من عدن إلى الخليج: وثائق تكشف قصة مهبط الشويمية ومخزن الوقود قبل نحو 90 عامًا

بدأ مهبط الشويمية للطوارئ عام 1936، ثم أضيف إليه مخزن للوقود، وربطت السفن العُمانية الموقع بعدن ومصيرة ضمن مسار الطيران البريطاني إلى الخليج.

عن الكاتب

د.محمد بن حمد العريمي
د.محمد بن حمد العريمي

باحث ومختص في التاريخ العماني

من عدن إلى الخليج: وثائق تكشف قصة مهبط الشويمية ومخزن الوقود قبل نحو 90 عامًا
من عدن إلى الخليج: وثائق تكشف قصة مهبط الشويمية ومخزن الوقود قبل نحو 90 عامًا
أثير- د. محمد بن حمد العريمي
على الساحل الجنوبي الشرقي لسلطنة عُمان، وفي منطقة الشويمية بمحافظة ظفار، ما تزال آثار حجرية متناثرة في أرض منبسطة، ومبنى قديم قريب من الساحل، وطريق تحفّه الحجارة، شاهدةً على فصل مبكر من تاريخ الطيران في سلطنة عُمان.
وقد تبدو هذه البقايا اليوم منشآت بسيطة يصعب على المارّ بها إدراك وظيفتها الأولى، غير أن وثائق بريطانية تعود إلى ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين تكشف أن الموقع كان جزءًا من مشروع لإنشاء مهبط للطائرات ومخزن للوقود في الشويمية، ضمن شبكة من المحطات التي ارتبطت بحركة الطيران البريطاني بين عدن والخليج وما وراءه.
وتكشف مجموعة من الوثائق المحفوظة ضمن أوراق مكتب الهند في المكتبة البريطانية، إلى جانب وثائق حكومة مسقط وعُمان وتقارير الوكالة السياسية البريطانية في مسقط، جانبًا من قصة هذا الموقع منذ النصف الثاني من ثلاثينيات القرن العشرين، مرورًا بسنوات الحرب العالمية الثانية، وصولًا إلى أعمال تطوير المهبط في عام 1945م.

لماذا الشويمية؟

لم يكن اختيار الشويمية بمعزل عن تطور حركة الطيران البريطاني في المنطقة، فالوثائق المتبادلة بين حكومة مسقط وعُمان والجانب البريطاني تشير إلى رغبة البريطانيين في إيجاد سلسلة من المحطات والمهابط على الطريق الجوي الممتد بين عدن والبصرة، بما يسمح للطائرات بالتوقف والتزود بالوقود ويوفر لها مواقع يمكن استخدامها عند الضرورة.
وفي هذا السياق اكتسب الساحل العُماني أهمية خاصة؛ فالمسافة بين جزيرة مصيرة ومرباط كانت بحاجة إلى نقاط يمكن للطائرات استخدامها عند الطوارئ، وكانت الشويمية من المواقع التي وقع عليها الاختيار.
وتوضح الوثائق أن الأمر لم يكن مرتبطًا بإنشاء مطار بالمعنى الحديث، بقدر ما كان إنشاء مهبط للطوارئ ونقطة لإمداد الطائرات بالوقود في منطقة ساحلية تقع على مسار الطيران.
ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية، ازدادت أهمية هذه المهابط؛ إذ تكشف المراسلات اللاحقة أن الحاجة إلى مهبط عامل في الشويمية ارتبطت أيضًا بالتهديد الذي مثلته الغواصات، وهو ما منح الموقع أهمية عسكرية ولوجستية أكبر من وظيفته الأولى، وقد تناولت المراسلات الحاجة الملحّة إلى تشغيل المهبط لمواجهة التهديد الناجم عن وجود الغواصات.

