أثير- د. محمد بن حمد العريمي
في إحدى صفحات جريدة “عُمان” الصادرة يوم 5 أكتوبر 1976م، نُشر إعلان لوزارة التربية والتعليم آنذاك حمل عنوان أسماء الدفعة الأولى من الطلبة المقبولين بمعهد المعلمين، وتضمن أسماء مجموعة من الشباب العُمانيين الذين وقع عليهم الاختيار للالتحاق بأول معهد لإعداد المعلمين في سلطنة عُمان، في خطوة شكلت بداية مرحلة جديدة من مسيرة إعداد الكوادر الوطنية للعمل في مهنة التدريس.
لم يكن أولئك الشباب، الذين توزعت أسماؤهم في الإعلان على مناطق السلطنة المختلفة، يدركون أن تلك القائمة المنشورة في الصحيفة ستصبح بعد نصف قرن وثيقة تاريخية تسجل البدايات الأولى لجيل من المعلمين العُمانيين، وأن بعض الأسماء الواردة فيها ستواصل مسيرتها لتصل إلى مواقع أكاديمية وتربوية وإدارية وثقافية بارزة.

وقد حدد الإعلان يوم السبت 16 أكتوبر 1976م موعدًا لحضور الطلبة المقبولين إلى مقر المعهد في الطابق الثالث من مدرسة جابر بن زيد الثانوية بالوطية، تمهيدًا لبدء الدراسة، وهو اليوم الذي شهد كذلك افتتاح المعهد على يد معالي أحمد بن عبدالله الغزالي، وزير التربية والتعليم آنذاك.
واليوم، وبعد مرور خمسين عامًا على ذلك الإعلان، تعود “أثير” إلى هذه الصفحة من تاريخ التعليم العُماني، لتستعيد ذكريات عدد من أبناء الدفعة الأولى، وتتعرف إلى تجربتهم في المعهد، والتحديات التي واجهتهم عند دخولهم مهنة التدريس في أعمار مبكرة، والمسارات التي سلكوها خلال العقود التالية، فمنهم من أصبح أكاديميًا وباحثًا، ومنهم من تولى قيادة مؤسسات تعليمية، وآخرون انتقلوا إلى مواقع المسؤولية في مؤسسات الدولة والعمل المجتمعي.
ومن خلال شهادات الدكتور محمود بن مبارك السليمي، والأستاذ سالم بن حمدان الحجري، والأستاذ أحمد بن راشد الفزاري، والأستاذ سالم بن حميد الحجري، نستعيد حكاية جيلٍ بدأ رحلته في قاعات متواضعة بمدرسة جابر بن زيد، وأسهم لاحقًا في بناء منظومة التعليم العُمانية وخدمة المجتمع.
افتتاح المعهد
قبل خمسين عامًا، وتحديدًا في صباح يوم السبت 16 أكتوبر 1976م، شهدت سلطنة عُمان حدثًا تربويًا مهمًا، تمثل في افتتاح أول معهد لإعداد المعلمين العُمانيين، في خطوة استهدفت بناء الكوادر الوطنية المؤهلة للتدريس، ومواكبة التوسع المتسارع في إنشاء المدارس وانتشار التعليم في مختلف محافظات السلطنة.
وقد افتتح المعهد معالي أحمد بن عبدالله الغزالي، وزير التربية والتعليم آنذاك، واتخذ من مدرسة جابر بن زيد الثانوية بمنطقة الوطية في مسقط مقرًا مؤقتًا له، إلى حين إنشاء مبناه الدائم.
من الحاجة إلى المعلم العُماني بدأت الحكاية
جاء افتتاح معهد المعلمين في مرحلة كانت فيها سلطنة عُمان تشهد توسعًا كبيرًا في التعليم، مع افتتاح مدارس جديدة في مختلف المناطق، وما رافق ذلك من حاجة متزايدة إلى المعلمين المؤهلين.
وكانت وزارة التربية والتعليم تعتمد في تلك المرحلة على استقدام المعلمين من الدول العربية الشقيقة، غير أن التوسع التعليمي المتسارع جعل من إعداد المعلم العُماني ضرورة وطنية.
ولهذا جاء إنشاء المعهد بهدف تأهيل كوادر وطنية تتولى التدريس في الصفوف الأولى من المرحلة الابتدائية، وإكسابها المهارات المهنية والتربوية، وتعزيز ثقافتها العامة، وإعدادها للمشاركة في تنمية المجتمع.
وتشير التغطية التي نشرتها جريدة “عُمان” في 19 أكتوبر 1976م إلى أن المعهد كان مشروعًا تربويًا جديدًا يستهدف إعداد المعلمين وتأهيلهم، بينما تناول تحقيق صحفي نشرته الجريدة في 26 أكتوبر من العام نفسه تفاصيل الدراسة والحياة اليومية للطلبة والتطلعات التي حملوها إلى مستقبلهم المهني.


