تجارة بمليارات الدولارات: كيف تستفيد عُمان من إنشاء أسواق حرة في 3 منافذ؟

تضيف الأسواق الحرة نشاطًا تجاريًا إلى منافذ الوجاجة وخطمة ملاحة والربع الخالي، وتدعم فرص العمل والتوريد والنقل والتخزين مع توفير سلع بأسعار تنافسية.

عن الكاتب

محمد العريمي
محمد العريمي

محرر وكاتب صحفي

تجارة بمليارات الدولارات: كيف تستفيد عُمان من إنشاء أسواق حرة في 3 منافذ؟
أسواق حرة
رصد - أثير
متابعة - مـحـمـد الـعـريـمـي
لا تنتهي القيمة الاقتصادية للمنفذ الحدودي بمجرد عبور المسافر أو مرور الشاحنة إلى الجانب الآخر؛ فخلف حركة العبور فرصٌ أخرى قد لا تقل أهمية، تبدأ من احتياجات المسافرين، وتمتد إلى الخدمات والأنشطة التجارية التي يمكن أن تنشأ حولهم.
ومن هذا المنطلق، يفتح قرار إنشاء أسواق حرة في ثلاثة منافذ برية عُمانية بابًا للتساؤل عن كيفية الاستفادة اقتصاديًا من هذه الحركة، وتحويلها من مجرد عبور إلى نشاط تجاري يستفيد منه الاقتصاد المحلي، حيث أصدر معالي الفريق حسن بن محسن الشريقي، المفتش العام للشرطة والجمارك، يوم أمس قرارًا رقم (145/2026م) بإنشاء أسواق حرة في منافذ الوجاجة وخطمة ملاحة والربع الخالي.
ويستهدف القرار تنشيط الحركة الاقتصادية والتجارية في المنافذ البرية، من خلال إتاحة السلع بأسعار تنافسية عبر إعفائها من الرسوم الجمركية والضرائب، إلى جانب دعم السياحة والقطاع اللوجستي وتحسين تجربة المسافرين.
لكن إنشاء هذه الأسواق لا يقتصر على إضافة وجهة للتسوق عند الحدود؛ فالأهم هو ما يمكن أن ينشأ حولها من نشاط اقتصادي، ومدى قدرتها على استقطاب المشترين وخلق فرص عمل وربط التجارة بالخدمات اللوجستية. ولتقدير هذه الفرصة، من المهم أولًا فهم طبيعة الأسواق الحرة، ثم النظر في خصوصية المنافذ البرية وما تحتاج إليه هذه التجربة كي تحقق نتائج ملموسة.

ما الذي يميز السوق الحرة؟

قد يبدو مصطلحا ”السوق الحرة“ و ”المنطقة الحرة“ متشابهين، لكن لكل منهما طبيعة مختلفة؛ فالسوق الحرة منشأة مرخصة تُعرض فيها البضائع وتُباع وفق ترتيبات جمركية وضريبية خاصة، أما المنطقة الحرة فهي نطاق جغرافي يخضع لأنظمة محددة تتيح ممارسة أنشطة تجارية أو صناعية، مع معاملة جمركية خاصة للبضائع وفق القواعد المنظمة لها.
ويكتسب هذا الفرق أهمية عند قراءة القرار العُماني؛ إذ يتعلق بإنشاء أسواق في منافذ برية، وليس بإقامة مناطق صناعية أو تجارية متكاملة، والغاية المباشرة هنا هي إتاحة خيارات تسوق للمسافرين ضمن ضوابط جمركية وضريبية محددة.
وتستند جاذبية هذه الأسواق إلى إمكانية توفير السلع بأسعار تنافسية بفضل الإعفاءات المقررة، غير أن الإعفاء لا يعني بالضرورة أن جميع المنتجات ستكون أرخص من نظيراتها في السوق المحلية؛ فالأسعار تتأثر أيضًا بتكاليف الاستيراد والتشغيل والتوزيع، وهوامش الربح، ومستوى المنافسة.
لذا؛ فإن الإعفاءات تمنح الأسواق أداة للمنافسة، لكنها لا تضمن نجاحها التجاري بمفردها، فالسعر عامل مهم، لكنه ليس العامل الوحيد الذي يحدد قرار الشراء.

