.
وهذه الخلفية تفسر بصورة أوضح العبارة اللافتة في رسالة السلطان فيصل بن تركي الخاصة بعقد زواج ابنته؛ إذ كان السلطان يتابع رحلة السيد علي، وكتب إلى الشيخ صالح الشيباني أن “الأخ علي بن سالم إلى حال التاريخ لم يصل، بل لم يصلنا منه تلجراف بوصوله ممبي”. أي أن الزواج جاء في فترة كان فيها السيد علي نفسه يتحرك بين مسقط والهند وزنجبار، في ظل تاريخ سياسي طويل ومعقد.

المصاهرة بين أبناء فيصل وبنات علي بن سالم

لم يكن زواج تيمور وفاطمة حالة منفردة، بل كان جزءًا من شبكة واسعة من المصاهرات بين الأسرتين. فتشير المصادر إلى اقتران السيد نادر بن فيصل بالسيدة خولة بنت علي بن سالم، وزواج السيد محمد بن فيصل من السيدة محفوظة بنت علي بن سالم، وارتباط السيدة وليم بنت علي بالسيد حمود بن فيصل. ومن ثم جاء زواج تيمور من فاطمة ضمن صلات أسرية وثيقة بين فرعي الأسرة البوسعيدية.
وتؤكد الوثيقة البريطانية الخاصة بالتقرير الإداري لمسقط لعام 1909 جانبًا من هذه الروابط؛ إذ سجلت الاحتفال بزواج السيدين نادر ومحمد من ابنتين للسيد علي بن سالم، كما سجلت أن السيد تيمور كان متزوجًا من ابنة السيد علي.
ومن اللافت كذلك أن التقرير الإداري لعام 1909 يشير إلى زيارة السيد علي بن سالم لزنجبار ابتداءً من 6 يناير وعودته في 26 سبتمبر من العام نفسه، وهو ما يكشف استمرار حركته وصلاته بين جانبي المحيط الهندي.

وفاة السيد علي والحداد في مسقط

استمرت مكانة السيد علي بن سالم داخل الأسرة حتى وفاته في مسقط في الأول من سبتمبر 1928م. وتسجل الوثائق البريطانية أن البلاط أعلن الحداد لمدة ثلاثة أيام، وأن علم السلطان نُكّس إلى نصف السارية، كما نُكّس علم الوكالة البريطانية، وقد توفي عن عمر ناهز 67 عامًا. وتعكس هذه الإجراءات المكانة التي كان يتمتع بها، فضلًا عن كونه حمو السلطان تيمور بن فيصل.

البيت ينتقل من السكن العائلي إلى التعليم

أما منزل السيدة فاطمة في زنجبار، فقد شهد في مرحلة لاحقة تحولًا مهمًا في وظيفته، إذ استُخدم مقرًا للجهة الحكومية المعنية بالتعليم في زنجبار، وبذلك دخل المبنى مرحلة جديدة من تاريخه لم تعد مرتبطة بالأسرة التي سكنته فحسب، وإنما بتاريخ المؤسسات الحكومية في الجزيرة.
وهنا ينبغي التمييز بين ما تؤكده المصادر وما لا يزال يحتاج إلى توثيق أرشيفي أدق: فالمصادر المتاحة تؤكد وجود وزارة/إدارة التعليم في مبانٍ تاريخية داخل المدينة الحجرية في مراحل سابقة، بينما لم نعثر في المصادر الرقمية التي أمكن الوصول إليها على سجل رسمي يحدد بصورة قاطعة تاريخ انتقال المؤسسة التعليمية إلى منزل السيدة فاطمة، وطبيعة انتقال ملكيته، والفترة الدقيقة التي بقيت فيها بالمبنى.