ثلاثون طالبًا في أول دفعة
بحسب المعلومات المنشورة عند افتتاح المعهد، بلغ عدد طلاب الدفعة الأولى ثلاثين طالبًا، جاؤوا من مناطق مختلفة من السلطنة، وأُعد لهم سكن داخلي ملحق بمدرسة جابر بن زيد الثانوية، وتوضح شهادات بعض المنتسبين أن عدد الطلاب الذين باشروا الدراسة فعليًا كان أقل من العدد المعلن عند التأسيس، إذ يتذكر أحمد بن راشد الفزاري، وهو أحد طلاب الدفعة الأولى أن عددهم بلغ 24 طالبًا.
وكان مقر المعهد في الطابق العلوي من المدرسة، حيث خُصصت قاعات للدراسة والسكن والإدارة، مع الاستفادة من إمكانات المدرسة وهيئتها التدريسية، والاستعانة بمعلمين متخصصين في التربية وعلم النفس والتطبيقات التربوية.
واستمرت الدراسة سنتين، تلقى خلالهما الطلاب المعارف العامة والمواد التربوية، وتدربوا على إعداد الوسائل التعليمية وأساليب التدريس، إلى جانب التطبيق العملي في عدد من مدارس مسقط.
وبعد تخرجهم عام 1978م، توزعوا على المدارس في مناطقهم، ليبدأوا رحلة مهنية امتدت لدى بعضهم لأكثر من أربعة عقود.
الدكتور محمود بن مبارك السليمي: خرجنا من بلداتنا صغارًا وعدنا معلمين
يستعيد الدكتور محمود بن مبارك السليمي، أحد طلاب الدفعة الأولى، ذكريات التحاقه بالمعهد، مشيرًا إلى أن معظم المنتسبين كانوا صغار السن، وأن عددًا منهم غادر بلدته للمرة الأولى من أجل الدراسة في مسقط.
ويقول إن التحاقه بالمعهد جاء بعد الصف الأول الإعدادي، وإن الدراسة والسكن كانا في مدرسة جابر بن زيد، وتحديدًا في الطابق الثالث، حيث عاش الطلبة تجربة جديدة جمعت بين التحصيل العلمي والاعتماد على النفس.
ويتذكر السليمي أن المعهد حظي باهتمام مباشر من وزير التربية والتعليم آنذاك، الذي كان يتابع أحوال الطلبة ويزورهم بصورة مستمرة، في ظل التفاؤل الذي صاحب تأسيس أول مؤسسة من نوعها لإعداد المعلمين العُمانيين.
ويشير إلى أن الدراسة استمرت سنتين، وأنهم تخرجوا وهم في أعمار صغيرة، وكان بعضهم على مشارف التاسعة عشرة، ولم تكن البداية المهنية سهلة، إذ واجه الخريجون تحديات داخل الصفوف الدراسية، خصوصًا أن بعض التلاميذ كانوا أكبر سنًا من معلميهم الجدد.
ويذكر السليمي أنه علم خلال السنة الثانية من الدراسة بوجود إشكال يتعلق بالاعتراف بشهادة المعهد، الأمر الذي دفعه إلى التقدم للحصول على الشهادة الإعدادية العامة عن طريق الدراسة الحرة.
ولم تتوقف طموحات محمود السليمي عند التأهيل الأولي؛ فقد واصل دراسته الثانوية، وحقق معدلًا بلغ 95%، وحصل على منحة للدراسة في جامعة الملك سعود، حيث تخصص في اللغة العربية بدلًا من اللغة الإنجليزية.

