حكاية شجرة نُقِلت من الباطنة إلى زنجبار احتفاءً بالسُلطان

جُلبت شجرة الرولة من الباطنة إلى زنجبار وزُرعت عام 1936م احتفاءً باليوبيل الفضي للسلطان خليفة بن حارب، لتبقى بعد نحو تسعين عامًا رمزًا للعلاقات التاريخية.

عن الكاتب

د.محمد بن حمد العريمي
د.محمد بن حمد العريمي

باحث ومختص في التاريخ العماني

حكاية شجرة نُقِلت من الباطنة إلى زنجبار احتفاءً بالسُلطان
شجرة الرولة
أثير- د. محمد بن حمد العريمي
في أحد أركان مدينة زنجبار، وعلى مقربة من ساحلها التاريخي، تقف شجرة رولة ضخمة، تمتد أغصانها على مساحة واسعة وتتدلى منها الجذور الهوائية التي صنعت مع مرور العقود جذعًا متشابكًا وضخمًا، تبدو للمارّ اليوم شجرة عتيقة توفر الظل وسط حركة المدينة، لكن وراءها حكاية تعود إلى نحو تسعين عامًا، وترتبط بتاريخ الحكم البوسعيدي في زنجبار وبواحد من الشواهد الحية على العلاقات التاريخية بين عُمان وشرق إفريقيا.
وترتبط قصة هذه الشجرة بعام 1936م، عندما احتفلت زنجبار باليوبيل الفضي لجلوس السلطان خليفة بن حارب البوسعيدي على العرش، بعد مرور خمسة وعشرين عامًا على توليه الحكم في عام 1911م.

من الباطنة إلى زنجبار

يذكر الشيخ سالم بن محمد الخنجري، أحد المهتمين بتاريخ زنجبار، في حديث لـ“أثير“، أن الشجرة الموجودة في هذا الموقع هي من نوع الرولة، وأنها جُلبت من منطقة الباطنة في عُمان إلى زنجبار، وزُرعت في هذا المكان في عام 1936م بمناسبة اليوبيل الفضي لحكم السلطان خليفة بن حارب.
ويقول الخنجري إن السلطان خليفة تولى الحكم في عام 1911م، ولذلك جاءت مناسبة مرور خمسة وعشرين عامًا على حكمه في عام 1936م، مشيرًا إلى أن بقاء الشجرة حتى اليوم يجعل منها أحد رموز العلاقة العُمانية الزنجبارية.
وتضيف هذه الرواية الشفوية بعدًا مهمًا إلى تاريخ الشجرة؛ إذ لا ترتبط فقط بمناسبة سياسية شهدتها زنجبار في ثلاثينيات القرن العشرين، وإنما تشير أيضًا إلى انتقالها من البيئة العُمانية إلى زنجبار، لتتحول بمرور الزمن إلى شاهد طبيعي حي على التواصل الذي ظل قائمًا قرونًا بين جانبي المحيط الهندي.

اليوبيل الفضي في عام 1936م

تتفق رواية الشيخ سالم الخنجري بشأن تاريخ المناسبة مع المصادر التاريخية التي تؤكد ارتباط عام 1936م باليوبيل الفضي للسلطان خليفة بن حارب، فقد تولى السلطان خليفة بن حارب حكم زنجبار في عام 1911م، واستمر في الحكم حتى وفاته في عام 1960م، ليكون واحدًا من أطول سلاطين زنجبار حكمًا خلال المرحلة البوسعيدية.
وكانت احتفالات اليوبيل الفضي مناسبة كبيرة شهدت تنفيذ عدد من الأعمال التذكارية في المدينة، وتؤكد مصادر تاريخية أن المنطقة المعروفة اليوم باسم حدائق فرضاني ارتبطت بتلك المناسبة، وعرفت لفترة باسم حدائق اليوبيل- Jubilee Gardens.
وتشير وثائق منشورة لدى البنك الدولي، ضمن الدراسات المتعلقة بالتراث العمراني في زنجبار، إلى أن حدائق فرضاني أُنشئت في عام 1936م احتفاءً باليوبيل الفضي للسلطان خليفة بن حارب، وأن اسم “حدائق اليوبيل” ظل مرتبطًا بها حتى التحولات السياسية التي شهدتها زنجبار في عام 1964م.
كما تشير مؤسسة الآغا خان إلى أن المنطقة الواقعة أمام الحصن القديم تحولت إلى حديقة عامة خلال ثلاثينيات القرن العشرين، وأضيفت إليها في عام 1936م مجموعة من المنشآت والمرافق في سياق الاحتفال باليوبيل الفضي للسلطان.