البداية تعود إلى عام 1936م

تكشف إحدى أهم الوثائق، وهي تقرير رفعه الوكيل السياسي والقنصل البريطاني في مسقط الميجور ر. ب. واتس (R. P. Watts) في 23 أبريل 1938م إلى المقيم السياسي البريطاني في الخليج في بوشهر، أن مهبطًا للطوارئ كان قد أُنشئ في الشويمية بواسطة بعثة سابقة وصلت إلى المنطقة في نوفمبر 1936م.
وهذا يعني أن تاريخ استخدام الموقع لأغراض الطيران يسبق عام 1938م، وأن بعثة ذلك العام جاءت لتضيف عنصرًا مهمًا إلى المهبط القائم، وهو مخزن الوقود.
ويذكر التقرير أن الغرض من بعثة 1938 كان بناء مخزن للبترول في مهبط الطوارئ بالشويمية، الذي كانت بعثة مماثلة قد أنشأته قبل نحو عام ونصف.

بعثة عسكرية إلى الشويمية

كان من المقرر أن تبدأ بعثة عام 1938 من مسقط في 10 مارس، إلا أن ظروفًا سياسية طارئة أخّرت مغادرتها حتى مساء 13 مارس 1938م.
وجاءت البعثة بطابع مشترك؛ إذ شاركت فيها عناصر مرتبطة بالبحرية والطيران والعمل السياسي، وأبحرت على متن السفينة البريطانية H.M.S. Deptford التي كُلّفت بمرافقة البعثة، في مؤشر واضح على الأهمية التي أُعطيت للمشروع.
وكان من بين المشاركين ضابط من سلاح الجو الملكي، وممثلون فنيون مسؤولون عن الأعمال والمنشآت، إلى جانب الوكيل السياسي البريطاني، وهو ما يوضح أن المهمة لم تكن رحلة استطلاعية فقط، وإنما عملية ميدانية لإنشاء منشأة تخدم الطيران في الموقع.
وتؤكد “خلاصة استخبارات مسقط” عن شهر مارس 1938 هذه الرحلة، مشيرة إلى أن الميجور واتس غادر على متن H.M.S. Deptford في 13 مارس متوجهًا إلى الشويمية بهدف بناء مخزن طوارئ للوقود في المهبط الذي أُنشئ هناك في العام السابق.

اتفاق مع شيخ البطاحرة

لكن إنشاء المهبط والمنشآت التابعة له لم يكن منفصلًا عن الترتيبات مع الأهالي في المنطقة، فمن الوثائق المهمة اتفاق مؤرخ في 1 أبريل 1938م مع الشيخ محمد بن سليم، شيخ البطاحرة في الشويمية، يتعلق بأرض المهبط والعناية بعلاماته ومخزن الوقود ومحتوياته.
وبموجب الاتفاق تقرر دفع مبلغ سنوي مقابل استئجار أرض المهبط والعناية بعلاماته ومخزن الوقود والمحافظة عليه. كما تضمنت الوثيقة إقرارًا يتعلق بالأرض التي أُقيم عليها المهبط.
وتكشف هذه الوثيقة أن المشروع لم يقتصر على الجانب الفني، بل استلزم ترتيبات سياسية ومحلية لضمان استمرار عمل المنشأة وحماية محتوياتها في ظل عدم وجود إدارة دائمة كبيرة في الموقع.

الوقود يصل بحرًا.. وسفن صور تدخل القصة

كانت واحدة من أكبر المشكلات التي واجهت المحطة هي كيفية إيصال الوقود والمؤن والمعدات إلى هذا الساحل البعيد، وهنا تكشف الوثائق عن دور لافت للسفن الشراعية العُمانية ومدينة صور في سلسلة الإمداد.
ففي رسالة مؤرخة في 1 مايو 1939م من علي بن محمد الجمالي سكرتير سلطان مسقط وعُمان إلى القنصل البريطاني في مسقط، ورد أن والي صور أبلغ الحكومة بأن صاحب سفينة شراعية من صور نقل من عدن إلى الشويمية 188 صندوقًا من وقود الطائرات و15 برميلًا من الزيت.
لكن السفينة عندما وصلت إلى الشويمية لم تجد الشيخ. كما لم يحضر أحد لتسلّم الشحنة، فاضطر النوخذة إلى العودة بسفينته وحمولته إلى صور، وتؤكد المراسلات أن الوقود والزيت كانا تابعين لسلاح الجو الملكي.
وتحولت المسألة إلى سلسلة من البرقيات بين مسقط والقيادات الجوية البريطانية؛ إذ حالت الظروف الموسمية دون إعادة السفينة إلى الشويمية في ذلك الوقت، فتقرر نقل الوقود من صور، قبل بحث إمكانية إعادته لاحقًا إلى المحطة.
وفي 12 مايو 1939م أبلغ الوكيل السياسي أن إعادة الشحنة إلى الشويمية لن تكون ممكنة إلا بعد موسم الرياح الموسمية، في حدود نهاية سبتمبر.
وتكشف هذه التفاصيل الصغيرة حجم التحدي الذي واجه تشغيل محطة طيران في منطقة بعيدة لا تربطها آنذاك شبكة طرق حديثة بالمراكز الرئيسة، فأصبح البحر وسفن النقل التقليدية جزءًا أساسيًا من المنظومة الجوية الجديدة.