لماذا تكتسب المنافذ البرية أهمية اقتصادية؟

تمنح المنافذ البرية الثلاثة التي شملها القرار الأسواق الحرة فرصة للاستفادة من حركة المسافرين والتبادل التجاري بين سلطنة عُمان والدول المجاورة، بما يضيف نشاطًا تجاريًا إلى دورها في تسهيل العبور، ويوسع نطاق الخدمات المتاحة للمسافرين.
وتتميز هذه المنافذ بتنوع حركة العبور فيها؛ إذ تجمع بين المسافرين بمركباتهم الخاصة والشاحنات التجارية، ما يفتح المجال أمام تقديم خيارات تسوق وخدمات تتناسب مع احتياجات العابرين، وتستفيد من طبيعة كل منفذ وموقعه.
ومن شأن وجود الأسواق الحرة أن يعزز الخيارات المتاحة للمسافرين، ويتيح لهم الاستفادة من السلع المعروضة بأسعار تنافسية، فيما يوفر في الوقت نفسه مجالًا لنمو أنشطة تجارية مرتبطة بالبيع بالتجزئة والتوريد والنقل والتخزين.
وبذلك، تكتسب هذه الأسواق أهمية تتجاوز توفير السلع، لتسهم في تنويع الخدمات في المنافذ البرية، والاستفادة من حركة العبور في إيجاد فرص تجارية جديدة، وتعزيز الدور الاقتصادي لهذه المواقع.

من الإعفاءات إلى فرص العمل

لا يتوقف الأثر المحتمل للأسواق الحرة عند مبيعات التجزئة؛ إذ يمكن أن يمتد إلى أنشطة التخزين والنقل وإدارة المخزون والتوريد والتوزيع، فضلًا عن الوظائف المرتبطة بالتشغيل وخدمة العملاء. كما قد تتيح هذه الأسواق فرصًا للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، سواء من خلال تقديم الخدمات المساندة أو المشاركة في سلاسل التوريد، متى توافرت لها فرص مناسبة للدخول إلى هذه الأنشطة.
وتشير تقديرات منشورة عن تجارة الأسواق الحرة والتجزئة المرتبطة بالسفر في الأمريكتين إلى أن مبيعات هذا النشاط عبر المنافذ البرية بلغت نحو 2.8 مليار دولار، وارتبطت بنحو 15,800 وظيفة مباشرة، وتوضح هذه الأرقام أن تجارة المسافرين عبر الحدود يمكن أن تتحول إلى نشاط اقتصادي له امتداداته التشغيلية والتوظيفية، لكنها لا تمثل توقعات لما قد تحققه الأسواق العُمانية، نظرًا إلى اختلاف حجم الحركة وطبيعة الأسواق والأنظمة والمنتجات.
ومن هنا، فإن تقييم التجربة لا ينبغي أن يقتصر على حجم المبيعات. فالقيمة الاقتصادية تشمل أيضًا عدد الوظائف المستحدثة، وحجم الطلب على الخدمات المحلية، وفرص الموردين، والاستثمارات اللازمة للتشغيل. وفي المقابل، تظل الإعفاءات الجمركية والضريبية جزءًا من المعادلة التي ينبغي تقييمها في ضوء النشاط الاقتصادي المتحقق، وما قد يقابله من إيرادات عامة لا تُحصّل على السلع المشمولة بالإعفاء.
وبذلك، لا يُقاس نجاح الأسواق الجديدة بعدد المتاجر التي تفتح أبوابها، بل بقدرتها على بناء نشاط تجاري مستمر، وتوفير فرص محلية، واستقطاب الطلب، وتحقيق قيمة تتجاوز الاستفادة من الإعفاءات وحدها.