وتكشف تجربة الدكتور محمود بن مبارك السليمي جانبًا مهمًا من تاريخ الدفعة الأولى، يتمثل في حرص عدد من خريجي المعهد على مواصلة التعليم الأكاديمي بعد دخولهم مهنة التدريس، وعدم الاكتفاء بالمؤهل الذي حصلوا عليه عند بداية حياتهم العملية، حيث يُعد اليوم من الأكاديميين والباحثين والأدباء العُمانيين الذين أسهموا في إثراء المشهد التعليمي والثقافي والفكري في سلطنة عُمان، وله اهتمامات بحثية بالتاريخ العُماني والأدب والتراث الفكري والحضاري.
وشغل السليمي منصب رئيس مجلس إدارة النادي الثقافي، وأسهم في تنشيط الحركة الثقافية والفكرية، ودعم المبادرات والبرامج المعنية بالثقافة العُمانية وتراثها الحضاري. كما أن له إسهامات في البحث والتأليف وتحقيق المخطوطات، ومن أبرز أعماله كتاب “أثر الفكر الإباضي في الشعر العُماني”، ومشاركته مع الأستاذ الدكتور محمد حبيب صالح في تحقيق كتاب “الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين” للمؤرخ حميد بن محمد بن رزيق.
سالم حمدان الحجري: من معلم في بدية إلى خبير تربوي
أما الأستاذ سالم بن حمدان الحجري، أحد أبناء ولاية بدية، وأحد طلاب الدفعة الأولى، فيصف معهد المعلمين بأنه المؤسسة التي أسهمت في تغيير واقع التعليم، من خلال إعداد جيل من المعلمين العُمانيين القادرين على تحمل مسؤولية التدريس.
ويستعيد الحجري لحظة التحاقه بالمعهد قادمًا من المعهد الإسلامي، برفقة زميله الأستاذ سالم بن حميد الحجري، مشيرًا إلى أنهما أمضيا سنتين في تعلم أساليب التدريس وإعداد الوسائل التعليمية، إلى جانب التدريب العملي في مدارس محافظة مسقط تحت إشراف معلمي المعهد.
ولم تقتصر الحياة داخل المعهد على الدراسة، فقد شارك سالم حمدان في سباقات الماراثون والمسابقات الرياضية وفريق كرة القدم، وكانت هناك منافسات مع طلبة القسم الداخلي للمدرسة السعيدية والمعهد الإسلامي.
وبعد التخرج، عُيّن خلال العام الدراسي 1978–1979م معلمًا في مدرسة الجلندى بن مسعود بولاية بدية، مع زميله سالم بن حميد الحجري، وكانت المدرسة آنذاك تتبع الإدارة التعليمية في صور، واستمر في التدريس سنتين، قبل تعيينه مساعدًا في مدرسة الواصل الابتدائية ببدية، ثم تنقل بين إدارة المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية.
وبالتوازي مع عمله، واصل الأستاذ سالم بن حمدان الحجري دراسته الثانوية والجامعية، وتدرج في عدد من الوظائف، شملت التوجيه التربوي والتوجيه الإداري، والعمل مساعدًا في دائرة التعليم بمحافظة شمال الشرقية في إبراء، والبحث التربوي، وصولًا إلى العمل خبيرًا تربويًا.
وامتد نشاطه إلى العمل الكشفي والتدريب وتنمية المهارات، حيث حصل على دورات متخصصة، وأسهم في إعداد فرق طلابية لإلقاء المحاضرات على زملائهم. كما شارك في معالجة عدد من القضايا المرتبطة بالطلبة وأولياء الأمور والمؤسسات التعليمية، من خلال التواصل مع الشيوخ وأعضاء مجلس الشورى.

ويرى الأستاذ سالم بن حمدان الحجري أن المعهد كان نقطة التحول الأساسية في حياته، إذ هيأه وزملاءه لتحمل مسؤوليات كبيرة في سن مبكرة، وغرس فيهم المبادئ التربوية والأخلاقية التي صاحبتهم طوال حياتهم المهنية.

أحمد بن راشد الفزاري: من التدريس في صحم إلى العمل البلدي والمجتمعي
من ولاية صحم بمحافظة شمال الباطنة، يستعيد الأستاذ أحمد بن راشد الفزاري تفاصيل التحاقه بالمعهد في عام 1976م، بعد عودته من الكويت، حيث كان قد حصل على شهادة المرحلة المتوسطة.