الحرب العالمية الثانية تعيد الشويمية إلى الواجهة

لم تنته قصة المهبط بإنشاء مخزن الوقود في الثلاثينيات؛ إذ أعادت ظروف الحرب العالمية الثانية الشويمية إلى الواجهة، وتكشف وثائق المراسلات البريطانية في السنوات اللاحقة تناولت تطوير المهبط وجعله صالحًا للاستخدام، وتوفير العمال والمياه والمؤن والحماية، فضلًا عن الترتيبات مع حكومة مسقط وعُمان والقيادات المحلية.
وكان المشروع بحلول عام 1945 قد تحول إلى عملية لوجستية واسعة نسبيًا، شاركت فيها جهات بريطانية في عدن ومصيرة ومسقط، إلى جانب حكومة مسقط وعُمان والمتعهدين والعمال العُمانيين.

مائة عامل إلى الشويمية

من أبرز الوثائق المتعلقة بمرحلة 1945 رسالة صادرة من القنصلية البريطانية في مسقط بتاريخ 21 يناير 1945م إلى شركة كيمجي رامداس تطلب الاستعداد فورًا لتوفير احتياجات أعمال سلاح الجو الملكي في الشويمية.
وتضمنت الترتيبات نقل وإسكان وتموين نحو 100 عامل وثلاثة رؤساء عمال مع توفير أدوات للعمل، بينها عشرات أدوات الكشط والحفر والمجارف، إلى جانب تجهيز المؤن والمياه اللازمة للرحلة والإقامة.
وقد ردّت حكومة سلطنة مسقط وعمان عن طريق السيد شهاب بن فيصل ناظر الشؤون الداخلية في 24 يناير 1945 بأن العمال حاضرين ومستعدين للسفر، وقد توجهوا إلى محل كيمجي رامداس لعمل الفحوصات الطبية، وبالنسبة لرواتبهم فقد أشار السيد شهاب إلى مساواتهم بالعمال الموجودين في قاعدة مصيرة.
وفي الأول من فبراير 1945 أبلغت شركة كيمجي رامداس الوكيل السياسي بأن ست سفن شراعية تحمل عمال الشويمية كانت قد أبحرت، على أن تمر بمصيرة للتزود بالمياه وأخذ الحراسة وما يلزم قبل مواصلة الرحلة. وهكذا كانت مصيرة تمثل حلقة وسيطة بين مسقط والشويمية في تنفيذ العملية.
كما تكشف قوائم مرفقة توزيع العمال والمؤن والمعدات على عدد من السفن الشراعية، مع تحديد أسماء النواخذة وأعداد العمال الذين ستنقلهم كل سفينة وما تحمله من ماء ومؤن وأدوات.

الأمن.. أحد أكبر الهواجس

كانت حماية العمال والمعدات والطائرات أحد الموضوعات التي شغلت مساحة واسعة من المراسلات، ففي التاسع والعشرين من يناير 1945 بعث القنصل البريطاني في مسقط بخطابٍ إلى السيد شهاب بن فيصل ناظر الشؤون الخارجية يتعهد فيه نيابةً عن سلاح الطيران البريطاني بتوفير قوة كافية من العساكر لضمان الحماية الكافية للعمّال.
كما جرى الاتفاق على دور شيخ المنطقة وحراسه في حماية معسكر العمال، ومنع دخول الأشخاص غير المصرح لهم، ونقل الرسائل بين الشيخ والضباط المشرفين على المشروع، ومساعدة القوة الموجودة في الموقع وإبلاغها بتحركات القبائل الأخرى، حيث تم في الأول من ربيع الأول 1364هـ الموافق 25 أبريل 1945م التوقيع في مكتب والي ظفار بقصر الحصن على اتفاقية بين حكومة سلطنة مسقط وعمان ونائب شيخ الشويمية تضمنت خمسة بنود خاصة بالإشراف على حماية وحراسة معسكر العمال ومهبط الطائرات والتعاون مع الفنيين بالموقع، كما تم الاتفاق على البنود المالية المتعلقة بالاتفاقية.