هل تكفي الأسواق الحرة لتنشيط المنافذ؟

يستهدف القرار دعم الحركة التجارية والسياحية والقطاع اللوجستي، لكن تحقيق هذه الأهداف يتطلب النظر إلى المنفذ الحدودي بوصفه منظومة متكاملة، لا مجرد موقع لإقامة متاجر جديدة.
فإذا كانت إجراءات العبور تستغرق وقتًا طويلًا، أو كانت مرافق الانتظار والخدمات محدودة، فقد لا تكون الأسعار التنافسية كافية لجذب المتسوقين. وعلى العكس، يمكن أن تزداد جاذبية الأسواق عندما تتوافر إجراءات واضحة، وتنسيق بين الجهات المعنية، وخدمات مناسبة للمسافرين وسائقي الشاحنات، إلى جانب سهولة الوصول إلى المنتجات.
وفي هذا السياق، تؤكد منظمة التجارة العالمية أهمية تبسيط الإجراءات الحدودية، وتقليل المتطلبات المتكررة، وتحسين التنسيق بين الجهات المعنية بتيسير حركة التجارة. فهذه التدابير تسهم في خفض تكاليف المعاملات وتسهيل انتقال السلع عبر الحدود.
وهذا يعني أن تنافسية المنفذ لا تتحدد بسعر السلعة وحده، بل تتأثر أيضًا بالوقت والتكلفة وسهولة الإجراءات التي يواجهها الأفراد والشركات. ومن ثم، يمكن للأسواق الحرة أن تكون جزءًا من تطوير الخدمات في المنافذ البرية، لكنها لن تعوّض عن أوجه القصور في البنية الأساسية أو الإجراءات الجمركية أو الخدمات اللوجستية.

3 مواقع وفرص متنوعة

يشمل القرار منافذ الوجاجة وخطمة ملاحة والربع الخالي، بما يتيح توزيع النشاط التجاري على ثلاثة مواقع للعبور البري، والاستفادة من حركة المسافرين عبرها.
وتمنح طبيعة كل منفذ مجالًا لتطوير نموذج تجاري يتناسب مع مستخدميه والاحتياجات المرتبطة بحركة المرور فيه. فتنوع السلع والخدمات، وآليات التشغيل، وطبيعة الأنشطة المساندة، كلها عناصر يمكن أن تسهم في تشكيل تجربة مختلفة لكل سوق، مع الاحتفاظ بالهدف المشترك المتمثل في تنشيط الحركة الاقتصادية والتجارية.
كما تتيح هذه الأسواق مجالًا لمتابعة أثر النشاط على المدى الطويل، من خلال مؤشرات مثل حجم المبيعات، والوظائف التي يوفرها، والأنشطة التجارية المساندة، ومدى مشاركة الموردين المحليين. وتساعد هذه المؤشرات على إبراز العائد الاقتصادي الذي يتجاوز المبيعات المباشرة إلى ما تولده الأسواق من فرص وخدمات.
ومن هنا، فإن أهمية القرار لا ترتبط بالمواقع الثلاثة وحدها، بل بما يمكن أن تفتحه من مجال لتطوير أنشطة تجارية مرتبطة بالمنافذ البرية، والاستفادة بصورة أوسع من حركة العبور بين عُمان وجيرانها.

القيمة الحقيقية تبدأ بعد العبور

يمثل إنشاء الأسواق الحرة في الوجاجة وخطمة ملاحة والربع الخالي خطوة نحو توسيع الوظيفة الاقتصادية للمنافذ البرية العُمانية، بإضافة نشاط تجاري يستفيد من حركة المسافرين، ويوفر خيارات تسوق جديدة، ويفتح المجال أمام فرص في البيع بالتجزئة والخدمات اللوجستية وسلاسل التوريد.
وتكمن أهمية هذه الخطوة في قدرتها على الجمع بين موقع المنفذ وحركة العبور والنشاط التجاري، بما يتيح الاستفادة من حركة قائمة وتوسيع ما يرتبط بها من خدمات وفرص اقتصادية.
ومع بدء تشغيل الأسواق وتطور أنشطتها، ستتضح ملامح القيمة التي تضيفها إلى الاقتصاد المحلي، سواء من خلال الوظائف والاستثمارات أو من خلال توسيع مشاركة المؤسسات المحلية في الخدمات والتوريد.
وبذلك، لا تعود المنافذ البرية مجرد نقاط يصل عندها المسافر إلى الحدود ثم يغادرها، بل يمكن أن تصبح محطات تتكامل فيها حركة العبور مع التجارة والخدمات، وتتحول فيها الحركة العابرة إلى فرصة اقتصادية أوسع.
الصورة مولدة بأدوات الذكاء الاصطناعي

شارك هذا الخبر