من بيت أسرة إلى ذاكرة مؤسسة

وهنا تكمن المفارقة التاريخية الجميلة في قصة المبنى: منزل ارتبط في بدايته بامرأة من الأسرة البوسعيدية أصبحت زوجة سلطان وأم سلطان وجدّة سلطان، ثم تحول لاحقًا إلى مكان ارتبط بإدارة التعليم في زنجبار.
وبذلك تتجاوز قيمة البيت مسألة تحديد صاحبه أو عمره المعماري، فهو يمثل نقطة التقاء بين أكثر من مسار تاريخي: تاريخ الأسرة البوسعيدية، والعلاقات بين عُمان وزنجبار، وحركة أفراد الأسرة بين مسقط وزنجبار والهند، ثم تاريخ المؤسسات التعليمية في الجزيرة.
كما تقدم حالته الراهنة، كما تظهرها الصور التي التقطت حديثًا، سجلًا بصريًا مهمًا للعمارة السكنية التاريخية في زنجبار؛ فالشرفات الخشبية، والممرات المسقوفة، والدعامات المزخرفة، والأبواب المقوسة، والنوافذ ذات المصاريع والشبكات الحديدية، والحديقة الداخلية، جميعها لا تزال قادرة على رواية جانب من حياة البيت على الرغم من آثار التقادم الظاهرة على جدرانه.

السلطان قابوس يشتري منزل جدته في زنجبار

في فصلٍ لاحق من تاريخ المنزل، ارتبط البيت مجددًا بالأسرة البوسعيدية من خلال السلطان قابوس بن سعيد طيّب الله ثراه، إذ تُشير الروايات المتداولة حول المبنى إلى أن السلطان قابوس قام بشراء منزل جدته السيدة فاطمة بنت علي بن سالم في زنجبار، في خطوة أعادت ارتباط البيت بالأسرة بعد أن مرّ بمراحل واستخدامات مختلفة، من بينها استخدامه مقرًا للجهة المسؤولة عن التعليم في زنجبار.
ويحمل هذا الأمر دلالة تاريخية وعائلية خاصة؛ فالسيدة فاطمة هي والدة السلطان سعيد بن تيمور، ومن ثم فإن المنزل يمثل جزءًا من الذاكرة العائلية للسلطان قابوس في الجزيرة التي ارتبطت بتاريخ أسرته لعدة أجيال.

شاهد يحتاج إلى مزيد من التوثيق

تفتح قصة منزل السيدة فاطمة بنت علي بن سالم بابًا واسعًا أمام البحث في الأملاك والمنازل التي ارتبطت بالعُمانيين والأسرة البوسعيدية في زنجبار، فكثير من هذه المباني لم يكن مجرد مساكن، وإنما انتقل لاحقًا إلى وظائف حكومية وتعليمية واجتماعية مختلفة، فأصبحت دراسة تاريخ المبنى نفسه مدخلًا إلى قراءة التحولات التي شهدتها الجزيرة.
ومن هنا، فإن توثيق المنزل وترميمه لا يتعلق بحفظ مبنى قديم فحسب، وإنما بصون شاهد مادي على فصل مشترك من تاريخ عُمان وزنجبار؛ منزل يبدأ أحد خيوط قصته مع علي بن سالم بن ثويني وابنته فاطمة، ويمتد عبر زواجها من تيمور بن فيصل وولادة سعيد بن تيمور، قبل أن يدخل البيت نفسه فصلًا آخر من حياته حين ارتبط بمؤسسة التعليم في زنجبار.
وفي مدينة حجرية أدرجتها اليونسكو على قائمة التراث العالمي لما تمثله من تفاعل ثقافي وحضاري فريد، تبقى مثل هذه البيوت بمثابة وثائق من حجر وخشب؛ وما تزال جدران بيت السيدة فاطمة وشرفاته المطلة على الحديقة تحمل ذاكرة مرحلة كان فيها البحر بين مسقط وزنجبار طريقًا يصل أسرة واحدة ومجتمعين، أكثر مما كان حدًا يفصل بين مكانين.

المراجع:

  • الجهورية، أحلام بنت حمود. إليك معلومات عن السيدة التي عاصرت 11 من سلاطين الأسرة البوسعيدية، تقرير منشور في موقع أثير الالكتروني، 7 أبريل 2024.
  • العريمي، محمد بن حمد. حين يُكتب الفرح بلسان السلطان: زفاف تيمور في رسالةٍ خاصة، تقرير منشور في موقع “أثير” الالكتروني، 5 مايو 2026.
  • سلالة البوسعيد
  • مكتبة قطر الرقمية. عدة ملفات تتناول الشأن العماني مطلع القرن العشرين.

شارك هذا الخبر