الرولة.. شجرة تعمّر طويلًا

تتميز أشجار الرولة بضخامتها وقدرتها على البقاء لفترات زمنية طويلة. كما تتميز بتكوين جذور هوائية تتدلى من الأغصان، ثم تصل إلى الأرض وتزداد سماكتها تدريجيًا حتى تبدو كأنها جذوع جديدة، وهو ما يسمح للشجرة بالاتساع أفقيًا وتكوين مظلة نباتية ضخمة.
وهذه السمات تبدو بوضوح في الشجرة التي رصدتها “أثير” في زنجبار؛ فقد أصبح جذعها كتلة كبيرة من الجذور المتشابكة، فيما اتسعت أغصانها في الأعلى لتغطي مساحة كبيرة من الموقع.
وللرولة حضور معروف في عُمان، حيث توجد نماذج معمرة منها في عدد من المناطق، وكانت بعض هذه الأشجار تمثل نقاط تجمع للسكان، وترتبط بها أسماء الأمكنة والحكايات والذكريات المحلية.

نحو تسعين عامًا في المكان

إذا كان غرس الشجرة قد تم في عام 1936م، وفق رواية الشيخ سالم بن محمد الخنجري، فإن عمر وجودها في زنجبار يقترب اليوم من تسعين عامًا.
وخلال هذه العقود شهدت الشجرة مراحل شديدة الاختلاف من تاريخ الجزيرة؛ فقد عاصرت السنوات الأخيرة الطويلة لحكم السلطان خليفة بن حارب، ثم عهدي السلطان عبدالله بن خليفة والسلطان جمشيد بن عبدالله، والتحولات السياسية التي شهدتها زنجبار في ستينيات القرن العشرين، وصولًا إلى المدينة التي نراها اليوم.
وتظهر الصور الحديثة التي التقطتها “أثير” كيف أصبحت الشجرة جزءًا طبيعيًا من تفاصيل الحياة اليومية؛ تحيط بها الطرق والمحال والأنشطة المختلفة، ويمر الناس من جوارها، فيما تواصل أغصانها توفير الظل في المكان الذي زُرعت فيه قبل نحو تسعة عقود.

الشجرة والمكان.. ذاكرة للاحتفالات

لا يبدو حضور الأشجار التذكارية في تاريخ هذه المنطقة أمرًا منفردًا؛ فقد شهدت حدائق زنجبار في العهد نفسه غرس أشجار مرتبطة بمناسبات وزيارات رسمية، ومن أبرز تلك الأحداث زيارة الأميرة مارغريت شقيقة الملكة إليزابيث الثانية إلى زنجبار في عام 1956م، في عهد السلطان خليفة بن حارب، حيث ارتبطت زيارتها كذلك بغرس شجرة تذكارية في حدائق فرضاني.
وهكذا أصبح المكان خلال النصف الأول من القرن العشرين يحتفظ بذاكرته ليس عبر المباني والمنشآت وحدها، وإنما أيضًا من خلال الأشجار التي غُرست تخليدًا لمناسبات محددة.

من الباطنة عبر البحر

تكتسب رواية جلب شجرة الرولة من الباطنة دلالة أوسع عند وضعها ضمن تاريخ العلاقات بين عُمان وزنجبار؛ فالبحر لم يكن حاجزًا بين المنطقتين، بل كان طريقًا لحركة العُمانيين والسفن والتجارة والمعارف والعادات، وانتقلت عبره أيضًا أنواع مختلفة من النباتات والمحاصيل.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الشجرة بوصفها صورة مصغرة لذلك التاريخ؛ شجرة بدأت رحلتها – بحسب الرواية الشفوية للشيخ سالم الخنجري – من الباطنة في عُمان، وعبرت البحر إلى زنجبار، ثم غُرست عام 1936م احتفاءً بمرور ربع قرن على حكم سلطان من الأسرة البوسعيدية، قبل أن تصبح مع مرور الزمن جزءًا من ذاكرة المكان.
وبعد نحو تسعة عقود، لم تعد الرولة مجرد شجرة غُرست في مناسبة احتفالية، وإنما تحولت إلى وثيقة طبيعية حية؛ جذورها في أرض زنجبار، فيما تحمل روايتها ذاكرة تمتد إلى الباطنة في عُمان.
ولعل هذا هو ما يمنحها قيمتها التاريخية والرمزية اليوم؛ فبين جذورها المتشابكة وأغصانها المترامية تختصر الشجرة جانبًا من قصة طويلة عبر المحيط الهندي، وتبقى – كما يصفها الشيخ سالم بن محمد الخنجري – واحدة من رموز العلاقة العُمانية الزنجبارية التي ما تزال حاضرة في المكان حتى اليوم.

المراجع

  • لقاء مع الفاضل سالم بن محمد الخنجري، زنجبار، الاثنين 5 أكتوبر 2026.

شارك هذا الخبر