ويتذكر الأستاذ أحمد الفزاري أن طلبة الدفعة الأولى قدموا من مناطق متعددة، وأن خمسة منهم كانوا من الباطنة، وثمانية من الشرقية، واثنين من ظفار، واثنين من مسندم، وخمسة من الداخلية، إلى جانب عدد من طلبة العاصمة.
ويذكر الفزاري إن الحياة في المعهد كانت بسيطة، إذ خُصصت قاعة واحدة لسكن الطلبة القادمين من خارج مسقط، إلى جانب قاعات الدراسة وغرف المشرفين. ورغم بساطة الإمكانات، فقد نشأت بين الطلبة علاقات قوية من الأخوة والزمالة والصداقة، ظلت آثارها حاضرة بعد مرور عقود.
ويتذكر الفزاري عددًا من المعلمين والمشرفين العرب الذين أسهموا في إعداد الدفعة الأولى، ومن بينهم الأستاذ فهمي محمد سالم مدير المعهد، وزغلول مصطفى من مصر، الذي تولى الإشراف على القسم الداخلي، وكان يحظى بتقدير الطلبة لما أبداه من عناية واهتمام بهم.
كما يشير إلى الزيارات المتكررة التي كان يقوم بها المسؤولون في وزارة التربية والتعليم، وفي مقدمتهم الوزير أحمد بن عبدالله الغزالي، فضلًا عن زيارات وفود تربوية خارجية.
وبعد التخرج، عاد الأستاذ أحمد الفزاري إلى منطقة الباطنة، وعُيّن معلمًا في مدرسة مخيليف، التي كانت مبنية آنذاك بمواد غير ثابتة، وتولى تدريس الصفوف من الأول إلى الرابع في مختلف المواد الدراسية، وفي الوقت نفسه التحق بدورة تأهيل تربوي لمدة سنة أثناء الخدمة، مقرّها بالنسبة لمعلمي منطقة الباطنة في ولاية المصنعة، ولم تكن هناك تخصصات دقيقة كما هو اليوم بل كان الطلاب يتخرجون كمعلمي فصل ويقومون بتدريس كافة المواد.


ويستعيد الأستاذ أحمد الفزاري إحدى المفارقات التي واجهها المعلمون الجدد، إذ كان بعض الطلبة الذين يدرّسونهم في مثل أعمارهم أو أكبر منهم، نظرًا إلى أن بعض المنتسبين للمعهد كانوا في السادسة عشرة عند التحاقهم به، حيث يذكر: “كنا أحياناً ندرّس طلبة في نفس أعمارنا وأحيانًا أكبر منا، لأن بعضنا دخل المعهد وعمره 16 سنة، وأذكر أننا عندما كنا نتدرب في مدرسة حسان بن ثابت كان بعض الطلبة أكبر منا سنّا”.
وبعد نحو ثلاث سنوات من التدريس، انتقل الفزاري إلى وظيفة وكيل مدرسة خلال العام الدراسي 1982–1983م، ثم تولى إدارة إحدى المدارس الابتدائية تحت مسمى “مدير مدرسة ابتدائي”، ومن المحطات التي يعتز بها زيارة معالي الدكتور يحيى بن محفوظ المنذري، وزير التربية والتعليم وشؤون الشباب آنذاك، إلى مدرسة المقداد بن الأسود بولاية صحم، عندما كان الفزاري مديرًا لها، حيث أشاد الوزير بمستوى المدرسة وإدارتها وطلبتها، وما يزال الفزاري يحتفظ بشهادة الشكر والتقدير التي حصل عليها عقب تلك الزيارة في عام 1985م.


ثم تولى الأستاذ أحمد الفزاري إدارة مدرسة عبد الرحمن بن عوف الإعدادية نحو أربع سنوات بعد ترقيته إلى “مدير مدرسة إعدادي”، وانتقل بعد ذلك إلى مدرسة هلال بن عطية في مركز ولاية صحم.
وبعد طلب التقاعد المبكر، لم تنتهِ مسيرته في خدمة المجتمع، بل انتقل إلى الأنشطة البلدية والمجتمعية، وأصبح عضوًا في المجلس البلدي بمحافظة شمال الباطنة لمدة عشر سنوات متواصلة.
ويشير الفزاري إلى أن العلاقات التي جمعت طلبة الدفعة الأولى ما تزال مستمرة، وأن من بقي منهم على تواصل يجمعهم اليوم تواصل عبر تطبيق “واتساب”، يتبادلون من خلاله الأخبار والذكريات بعد مرور نصف قرن على لقائهم الأول.
سالم بن حميد الحجري: من معلم فصل إلى مدير للتعليم ومستشار في وزارة الداخلية
تمثل تجربة الأستاذ سالم بن حميد بن صالح الحجري، المولود في عام 1960م بولاية بدية، نموذجًا آخر للمسارات المهنية التي انطلقت من معهد المعلمين، وامتدت لاحقًا إلى مواقع قيادية في مؤسسات حكومية متعددة.
بدأ سالم بن حميد تعليمه عام 1965م في مدرسة السيد فيصل بن حمود بن عزان، إحدى مدارس الكتاتيب ببلدة الواصل في بدية، ثم التحق بمدرسة الجلندى بن مسعود عند افتتاحها يوم السبت 25 رجب سنة 1390هـ الموافق 26 سبتمبر 1970م.