الماء.. تحدٍ آخر

إلى جانب الأمن والنقل، برزت المياه باعتبارها واحدة من القضايا الأساسية، فالعمال والقوة المرافقة كان عليهم البقاء في منطقة نائية لأسابيع، وهو ما استدعى دراسة مصادر المياه وكمياتها ومدى صلاحيتها للاستخدام، إلى جانب نقل كميات إضافية بحرًا.
وتضمنت الوثائق فحوصًا لعينات مياه من الشويمية وتوصيات تتعلق بمعالجتها، وهو ما يكشف الدقة التي وصلت إليها ترتيبات تشغيل الموقع، حيث لم يعد الأمر يتعلق بتهيئة أرض تهبط عليها الطائرات فحسب، وإنما بإيجاد منظومة مؤقتة قادرة على إعاشة عشرات العاملين وحمايتهم وتموينهم.

من البحر إلى المهبط

تضيف الصور الحديثة للموقع بعدًا آخر للقصة، فإلى جانب المبنى الذي استخدم مخزنًا للوقود، ما تزال في المنطقة آثار واضحة لمهبط الطائرات. كما يظهر طريق قديم تحده الحجارة يمتد في اتجاه الساحل بحوالي كيلو مترين.
وبالنظر إلى طبيعة الإمدادات التي تكشفها الوثائق، حيث كانت المعدات والوقود والعمال يصلون بالسفن، فإن وجود طريق يربط الساحل بمنطقة المهبط والمخزن ينسجم مع الوظيفة اللوجستية للموقع؛ إذ كان لا بد من نقل ما يصل بحرًا إلى المنشآت الموجودة في الداخل.
وتبدو اليوم بقايا المهبط في صورة خطوط وتكوينات حجرية على الأرض، بينما بقي مبنى المخزن أكثر وضوحًا، بجدرانه الحجرية وفتحاته الصغيرة وبابه الرئيس.
وهذه البقايا المادية، عند قراءتها إلى جانب الوثائق، تحوّل الموقع من مجرد أطلال متناثرة إلى خريطة يمكن من خلالها تصور حركة المكان قبل نحو تسعة عقود: سفن تقترب من الساحل محملة بالعمال والمؤن والوقود، وطريق يصل البحر بالمخزن والمهبط، وعمال يهيئون أرض الطيران، وحراس يتولون حماية المعسكر، وطائرات تستخدم الشويمية محطة للطوارئ على الساحل العُماني.
وهكذا فإن ما بقي على أرض الشويمية اليوم يمثل شاهدًا ماديًا على فصلٍ مبكر من تاريخ الطيران في سلطنة عُمان، وعلى مرحلة التقت فيها طرق البحر القديمة بخطوط الطيران الحديثة؛ فكانت السفينة العُمانية تحمل الوقود والعمال إلى الساحل، بينما كان المهبط الحجري القريب ينتظر الطائرات القادمة عبر سماء بحر العرب.

المراجع

  • مكتبة قطر الرقمية. “ملف ١٠/٢ II‏. الطيران. ب‏. سلاح الجو الملكي. (١‎‏) استطلاع البصرة وعدن ومسقط ومصيرة ومرباط، وخليج صوقره إلخ.”رقم الاستدعاء: IOR/R/15/6/87
  • مكتبة قطر الرقمية. “ملف ٢٥/٢ II. الطيران. ب‏. سلاح الجو الملكي. ٣. (و) مهبط طائرات ومخزن وقود الشويمية.”، رقم الاستدعاء IOR/R/15/6/107
  • مكتبة قطر الرقمية. ملخص استخبارات مسقط 1933-1945، تقرير شهر مارس 1938
  • تصوير: الفاضل سعود بن عامر البطحري

شارك هذا الخبر