وبعد حصوله على شهادة الصف الخامس الابتدائي في عام 1974م، انتقل إلى المعهد الديني بالوطية في مسقط، حيث أكمل المرحلة الابتدائية، ثم التحق بالمرحلة الإعدادية، وفي عام 1976م، وبعد اجتياز الصف الأول الإعدادي، التحق بالدفعة الأولى لمعهد المعلمين.
ويشير الحجري إلى أن قرار قبول الطلبة في ذلك الوقت جاء استجابة للحاجة الملحّة إلى المعلمين العُمانيين، في ظل التوسع في افتتاح المدارس وصعوبة توفير الأعداد المطلوبة من المعلمين المستقدمين من الخارج.
ويضيف أن الالتحاق بالمعهد كان مصدر فخر واعتزاز للطلبة، الذين شعروا بأنهم سيشاركون بصورة مباشرة في بناء نهضة التعليم في السلطنة.
وبعد تخرجه في عام 1978م، عُيّن الأستاذ سالم بن حميد الحجري في 11 سبتمبر من العام نفسه معلم فصل بمدرسة الجلندى الابتدائية بولاية بدية، وظل يعمل بها حتى نهاية العام الدراسي 1982م.

ثم بدأت مسيرته الإدارية، فتولى إدارة مدرسة المعترض الابتدائية بولاية القابل عام 1983م، قبل تعيينه مديرًا للمدرسة السعيدية الإعدادية بمسقط في عام 1985م، ثم مديرًا لمدرسة المتنبي الثانوية بولاية إبراء عام 1987م.
وفي عام 1988م، انتقل إلى مستوى الإدارة التعليمية، فعُيّن نائبًا لمدير التربية والتعليم بشمال الشرقية، ثم كُلّف بإدارة التربية والتعليم بالمنطقة، واستمر في هذا الموقع حتى عام 1995م، وبعد ذلك، تولى رئاسة مكتب وزير التربية والتعليم، ثم انتقل إلى وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، حيث شغل منصب رئيس مكتب الوزير، قبل تعيينه مديرًا عامًا للوعظ والإرشاد، ثم مديرًا عامًا للمساجد ومدارس القرآن الكريم.
وفي عام 2004م، انتقل الأستاذ سالم بن حميد إلى وزارة الداخلية، وعُيّن مستشارًا بمكتب الوزير، وظل في هذا المنصب حتى تقاعده في عام 2020م.
وهكذا امتدت خدمته الحكومية 42 عامًا، بدأها معلمًا في مدرسة ابتدائية بولاية بدية، واختتمها مستشارًا في وزارة الداخلية، في مسيرة تعكس ما أتاحه التأهيل التربوي الأول من فرص للتطور المهني وتحمل المسؤوليات القيادية.

ذكريات السكن الداخلي.. مدرسة أخرى للحياة
تتقاطع شهادات أبناء الدفعة الأولى عند جانب إنساني مهم، يتمثل في تجربة السكن الداخلي التي عاشوها في مدرسة جابر بن زيد الثانوية، فقد كان كثير منهم يغادرون بلداتهم للمرة الأولى، وينتقلون إلى العاصمة مسقط، حيث وجدوا أنفسهم في بيئة جديدة تختلف عن الحياة التي اعتادوها في قراهم وولاياتهم، وجمعتهم قاعات الدراسة والسكن والأنشطة الرياضية والثقافية، وتعلموا إلى جانب المناهج الدراسية الانضباط والاعتماد على النفس والتعاون وتحمل المسؤولية.
كما كانت متابعة المسؤولين للمعهد وزياراتهم المتكررة مصدر تشجيع للطلبة، الذين أدركوا أن الدولة تعوّل عليهم في الإسهام في بناء جهازها التعليمي الوطني.

ولعل من أبرز المفارقات التي تستوقف المتأمل في تلك التجربة أن بعض خريجي المعهد دخلوا الصفوف معلمين وهم في السابعة عشرة أو الثامنة عشرة، ووجدوا أنفسهم أمام طلبة يقاربونهم في العمر أو يكبرونهم سنًا.
لكن تلك التحديات تحولت إلى خبرات عملية أسهمت في بناء شخصياتهم، ومنحتهم القدرة على التعامل مع الظروف التعليمية التي كانت سائدة في السنوات الأولى للنهضة.
من معلم الفصل إلى مواقع المسؤولية
تكشف الشهادات الأربع أن المعهد لم يكن مجرد مؤسسة تمنح تأهيلًا مهنيًا قصير المدة، بل كان بدايةً لمسارات تعليمية وإدارية امتدت عقودًا، فمن بين أبناء الدفعة الأولى من واصل تعليمه الجامعي، ومن تدرج في إدارة المدارس والتوجيه التربوي والبحث التربوي، ومن تولى إدارة التعليم على مستوى المناطق، ومن انتقل إلى مناصب قيادية واستشارية في وزارات أخرى، ومن واصل خدمة المجتمع عبر المجالس البلدية والأنشطة الاجتماعية.
وتكشف هذه التجارب أيضًا عن التحولات التي شهدها قطاع التعليم في سلطنة عُمان، بدءًا من مرحلة الحاجة إلى معلم يتولى تدريس جميع المواد في صف واحد، وصولًا إلى اتساع مجالات التخصص والتأهيل والإدارة التربوية.
وقد أسهم هؤلاء الخريجون، كلٌّ في موقعه، في تعليم أجيال متعاقبة من الطلبة، وتطوير المدارس، والمشاركة في بناء المؤسسات التي تولت إدارة التعليم وتوسيعه في مختلف المحافظات.
خمسون عامًا، والذكريات ما تزال حاضرة
بعد نصف قرن من افتتاح أول معهد للمعلمين في سلطنة عُمان، تبدو تجربة الدفعة الأولى أكثر من مجرد ذكرى تعليمية تعود إلى عام 1976م؛ فهي صفحة من تاريخ بناء الإنسان العُماني، ومن الجهود التي بُذلت لتوطين مهنة التعليم وإعداد الكفاءات الوطنية.
فأولئك الفتية الذين اجتمعوا في الطابق العلوي من مدرسة جابر بن زيد الثانوية، يحملون كتبهم وطموحاتهم، لم يكونوا يدركون بالضرورة حجم المسارات التي ستفتحها أمامهم تلك التجربة.
وبين من أصبح خبيرًا تربويًا، ومن تولى إدارة المدارس والمؤسسات التعليمية، ومن وصل إلى مواقع المسؤولية الحكومية، ومن واصل خدمة مجتمعه بعد التقاعد، بقيت البداية واحدة: معهد صغير في إمكاناته، كبير في رسالته وطموحاته.
واليوم، في الذكرى الخمسين لافتتاحه، تستحق تجربة أولئك الرواد أن تُستعاد وتُوثق، ليس فقط باعتبارها جزءًا من تاريخ التعليم العُماني، وإنما تقديرًا لجيل حمل مسؤولية التدريس في مرحلة مبكرة من عمر النهضة، وأسهم في إعداد أجيال جاءت بعده، وظلت آثار جهوده حاضرة في المدارس والمؤسسات والمجتمع.
فبعد خمسين عامًا، لم تعد حكاية الدفعة الأولى حكاية ثلاثين طالبًا التحقوا بمعهد جديد فحسب، بل أصبحت حكاية جيل بدأ معلمًا، وأسهم في صناعة مستقبل التعليم في سلطنة عُمان.
المراجع
- جريدة عمان. عدد 5 أكتوبر 1976
- جريدة عمان. عدد 19 أكتوبر 1976
- جريدة عمان. عدد 25 أكتوبر 1976
- الدكتور محمود بن مبارك السليمي. اتصال هاتفي، الأحد 30 أغسطس 2026م.
- الأستاذ أحمد بن راشد الفزاري. تواصل عبر تطبيق الواتس آب، الجمعة 18 سبتمبر 2026م.
- الأستاذ سالم بن حمدان الحجري. تواصل عبر تطبيق الواتس آب، الأحد 30 أغسطس 2026م.
- الأستاذ سالم بن حميد الحجري. تواصل عبر تطبيق الواتس آب، الثلاثاء 15 سبتمبر 2026م.




